' />

   
 
 

First Published: 2011-08-18

حزب الله الحجاز..ورقة سوريا للانتقام من السعودية

 

ما من أمر يمنع إيران وسوريا من إعادة استخدام حزب الله الحجاز في تهديد الاستقرار في منطقة الخليج؛ فالحزب تأسس لهذا الغرض.

 

ميدل ايست أونلاين

خامنئي في زيارة للحوزة الحجازية

يثير تواجد حزب الله الحجاز في سوريا ولبنان قلقاً كبيراً لدى المراقبين في السعودية والخليج العربي، إذ يتوقع كثيرون أن ينشط الحزب لتخفيف ضغوط السعودية ودول الخليج العربي على سوريا بعد البيان الذي وجهه العاهل السعودي وطالب فيه الرئيس السوري بشار الأسد بإيقاف قتله لشعبه.

الباحث عبدالعزيز الخميس يقرأ إمكانية استعمال سوريا وإيران المتحالفة معها لحزب الله الحجاز في عمليات انتقامية ضد السعودية.

***

دخلت ثلة من الجنود السوريين يقودهم ضابط برتبة مقدم إلى زنزانة ضيقة ليقتادوا سجيناً سعودياً نحيلاً، بدت عليه وهو في طريقه للتحقيق علامات الارتياح؛ فهو سجين في بلاد متحالفة مع أصدقائه في طهران، وآلية القبض عليه والتعامل معه لا توحي بأن هناك في الأمر عداء أو أوامر بالتعامل الفظ.

يعرف السجين الأسمر جيداً أن من يدخل سجناً سياسياً في سوريا عليه أن يهتم بإيصال وصيته إلى أهله بأي شكل، فخروجه من هذا السجن يعد ميلاداً جديداً.

لكن ما يجعل السجين يشعر بالإرتياح هو أن الضابط السوري لقبه حينما ناداه باسمه: السيد جعفر الشويخات.

إذ أن مجرد استعمال لقب "سيد" في هذا المكان للتعريف بسجين، يعني أن هناك أوامر بمعاملته باحترام، ويعرف جعفر ومن معه في الزنزانة آنذاك المصطلحات والإجراءات في سوريا، فهو غير غريب عنها حيث قضى سنوات عديدة مستظلاً بحوزة السيدة زينب والتي تبعد عن دمشق عشرة كيلومترات.

لكن لم تنفع الشويخات عبارات الاحترام إذ تم قتله بدم بارد ثم وضع في زنزانة فردية وقيل إنه انتحر فيها بعد أن علم أنه سيسلم للسعودية لقيامه بالمساهمة في تفجير الخبر.

هل انتهت قصة الشويخات؟ وهل مات منتحراً أم مقتولاً؟ وهل تلك الجنازة الكبيرة التي حضرها كثير من أعضاء حزب الله اللبناني وقاموا فيها بدفن الشويخات في مقبرة للشيعة بجوار السيدة زينب كانت حقيقية؟

الشويخات، هل مات منتحراً أم مقتولاً؟

البعض يشير إلى أنه قتل بدم بارد من قبل المخابرات السورية لأنه كان سيقود التحقيقات السعودية والأميركية الى إيران.

ويرى آخرون ان الشويخات تم تهريبه إلى إيران والإدعاء بأنه قتل نفسه حيث تم دفنه سريعا دون أن يتسنى للسلطات السعودية التأكد من مقتله.

كلما جاء ذكر للتعاون الأمني السوري السعودي، أطل شبح جعفر الشويخات ليشكك في نجاح التعاون بين نظامين لا يجمعهما سوى اللغة والجغرافيا في حين تفرقهما التوجهات السياسية وطبيعة نظام الحكم والتحالفات الدولية.

لم يكن عهد سوريا بالمعارضة السعودية يسارية أو إسلامية، شيعية أو سنية، جديداً، بل هو قديم قدم اعتبار البعثيين دمشق بيت العرب الأول. فأصبحت دمشق الملجأ للمعارضين العرب من جميع الفئات؛ ففيها وجد معارضون يساريون سعوديون الأمان كما يقيم فيها حتى الآن العديد من المنتمين لأحزاب وتجمعات شيعية خليجية متعددة.

من هذه الأحزاب التي تجد لنفسها مساحة للتحرك والنشاط، حزب الله الحجاز، والذي قبل التعرف على ما تخبئه الأقدار له وما يخبئه هو للسعودية، سنستعرض تاريخ إنشائه وعلاقته بسوريا وايران.

تاريخ الحزب

لم يشتهر حزب الله الحجاز إلا بعد الثورة الخمينية، قبلها كان هناك تجمع من طلاب الحوزات في النجف يتحلقون حول دروس الخميني ويترددون ايضاً على دروس السيد محمد باقر الصدر.

حالما نجح الخميني في العودة مظفراً إلى إيران، وازدادت صعوبات العمل السياسي في العراق، انتقل علماء شيعة سعوديون من النجف إلى قم، حيث أقاموا في بيت طيني بسيط، لم يلبثوا أن سموه التجمع. ثم تطور الاسم مع مرور الأيام ليصبح "الحوزة الحجازية" التي نضح عنها "تجمع علماء حجاز".

لم تكن هذه التسمية مستساغة من قبل بعض أعضاء الحوزة إذ لم يكن بينهم حجازي سوى شخص واحد، بينما البقية قدموا من منطقتين في شرق السعودية؛ القطيف والاحساء.

لكن السبب الرئيس في إطلاق هذه التسمية هو آية الله الخميني الذي أسبغ اللقب على هذا التجمع خلال إحدى زياراته لحوزات قم، مشيراً إلى أنه لا يعرف البلاد التي أتى منها هؤلاء العلماء إلا بهذا الاسم: الحجاز.

كان الهدف الخميني واضحاً في إطلاق هذا اللقب الحجازي على هذا التجمع: رغبته في عدم الاعتراف بالكيان السعودي، والتقليل من مكانة آل سعود الدينية، وعدم الاعتراف بحكمهم للمنطقة، كما يروي الباحث كريستيان مارشال.

بدا تأثير الخميني طاغياً على هذه المجموعة إلى الدرجة التي دعت الشيعة السعوديين يطلقون على هؤلاء الطلبة لقب "خط الأمام" ويبدو أن ذلك ما يسعد هذه المجموعة ويجعلها تفخر بذلك.

كانت علاقات الشيرازيين بالثورة الايرانية قوية، بل كانوا جزءاً مهماً من هذه الثورة ولديهم آنذاك علاقات أكثر من جيدة مع الخميني.

عكر صفو الوجود الشيعي السعودي في إيران خلاف مهم بين نظرة الشيرازي للحكومة الإسلامية وأن يكون الحكم لتجمع من الفقهاء، بينما كان للخميني نظرة مختلفة تنص على أن الحكم لا بد وأن يكون للولي الفقيه الواحد.

ومن هنا دب الخلاف ووجد الطلبة والعلماء السعوديون أنفسهم وسط جدل سياسي سيؤثر عليهم كثيراً فمعظمهم منتسبون للمدرسة الشيرازية.

تطورت الخلافات ووقع أنصار الشيرازي من السعوديين في تجاذب حاد مع الإيرانيين؛ فإما أن يؤيدوا نظرة الإمام الخميني ويقلدوه سياسياً أو أن يواجهوا المتاعب.

وازدادت المصاعب بعد أن تسيد مشهد الخلاف الشيخ القريب من حوزة السعوديين في قم وهو آية الله حسين منتظري الذي خاض في خلاف حاد مع الخميني وبدأت الثورة الإيرانية تأكل صانعيها.

في الحوزة الحجازية في قم

كانت الطامة الكبرى على التواجد الشيعي السعودي والخليجي في إيران وخاصة للشيرازيين هو الصراع المكشوف بين جماعة منتظري ومهدي هاشمي من جهة وبين الخمينيين من جهة أخرى.

واستشرت النار حين ساعد مهدي هاشمي عبر الشيرازيين العرب في تسريب فضيحة إيران - كونترا للإعلام مما حول الصراع إلى دموي بإعدام مهدي هاشمي المتهم بأنه وراء تسريب المعلومات التي تتحدث بالوثائق عن أن إيران الخميني تشتري السلاح من اسرائيل في حربها ضد العراق.

لم يكن للشيعة السعوديين وخاصة الشيرازيين إلا النفاذ بجلدهم خاصة حينما بلغت الخلافات أوجها وقيام الخميني بالإفتاء أن على الشيعة الموجودين على الأراضي الإيرانية القتال مع الجيش الإيراني ضد العراق.

عاد معظم شيعة الخليج إلى بلادهم، واتجه آخرون ممن يودون الاستمرار في العمل السياسي والديني في الخارج إلى نظام بدا رقيق المحيا، رحب بهم وهو يعرف جيداً أنهم ورقة سياسية رابحة يبتز بها دول الخليج حين يحتاج إلى ذلك.

لم يرحل جميع السعوديين إلى سوريا بل بقي بعضهم في قم، كانوا مزيجاً من الإحسائيين ومن جزيرة تاروت وصفوى وأيضا من شيعة المدينة المنورة من أمثال محمد العمري. وببقائهم أسلموا أنفسهم للحرس الثوري الإيراني.

كان معظمهم ولا يزال يرغب في أن يحصل على العلم، لا أن يعمل في منظمة سياسية عسكرية، لكن قاتل الله النظرة المستغلة من قبل ضباط الحرس الثوري وعلى رأسهم أحمد شريفي الذي كان يمتطي طائرة الهليوكوبتر لينزل في وسط شارع قريب من الحوزة مثيراً لغبار تمتزج معه الرغبة الشديدة بتحريك هؤلاء طلاب للقيام بأعمال تقلق النظام السعودي والأنظمة الخليجية الأخرى.

ضغط الحرس الثوري بقوة على التجمعات الشيعية السعودية والخليجية في حوزة الإمام القائم أو في حوزة علماء الحجاز. وكان ضباط مخابراته يندسون بين الطلبة الخليجيين لينتقوا ما طاب لهم من شباب لديه الاستعداد للقتال في سبيل الإمام الخميني.

كان موقف المنتمين إلى حركة الطلائع الرساليين وفروعها كمنظمة الثورة الإسلامية في الجزيرة العربية أو منظمة العمل الإسلامي، كما يلخصه الباحث توبي ماثيسين الذي التقى بأحد ناشطي حركة الطلائع الرساليين، موقفاً متمنعاً على الضغط الإيراني بالقيام بعمليات مسلحة وتفجيرات واغتيالات في السعودية خاصة بعد تجربة الانتفاضة التي قاموا بها نهاية عام 1979-1980.

كان من الواضح لمعظم هؤلاء أن إيران تستغلهم وتريد استعمال دمائهم في أعمال لا تعود على شيعة الخليج بالفائدة، فساعد ذلك على رحيل معظم الخليجيين الشيعة إلى سوريا فهي بلد عربي ولدى نظامها ميل للشيعة بحكم أنه علوي ولم يحدث قط أن سلم لاجئاً لديه إلا إلى إيران فقط.

بعد هذا الموقف المخيب للآمال الإيرانية اتجه الحرس الثوري إلى من بقي من تجمع علماء الحجاز في قم لعله يجد ضالته هناك، وهذا ما حدث، حيث أثمرت الاتصالات مع الحوزويين الباقين في انتقال بعضهم من قم إلى السيدة زينب في دمشق، ومن هناك نصبوا أفخاخهم للشباب الخليجيين ممن يزورن المكان المقدس للشيعة هناك.

في مرقد السيدة زينب شمال دمشق بشر بعض العلماء بالأفكار الخمينية بين هؤلاء الشباب، وتم اصطياد بعضهم. بينما كان بعض من كبار شيوخ الحوزة الحجازية ممن يقيم في قم ينكرون أن يكون لديهم علم باستغلال الحرس الثوري الإيراني لشبابهم كان بعضهم يعرف جيداً ويغض الطرف بل يسهل الوصول إلى الشباب المستعد للعمل العسكري.

في ظل التوتر الذي أصاب علاقات تجمعات السعوديين الشيعة في إيران تحركت السعودية بذكاء عام 1987 حيث يشير الباحث فؤاد ابراهيم إلى أن الحكومة السعودية لطفت مواقفها ضد الشيعة بعد عفو ملكي سعودي وفي المقابل بادلت بعض هذه التجمعات هذا العفو أيضاً بتهدئة تم اتخاذ قرارها في اجتماع لمنظمة الثورة الإسلامية في الجزيرة العربية.

نشاط الحزب

من فعاليات الحزب

في 31 يوليو/تموز 1987 قادت ثلة من الحرس الثوري الإيراني الحجاج الإيرانيين يرافقهم عملاء من منتسبين لتجمع علماء الحجاز صداماً دموياً مع السلطات السعودية.

كان السعوديون يطالبون الإيرانيين بعدم التحرش بالحجاج عبر رفع الشعارات السياسية التي تفرق ولا تجمع.

توقع الخمينيون أن شعاراتهم ستجد نصيراً بين الحجاج.

وكان الصدام شرساً حيث تم قتل أكثر من أربعمائة إيراني وكثير من الجنود والمواطنين السعوديين الذين خرجوا من منازلهم ومحلاتهم ليقاوموا الإيرانيين ولكي يمنعوا تحويل الحج إلى مهرجانات سياسية دنيوية.

أضرت تلك الحادثة كثيراً بعلاقة السعوديين مع إيران وبدأ صراع علني شرس، وفي المقابل استثمرت إيران ملايين من الدولارات لإنفاقها على الجماعات الشيعية وحتى السنية المناهضة للسعودية والكويت والبحرين ودول الخليج الأخرى.

كانت أحداث الحج هي السبب الرئيس وراء إنشاء حزب الله - الحجاز. ومن الأسباب المهمة أيضاً رفض مسؤولي حركة طلائع الرساليين بمنظمتها الثورة الاسلامية في الجزيرة العربية إنشاء جناح عسكري واعتماد الصدام العنيف مع السلطات السعودية.

احتاجت إيران لشيعة سعوديين يحملون السلاح ويفجرون ويغتالون كما كانت ايضاً محتاجة لأمثال هؤلاء في مناطق عديدة في الخليج.

لم تكن تجربتها السعودية هي الأولى فقد تم إحباط عمل انقلابي في البحرين عام 1981 وكان التخطيط والتمويل من قبل الحرس الثوري الايرأني.

من جانبها، لم تقم ر بأية أعمال عدوانية داخل إيران، بل اكتفت بالوقوف مع العراق في حربه ضد إيران.

تصف الباحثة الفرنسية لورانس لوير في كتابها "سياسات الشيعة عبر الوطنية" أن إيران بتأسيسها حزب الله الحجاز كان هدفها إيجاد أداة عسكرية خفيفة للضغط على النظام السعودي لكن لا تريد لهذه الأداة أن تكون كبيرة حتى لا تعرض مصالح إيران وسياساتها للخطر.

بعد أحداث حج مكة قام الحرس الثوري الإيراني بتفعيل شبكاته في المنطقة، حيث تم تغيير أوضاع حزب الله في لبنان، وتصعيد جناح المتشدد فيه إلى سدة الإدارة العليا كتعيين حسن نصرالله في اللجنة التنفيذية العليا، وأيضا إنشاء أحزاب أخرى في المنطقة: حزب الله الحجاز، حزب الله الكويت، حزب الله البحرين، وبالطبع حزب الله العراق.

بدأ الحزب السعودي نشاطه بإصدار نشرات وبيانات عن السعودية ونظامها، متهماً الحكومة السعودية بأنها تقتل الحجاج وتسيء معاملتهم، وتسترت أدبيات الحزب وراء أسماء مستعارة منها فهد القحطاني.

ومن غريب هذا التستر أنه ما من قحطاني شيعي في السعودية على ما يعرف، إلا إذا كان الهدف الإيراني هو إظهار أن شرائح سعودية غير شيعية تقف ضد النظام السعودي.

ومن المعروف أن المعارضين الشيعة دائماً ما يستخدمون أسماء مستعارة مثلهم مثل العاملين والناشطين في الداخل والذين يخشون ردة الفعل الحكومية ضدهم. لكن الغريب هو أن يصدر حزب نشرات وبيانات وكتيبات بأسماء مستعارة والمنتمين له كثر وينتشرون في إيران وسوريا والعراق والكويت والبحرين.

كان الناشطون المنتمون للحزب من "علماء الحجاز" أمثال هاشم الشخص وعبدالكريم الحبيل وعبدالجليل المع، يتمتعون بكرم الضيافة السورية وقد يكونون غير راغبين بالمجاهرة بعمل سياسي على الأراضي السورية خوفاً من نظام يمكن شراء مخابراته بالأموال.

لكن كان هناك غيرهم من يتحرك بغطاء إيراني في سوريا.

فاجأ أحمد المغسل رفاقه في حركة طلائع الرساليين الشيرازية بالانتقال إلى حزب الله الحجاز كقائد لنشاطات الحزب العسكرية، وتم الانتقال بعد لقاء بينه وبين أحد المسؤولين العسكريين الإيرانيين في دمشق.

احمد المغسل

وتم اللقاء بموافقة أمنية من السوريين، لكن السوريين تأخروا كثيرا في إبلاغ السعوديين عن هذا اللقاء كعادتهم، ولم يتم ذلك إلا قبل أعوام قليلة وبمناسبة اكتشاف السعوديين لخلية مرتبطة بالمغسل في مدينة الدمام شرق السعودية.

قام المغسل بعد الاتفاق مع الإيرانيين بمحاولات لاستقطاب كفاءات شيعية سعودية من مختلف القرى والمدن شرق السعودية.

وحينما واجه صعوبات أمنية كبيرة، وكادت آماله تتحطم بسبب رفض الكثير من الشباب السعودي في تلك المناطق الانخراط في حزب عنيف التوجهات، وجد المغسل ضالته في بعض الشباب الذي كانوا يدرسون في الولايات المتحدة معظمهم من أعضاء منظمة الثورة الاسلامية مما أوجد خلافاً بين التنظيمين كما يعلق الباحث توبي ماثيسين.

لم يطل انتظار الإيرانيين كثيراً؛ فبدأت عمليات الحزب سريعاً مستغلة وجود عملاء لها ضمن منشآت النفطية السعودية.

حدث أول تفجير في اغسطس/آب عام 1987، رفضت الحكومة السعودية الإعتراف بأنه عمل أرهابي وقالت إنه حادث.

في مارس/آذار 1988 قام الحزب بتفجير آخر في منشآت شركة صدف البتروكيماوية في الجبيل، وهو تفجير تبناه الحزب وصرح بأن أربعة من عملائه قاموا به وهم من جزيرة تاروت.

أحد هؤلاء الأربعة كان يعمل في شركة صدف وأسهم بتواطئه في التخوف من تشغيل الموظفين الشيعة في المشاريع البتروكيماوية.

لكن الحكومة السعودية تداركت الأمر وأعادت الثقة للموظفين الشيعة بعد الحادث بوقت طويل.

أبرز ما في حادث شركة صدف أن أحد المنفذين وهو علي عبدالله الخاتم كان قد قاتل مع حزب الله في لبنان وتدرب هناك على عمليات التفجير، ورافق الخاتم في التنفيذ للعملية الكبيرة كل من أزهر الحجاجي وخالد العلق ومحمد القاروص.

وبعد تفجير صدف اكتشف حراس شركات البترول والبتروكيماويات في شرق السعودية العديد من المتفجرات وفي أماكن متعددة، في معمل التكرير في رأس تنوره، ورأس الجعيمة.

ولم يطل الوقت حتى تمكنت الحكومة السعودية من تفتيت خلايا متعددة لحزب الله الحجاز واعتقلت كثيراً من أفراده كما تم تنفيذ حكم الإعدام بالسيف بحق الأربعة المسؤولين عن تفجير شركة صدف.

بعد إعدام الاربعة بدأ الاعتراف المكشوف حيث أصدر حزب الله الحجاز ومن دمشق ومعه تجمع علماء الحجاز بيانين يسمون فيهما منفذي عملية صدف بالشهداء، وخرج وزير خارجية إيران آنذاك ليعلن عن عدم وجود علاقة لبلاده بالعملية أو منفذيها.

طالبت السعودية في وقتها السلطات السورية التعاون لإيقاف المؤامرات التي تتم من دمشق ضد أهداف سعودية لكن لم تفعل سوريا سوى الوعود كما هو حاصل اليوم.

بدأ حزب الله الحجاز عمليات خارجية ضد دبلوماسيين سعوديين، وتخلل عام 1989 عمليات كثيرة تفجير وقتل ضد دبلوماسيين في سفارات سعودية عديدة من بانكوك إلى أنقرة.

تعلم الحزب الدرس جيداً فلم يعلن أنه وراء هذه العمليات بل استخدم أسماء لمنظمات غير موجودة بالفعل، جند الحق ومنظمة الحرب المقدسة في الحجاز كما ذكرت صحيفة نيويورك تايمز في ذلك الوقت.

حاولت الدعاية الإيرانية الإشارة إلى أن هاتين المنظمتين لا علاقة لهما بحزب الله الحجاز وأنهما نتاج لخليط في لبنان يضم سعوديين ولبنانيين وفلسطينيين.

لكن التحريات أثبتت أن العديد من منفذي العمليات خرجوا من دمشق عابرين الحدود اللبنانية، ومن بيروت توجهوا لتنفيذ جرائمهم.

لم تكتف إيران بما فعله حزب الله الحجاز بل استغلت أداتها الأخرى حزب الله الكويت، حيث تم تجهيز بعض الحجاج بمتفجرات أسفرت عن مقتل حجاج في مكة المكرمة. كان مسؤولو الحجاج الكويتيين قد تم إعدادهم في دمشق وبيروت حيث تلقوا تدريبات متعددة.

وفي التحقيقات الاميركية التي أجريت عبر دائرة فرجينيا الشرقية والتي وجهت اتهاماتها لمنظمة حزب الله الحجاز كشفت المعلومات عن تنسيق عال لأعضاء الحزب داخل دمشق وطهران وبإشراف وعلم مسبق من النظامين السوري والإيراني.

وأشارت المعلومات الأميركية التي نشرت في يونيو/حزيران 2001 إلى أن أعضاء الحزب يستغلون مقام السيدة زينب في دمشق للتخطيط والإعداد بينما يرحلون للتدريب إلى لبنان وإيران.

حرب الخليج الثانية وما بعدها

حفل لمنسوبي الحوزة الحجازية

بغياب الخميني في يونيو/حزيران 1989 وغزو صدام حسين للكويت 1990 تغيرت أوضاع حزب الله الحجاز حيث صدرت له أوامر إيرانية بالتهدئة وتجميد النشاطات نتيجة للتقارب السعودي الإيراني، وزادت من حراجة وضع الحزب رغبة الرئيس الإيراني خاتمي في فتح صفحة جديدة مع السعوديين.

بالطبع لم تكن السياسة الإيرانية تهتم فعلاً بفتح الصفحة مع السعودية، لكن كانت تريد تغيير طريقة المواجهة.

فمن تحريك العملاء عسكرياً إلى تفعيلهم سياسياً وإعلامياً، فتحول نشاط الحزب إلى إصدار النشرات والمواقع، وانخرط منتسبوه وأنصاره في شن الحملات الإعلامية ضد السعودية وغيرها من دول الخليج، وقام الحزب بإنشاء دار نشر وخدمات مواقع في دمشق، ثم انتقل الموقع الالكتروني وإدارته من دمشق إلى بيروت وتحديداً إلى الضاحية الجنوبية.

بعد حرب الخليج الثانية وعودة الكويت لحكم آل صباح، تنامى الحضور العسكري الاميركي في المنطقة، ونتيجة لخشية الإيرانيين من استمرار الوجود الاميركي والذي يمثل إخلالاً بالخطط التوسعية الإيرانية، لذلك وجهت طهران حزب الله الحجاز ضد الأميركيين ومواقعهم العسكرية في المنطقة.

في 25 يونيو/حزيران 1996 انفجر خزان كبير مملوء بأطنان من مادة تي أن تي بجوار مركز سكني كان فيه عسكريون اميركيون حيث قتل 19 اميركياً وأصيب مئات.

بعد الانفجار قامت السلطات السعودية بالقبض على عشرات المنتمين لحزب الله الحجاز، بعد أن وجهت له أصابع الاتهام بتنفيذ الهجوم.

بعد تحقيقات مطولة تسرب أن المتهم الأول هو أحمد المغسل قائد الجناح العسكري لحزب الله الحجاز، وهاني الصايغ، وعبدالكريم الناصر الذي يعد القائد السياسي للحزب، وجعفر الشويخات الذي تم القبض عليه في دمشق من قبل المخابرات سورية بطلب من السعوديين وعدد أخر من السعوديين.

هرب الأربعة إلى إيران عبر سوريا، لكن الصايغ عاد الى سوريا ثم هاجر إلى كندا ليقبض عليه ويسلم للسعودية، بينما عاد الشويخات لسبب ما إلى سوريا ليقبض عليه بعدها.

هذا التعاون السوري لم يكن خالصاً لوجه الحقيقة، إذ وجد الشويخات ميتاً في زنزانته بعد ثلاثة أيام من اعتقاله وقبل انتهاء إجراءات ترحيله للسعودية. قيل أن سبب الوفاة هو انتحاره بصابونة غسيل.

لم يتورع حزب الله في لبنان عن رثاء الشويخات وامتداح جهوده ضد الاميركيين، في الوقت الذي يبرئه كثير من الشيعة المتعاطفين مع حزب الله الحجاز من المشاركة في عملية الخبر.

حاولت أجهزة الاعلام الإيرانية إلقاء تبعة تفجير الخبر على القاعدة، بينما لم يكن هناك أي علاقة للقاعدة بهذا التفجير حيث لا تظهر أدبيات ونشرات القاعدة أي إعتراف بمسؤولية ما، بل أن أحد قادة القاعدة وهو يوسف العييري اشتكى من الظلم الذي لحقه من السلطات السعودية التي سجنته وحققت معه على أن له علاقة بالتفجير. والقاعدة، كما هو معلوم، لا تتردد في الاعلان عن هجماتها ضد الأميركيين.

تبدو الدلائل واضحة على مسؤولية حزب الله اللبناني وفرعه السعودي الأصغر في التفجير، حيث يبين الباحث الاميركي توماس هيقهامر أن القاعدة في وقت التفجير لم تكن لديها القدرة على إنجاز مثل هذا الحجم من التفجيرات، وكان تفجير مبنى للحرس الوطني في الرياض عام 1995 أضعف كثيراً من تفجير الخبر. وبدت واضحة الخبرة التقنية لحزب الله الذي تمرس على مثل هذه التفجيرات الكبيرة ـ ولا يزال ـ في لبنان ومنها تفجير موكب رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري.

تشير الدلائل إلى أن إيران تريد من تفجير الخبر إفساد الاتفاق الذي تم بين المعارضة الشيعية السعودية المحسوبة على الخط الشيرازي والتي عادت قبل التفجير للسعودية في صفقة سياسية معروفة.

كان التفجير وبالاً ليس على الاميركيين والنظام السعودي فقط بل على المواطنين الشيعة الأبرياء؛ إذ بررت العملية اعتقال الكثير من الناشطين السعوديين ومعاملتهم بقسوة وبرضا غربي.

أدى ذلك التفجير إلى ردة فعل شيعية ضد توجه حزب الله حجاز واتهمه كثيرون بأنه لا يكترث لمصالح الشيعة وأمنهم وسلامتهم، فتنادت فعاليات شيعية للوقوف صفاً واحداً ضد العنف وأسفر ذلك عن تحول كبير في نشاطات الشيعة تجاه العمل السلمي والمدني لانتزاع الحقوق بدلاً عن العنف الذي يخدم إيران أكثر من الشيعة السعوديين.

ساعد على تعزيز العمل السلمي والهدوء في المنطقة اتفاق إيراني سعودي في عام 2001 ينص حسب تقرير مركز راند الاميركي على أنه فيما تمنع السعودية أي عمل عسكري اميركي ضد إيران من أراضيها توقف إيران دعمها لعمليات المعارضة الشيعية.

مستقبل الحزب

في سوريا فعاليات كثيرة لحزب الله الحجاز، كما يقاتل ضمن كتائب حزب الله في لبنان سعوديون هم أعضاء في حزب الله الحجاز.

وفي أزقة طهران الجنوبية، يختبئ حالياً العديد من المطلوبين للسعوديين والاميركيين بسبب تفجير الخبر، منهم عبدالكريم الناصر وأحمد المغسل وإبراهيم اليعقوب وعلي الحوري. يتردد هؤلاء كما يذكر عنهم طلبة حوزة علماء الحجاز على حوزة الحجازيين في قم.

يتسللون بين الدارسين دون أن يعرفوا بأسمائهم ويبحثون عن صيد ثمين، طالب لا يعير العلم أهمية ويريد العمل تحت راية ولي الفقيه.

ويذكر بعض الطلبة والمقيمين الشيعة الذين عادوا للسعودية مؤخرا أنهم لاحظوا خلال الأشهر الخمسة الأخيرة تردد العديد من الطلبة على سوريا، في الوقت الذي يهرب فيه كثير من الطلبة الشيعة من سوريا إلى العراق أو ايران أو لبنان القريبة من مقام السيدة زينب.

يزداد القلق داخل شرائح سعودية شيعية وطنية من استعمال سوريا للطلبة السعوديين الشيعة في دمشق، ويكثر الهمس والنصائح بإبعاد العوائل لأبنائها عن سوريا، في الوقت الذي تتمتع فيه قيادات فكرية شيعية سعودية بحكمة من أمثال عبد هادي الفضلي والشيخ هاشم الحبيل والسيد كمال السادة والسيد حسن النمر ممن يمارسون نشاطاً فكرياً في السعودية وقد كان هؤلاء من المنتمين لتجمع علماء الحجاز في إيران سابقاً.

اندمج العديد من فعاليات حزب الله الحجاز في الوضع السعودي السياسي بل إن شيخاً مثل حسن النمر يطالب الشيعة بالمشاركة في الإنتخابات البلدية في الوقت الذي تمنع فيه حركة الوفاق البحرينية أنصارها من المشاركة في الإنتخابات البحرينية.

ويشارك شيخ كبير مثل حسين الراضي بثقله الديني والعلمي والسياسي في جلسات الحوار الوطني تحت مظلة الملك السعودي غير آبه للانتقادات التي توجه له من المغالين الشيعة، ومؤكداً على أن المشاركة أفضل من الصمت.

يقوم شيخ آخر من المؤثرين سابقاً في حزب الله الحجاز هو عبدالكريم الحبيل بجهود ملحوظة لتذليل العقبات الطارئة بين الشيعة والحكومة ولتسهيل وصول المطالب دون مصاعب للمسؤولين السعوديين.

لكن هل الصورة وردية إلى هذا الحد؟

من المؤكد أن الغول ثلاثي الرؤوس، إيران، بشار الأسد، حزب الله لم يمت، حيث يبقى البعض ممن يتحدث في الشارع الشيعي السعودي عن إمكانية استغلال النظام السوري للطلبة والمقيمين السعوديين الشيعة في سوريا وإيران ولبنان انتقاماً من موقف السعودية المناهض لسياسة القتل اليومية ضد الشعب السوري.

وتشير الأدلة والوقائع إلى احتمال أن ينتفض حزب الله الحجاز مرة أخرى وبقيادة أحمد المغسل وعبدالكريم الناصر لتنفيذ عمليات إرهابية تقلق الهدوء السعودي وتضغط على الحكومة السعودية للوقوف إما مع أو على الحياد تجاه النظام السوري.

هذا التوتير أن تكرر للأوضاع سيجد استحساناً إيرانياً بل تعاوناً وتسهيلاً فهو يمكن لإيران ما عجزت عنه منذ زمن طويل، وهو تفتيت وإضعاف السيطرة السعودية على المنطقة الشرقية في المملكة وسيمكن العملاء الإيرانيين في البحرين من الضغط على الحكومة البحرينية التي ستجد نصيرها السعودي قلقاً ومنشغلاً بساحته الداخلية.

الخلاصة

تتأثر نشاطات حزب الله الحجاز بعلاقة إيران وسوريا بالسعودية، وعلى الرغم من عودة الكثير من قيادات حزب الله الحجاز للعيش في السعودية إلا أن هذه القيادات هي المسؤولة عن الجانب الفكري والمعنوي وليس العسكري للحزب.

وقد يصح القول إنها كانت أقرب لتجمع من علماء الدين وافق مرحلياً تحت ضغوط المهجر ومصالح الدول الحاضنة له أن ينساق للعمل العنيف والتنظيمات العسكرية.

لذا لا غرابة في أن يعود الحزب لنشاطاته التي وأن رفضتها قيادات علمية ودينية حالياً إلا أنه من السهل الحصول على فتاوى وأوامر دينية من قيادات قد تكون أعلى من القيادات المحلية حيث أن المرجع الأعلى للحزب هو آية الله علي خامنئي وهو من هو في قيادته لإيران وأطماعها في المنطقة.

لن تعدم إيران أهدافها التوسعية بأن يبقى حزب الله الحجاز ناشطاً مناهضاً للنظام السعودي، كما أن سوريا ستجد كياناً جاهزاً للاستغلال وإقلاق من وقف ضدها في قمعها للشعب السوري.

في الختام ينتظر أن يجهد النظام السوري وبموافقة وتسهيلات ودعم إيراني في إحداث فتنة في المملكة العربية السعودية، مما يستدعي تظافر جهود المواطنين السعوديين والنظام على سد الطريق أمام عبث إيران ونظام بشار الأسد.

هذه الجهود يجب أن تبدأ بتكتل شعبي من جميع الطوائف والاتجاهات السياسية في المرحلة المقبلة لوأد فتنة لن يرتاح عدو العرب إلا بعد أن يشعلها.

ولمنع إيران من استغلال الشباب السعودي الشيعي على النظام السعودي أن يقدم لهذا الشباب كل المحفزات لدمجه أكثر مما هو عليه الآن في كافة مناحي الحياة السعودية.

عبدالعزيز الخميس

للتواصل مع الكاتب على التويتر@ALKHAMES

 

الأحزاب الكبرى تصادر حقوق الأقليات بالعراق

منطق الربح يطغى على الحضور الإعلامي للمرشحين في لبنان

لبنان يستعد لجولة ثانية من تراخيص التنقيب عن النفط والغاز

تصرفات حزب الله تغذي العنف السياسي قبيل الانتخابات في لبنان

5 سنوات سجنا لمسؤول مصري سابق نشر معلومات تضر بالجيش

اجتماع الرباط يقرب وجهات النظر بين فرقاء ليبيا

محاكمة 'جهادية' فرنسية للمرة الثانية بالعراق

رياضيون يتسابقون إلى البرلمان في العراق


 
>>