' />

   
 
 

First Published: 2012-02-05

فنانو أفريقيا على أرض طيبة .. مسافر زاده الخيال

 

ملتقى الأقصر الدولي للتصوير يؤكد وجوده وقوة تفاعله وملامح شخصيته وسط لقاءات العالم الدولية في الفن، وفيه يمتزج الحاضر بالتاريخ بآفاق الحداثة.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: صلاح بيصار

أفريقيا .. تجليات الهوية

"انت يا من يشرق بجماله في آفاق السماء

انت ايتها الشمس الحية

التى وجدت منذ الازل

يا من يضىء المشرق بنوره

فتملا الارض بجمالك

ايها الجميل القوى الرائع

العلي فوق الارض

هذه اشعتك تغمر الارض

فتحيط بما خلقت جميعا

وانك لتدرك اخر الارض

رغم ارتفاعك عنها

فتجمع لولدك اطرافها"

هنا على أرض "طيبة".. (الأقصر) .. أرض الأجداد .. في أجمل بقعة من بقاع العالم .. هنا حيث عرف الانسان المصري القديم الحقيقة .. وعرف معنى الحياة وسر الخلود .. وتحدث الى الحق الذي يغمر العالم بنوره مثلما نرى في نشيد اخناتون.

هنا .. عام وراء عام .. يؤكد ملتقى الأقصر الدولي للتصوير وجوده وقوة تفاعله وملامح شخصيته.. وسط لقاءات العالم الدولية في الفن، خاصة وهو يمتزج فيه الحاضر بالتاريخ بآفاق الحداثة. وجاءت دورته الرابعة 2012 من اقوى دوراته بل وافضل الفعاليات التي حدثت بمصر بعد ثورة 25 من يناير، ليس فقط في الأعداد والتنظيم والمستوى الذي كان وراءه رعاية من صندوق التنمية الثقافية ورئيسه المعماري محمد ابوسعدة، وجهود قوميسير الملتقى الفنان الشاب الدؤوب د. إبراهيم غزالة، ولكن ايضا ومع كل هذا من حيث المفهوم، فهو يفتح ذراعيه لفناني القارة التي ننتمي اليها.

وقد حملت هذه الدورة شعار "أفريقيا .. تجليات الهوية" بمشاركة 15 فنانا من أفريقيا والدول العربية الأفريقية مع عشرة فنانين من مصر، التقوا معا وتوحدوا مع هذا المشهد التاريخي الحضاري.

وهنا نقول هل يرجع سر هذا التميز والنجاح الى رابطة الدم التي تربط أبناء القارة؟ ام الارتباط الوثيق بوحدة الثقافة الافريقية رغم تنوعها وثرائها؟ ام لدرجة التفاعل بسحر طيبة؟ وفي الحقيقة تحمل كل هذه العوامل شفرة نجاح الملتقى.

أفريقيا لماذا؟

تعد أفريقيا بالنسبة لمصر بمثابة الجسد من القلب. وفوق اننا ننتمي اليها يربطنا بدولها العربية والأفريقية روابط الجوار والتاريخ والهموم المشتركة.

وقد ربط مصر بدول أفريقيا نهر النيل الذي صنع تاريخها وشيد حضارتها وخلع على ارضها ألوانا من السحر، فعرفت الجمال وأهدته الى الفن الذي باح بالتعبير والتشكيل كما صنع حضارة الدول المشتركة معها.

ولأن أفريقيا تمثل مستودعا من كنوز الابداع .. غني بتنوع وثراء الفنون التي تقترب من السحر بتلك اللمسة البدائية المسكونة بالتوهج والمفعمة بالأساطير لذا كان تاثيره على الفنان العالمي الاسباني بيكاسو طاغيا في التصوير والنحت. ومن هنا كانت لوحته آنسات افنيون بوحي وتاثير القناع الافريقي، وهي اللوحة التي كانت البداية الحقيقية التي اعلنت عن المدرسة التكعيبية. ولا يخفى تأثير الفن الافريقى على بيكاسو حين شكل رأس ثور من مقود دراجة "الجادون" والكرسي، ففيه طزاجة اللمسة البدائية التي نراها على الفن الأفريقي.

وربما كانت اول علاقة تشكيلية ربطتنا بأفريقيا تلك الرحلة التي قام بها الفنان الرائد محمد ناجى (1888- 1956) الى الحبشة باتفاق دبلوماسي حيث كان ضيفا على القصر الامبراطوري وظل هناك عاما كاملا رسم خلاله طبيعة اثيوبيا وحياتها الشعبية من خلال صور الحياة اليومية وعاهلها الامبراطور. وتعد هذه الرحلة اشهر مراحل انتاجه حيث يقارن النقاد بينها وبين رحلة جوجان الى تاهيتي. وقد اصبحت لوحاته في هذه المرحلة حالة مكتملة قائمة بذاتها. وتحقق له ما كان يحلم به من دنيا تشكيلية في نبع اسطوري يتصل بمنابع نهر النيل الخالد، جاءت في ألوان تعكس سحر البيئة هناك.

وفي الستينيات من القرن الماضي يعد الفنان حسين بيكار ثاني فنان يزور اثيوبيا، وذلك من اجل نقل تلك البيئة الاستوائية الحارة والتي تتوهج بسحر الحياة بتلك الألوان التي تتألق في صخب وتغني في مرح وحيوية. وكان ذلك حين بدأ رحلاته خارج مصر من اجل كتابة تحقيقات مرسومة لمجلة آخر ساعة، وكان ان زار اثيوبيا وصور هناك الاسواق والمحال والباعة وزحام البشر والناس على النيل.

هذا ما كان من علاقة الفنان المصري بأفريقيا، ولكن وفي الحقيقة كنا في حاجة الى أن ياتى الينا الفنان الأفريقي بتراثه وتاريخه لتعود مرة أخرى تلك العلاقة العضوية التي كانت عليها مصر مع شقيقاتها، فكانت الدورة الرابعة من الملتقى الدولي للتصوير بالأقصر من أجله.

لقاء السحر والجمال

هنا بين روعة آثار الأجداد واللمسة الفطرية للعمارة الشعبية التلقائية، جاؤوا .. والنيل هو الحد الفاصل بين الحياة والخلود. الحياة المتمثلة في البر الشرقي والخلود أو الموت في غرب الكون او البر الغربي. جاؤوا من أفريقيا من اماكن عديدة وبعيدة، لتتصل المنابع بالروافد وتمتلىء الاخيلة والتصورات في لمسة جديدة تمتزج بتعبيرات الفنان المصري القديم على مقابر طيبة، جسدتها فرشاته وامتزجت ملامح شخصيته الفنية بوجوه أهل النوبة واسوان.

يقول مامادو دايانو من مالي: اعمالى فيها تعبيرية تبحث عن الحقيقة مثلما بحث الفنان المصري القديم. والفن المالي كفن افريقى له تاريخ يقترب من السحر وليس ابلغ من تاثر بيكاسو بالقناع المالي في التكعيبية. ومن هنا تعكس اعمالي مكونات الثقافة الافريقية ولكن بلغة اتصور انها جديدة، مع تكنيك يسمى "شن .. شن باري".

وممادو يجسد فعلا روح القارة السوداء ولكن في مجموعة من الرموز والشفرات التصويرية والتي تمتزج بالرموز الهيروغليفية في إيقاع هندسي تتكرر فيه وحدة الهرم والمياه الفرعونية ذات الايقاع الهندسي مع رموز من أفريقيا وألوانه شديدة الرصانة من الاسود والطوبي والازرق والابيض كل هذا بدقة في الاداء.

اما ايشاتو دينج من السنغال فتقدم 18 شريحة تصويرية مربعة 30×30 سم "اكليريك مع ألوان زجاج" عبارة عن كائنات واشكال تجريدية قريبة من جذوع اشجار وتفريعات نباتية وهي من وحي العالم المحيط بها من غابات بأفريقيا، يتاكد فيها سر الحياة والوجود وفي كل لوحة تطل شخصية من الخيال فيها ملامح من الناس في السنغال والأقصر حيث تاثرت كثيرا بطيبة وبشاشة أهل الأقصر.

ومن المغرب يشير عيساوى محمد فريد الى انه عشق النيل هذا النهر الخالد، مع الضوء الباهر لشمس الأقصر والذى يلون الحياة .. وصور الطبيعة والتراث من النخيل والجبال والمعابد والبيوت الريفية، ويضيف: ولقد ذهلت مما رأيت من الفن الفرعوني وجدت فيه فنا شاملا يضم جميع مدارس الفن الحديث، فيه التكعيبية والتجريدية وادهشني البروفيل في الوجوه وعندما رايت التماثيل الفرعونية العملاقة بمعبد الأقصر وجدتها تتحاور معي وتنظر الي.

وعيساوى في اعماله يشكل اطيافا من البشر بلغة تجمع بين التجريد والتشخيص وألوانه يغلب عليها البني والاوكر او الاصفر الداكن متأثرا بروح المكان وما تضفيه الطبيعة من منظومات لونية.

وكان مثير عبدالهادى بودواية من الجزائر حركة الحصان العربي، وهو يجوب المدينة بالحنطور مع الطابع الذي تتميز به الأقصر، لذا قدم لوحة "بورتريه" نصفي لحصان. وقد تأمل كثيرا في التراث الفرعوني من الاعمال النحتية التي تتحدى الزمن كما امتلأ بدنيا الزخارف في البسط والكليم الشعبي.

وقدم عبدالهادي لوحة لخمس مومياوات بالاسود الفاحم جمع فيها بين روح المصري القديم وروح أفريقيا السوداء مع الاختزال الشديد. وفي لوحة اخرى نطل في مركزها على بقع لونية مشرقة توحى بباقة زهور مع اطاراو كنار من الزخارف في ألوان هامسة.

وتجسد نجلاء الشفترى من ليبيا ايقاعا يجمع بين الخطوط والمساحات. الخطوط التي تتميز بحرارة الاسكتش السريع والمساحات التي تتدفق بكثافة لونية شديدة الحيوية وقد ترجمت جبل الأقصر مع الأفق وموج النيل بألوان مشبعة بالازرق النيلي يتخللها لمسات من البرتقالي. وفي لوحة اخرى جسد الطبيعة من الصخور والاحجار الى إيقاع يمتزج بالخطوط والمساحات ويتدفق بسطوح لونية من التنوع والثراء إيقاع آخر جديد يتميز بروح شعبية.

ومن نيجيريا عكس الفنان عابيدون ايجون في لمسات قصيرة متجاورة وبألوان استوائية دافئة سحر القارة الأفريقية من خلال إيقاع تعبيري لثلاث فتيات مع اوراق نباتية بالاصفر البهي في اشارة رمزية الى البشر والغابة.

كما جسد أفريقيا بملامح امراة تمتزج بروح الأقصر مسكونة بالرموز الفرعونية مع كوليه بعناصر من السحر الشعبي. وهي لوحة جمعت بين حيوية الخطوط السوداء وتوهج المساحات اللونية.

سحر الفن

يقول امير يوسف من السودان: الأقصر بلد جميل وطقسها حلو. فيها سحر الفن من المعابد مع تنوع الارث الثقافي الذي لا تحده حدود، وقد سعدت بالروابط الاجتماعية من حركة الشارع والناس. هنا يتحدثون اليَّ على انني واحد منهم خاصة والنيل ربط بيننا مع اثيوبيا.

وهو في لوحاته قدم لغة بصرية جمع فيها بين الوضوح والإبهام من تلك المساحات التي تحمل أطيافا تشخيصية في مزيج من الناس والمعابد مع الملامح السودانية. وقد عكس لهذا التواصل بين الشكل والمعنى.

وعمدت ماريا ايزابيل "ميزا" من الرأس الاخضر "غرب سواحل شمال أفريقيا" على بعد 500 كيلو من السنغال "الى تلك الحوارية الثنائية بين المرأة والمرأة في أشكال ذات طابع زخرفي تجريدي اشبه بوريقات تخف كثافتها.. تكاد تطير وكأنها تعكس لهذا الحوار بين بنات القارة في ثنائية رمزية للنيل والاثار .. حواريات من السلويت بين الازرق والاحمر الطوبي على خلفية من الاوكر وبين بهاء الافق والنهر وصفاء الشخصية.

ومن وحي أغنية محمد عبدالوهاب "نجوى" للشاعر عبدالمنعم الرفاعي التي تقول:

تجرى واحلامي في غيها تمضي ** إلى حيث البعيد البعيد

انت مجد سالك دربه ** يدفعه الشوق الى ما يريد

ولي خيال سارح بالمنى ** يسوقني حينا وحينا يحيد

كأنني والكون في قبضتي ** موزع فيه شريد طريد

هل مرَّ في شطك شاعر ** له غرام كل يوم جديد

جاءت أعمال الفنانة المغربية احلام المسفر والتى تقول: عنما جئت الى الأقصر ترددت بداخلي هذه الاغنية خاصة وعبقرية المكان هنا جعلتني اتخلص من كل ما هو تشخيصي فهو خير ملهم للصفاء التصويري.

وقد أعادت الفنانة صياغة الطبيعة والمعابد والتراث التشكيلي القديم بالأقصر وحولت كل هذا الى ايقاع هندسي .. مساحات وعلاقات لونية ودنيا من أناقة التشكيل يسودها الازرق الهادىء متمثلا في الافق والنهر والاحمر والبيج في مقابل المكان. وفي لحظة بين الوعي واللاوعي قدمت روح الأقصر في فضاءات تصويرية من النقاء تبعث على الهدوء النفسي مع حكمة التشكيل وبلاغة الايقاع.

ومن ليبيا جاءت اعمال صلاح غيث مسكونة بروح الأقصر في أعمال تمتد بروح البيئة هناك. فهو يصور روح المصري القديم في تعبيرية وايقاع اخر مع التلخيص وبلغة لونية مختلفة.

وفي اللوحة الثانية يصور بلمسات قصيرة اثنين من الملثمين ويقول: هما من الطوارق ساكني الصحراء الليبية في الجنوب الغربي ومن عاداتهم أن يكون الرجل ملثما عكس النساء فهن هناك سافرات، وهذا الرداء الذي نراه في اللوحة نراه عليهم يوم عاشوراء ويسمى "السيبيا".

واللوحة تعكس بقوة في التعبير لرجال اشداء ويغلب عليها الاحمر الناري مع الاسود.

يقول صلاح: كنت ارى الأقصر واسمع عنها من وسائل الإعلام ولكن عندما جئت سحرني المكان وقررت ان اعود الى هنا كثيرا فقد اكتشفت شيئا نعتز به كعرب فيه حضارة بهذا العمق، وقد حاولت ان ارسم بتعبيرية ممزوجة بروح تلك الحضارة العريقة لنؤكد على عنوان الملتقى "أفريقيا تجليات الهوية"، فأفريقيا جسد واحد.

أفريقيا وطيبة

اما الفنان تمارات جيزاجين من اثيوبيا فتتميز اعماله بروح فطرية جمع فيها بين الوعي والتلقائية الشديدة مجسدا روح أفريقيا الفتية مع روح طيبة في ايقاع كوني وبأسلوب ينتمي للتنقيطية وبألوان استوائية حريفة المذاق من الاحمر الناري والبنفسجي مع الازرق والاخضر العشبي. وهنا نطالع عناصر عديدة من المجرات والكواكب والاقمار مع شمس وخرائط وابو الهول والصقر حورس محلقا في الفضاء ونلمح كتابات مثل: رمال .. احجار .. شجرة الحياة .. وقد جعل لكل لوحة إطار عريض من نفس النسيج التصويري التنقيطي وبنفس الروح من البساطة والحيوية.

ومن اثيوبيا ايضا تحولت اعمال الفنان دانيل المايا الى عالم من الرموز والعناصر امتزج فيها الفن الاثيوبي الشعبي مع الفن الفرعوني مع روح المكان، ففي لوحة تجاورت العناصر في سطوح صغيرة على فضاء تصويري متسع مع شمس محلقة في الأفق.

اما اللوحة الثانية فتمتد بثلاثة هياكل او بوابات معبدية تبدو مسكونة بفرعون ومسلة فرعونية وكتابات قديمة كل هذا على خلفية من النقوش والزخارف وتتألق الألوان بين الخفوت والهمس الشاعري وبين القوة والإشراق.

وفي ايقاع هندسي تتجاور وتتداخل فيه المساحات لهدى العجيلي من تونس في لوحة صرحية متسعة، اختزلت فيه المكان والزمان بالأقصر الى سطوح صافية في منظومات لونية صداحة من الاحمر والازرق والبنفسجي والاوكر والبيج والاسود والفوشيا جاءت اشبه بدرجات السلم الموسيقي وفي عمق اللوحة ومن بين المساحات نطل على مساحة من الرموز والكتابات الهيروغليفية تتحاور مع تلك الفضاءات اللونية.

وتظل اعمال ساندى اساو من جنوب أفريقيا ذات نكهة تصويرية خاصة لما تحمل من حس تعبيري ساخر وروح مرحة وقد صور في لوحتين بمثابة مشهدين لراقصة شرقية احدهما من الامام والثاني بنظرة جانبية يتحلق حولها الفرقة الموسيقية مع جمهور المتفرجين وتتوهج اللمسات تجسد الجو الليلي والحركة وتجسد الابعاد وروح الشخصيات والنظرات والهمسات في ايقاع تعبيري بالغ الحيوية.

فنانو مصر

يقول الفنان احمد خليل: لقد جئت الى الأقصر كثيرا ولكن كان ملتقى الأقصر فرصة للبحث وقد لفت انتباهي بقوة الانسان المصري القديم الراكع. تجد فيه مصر التي في خاطري كما يتأكد من خلاله البعد الزمني الذي يمتد من آلاف السنين واتصور هذا الشخص رمزا لمعنى الاله الذي يجلب الخير لمصر.

وفي ثلاثية تصويرية متصلة يغلب عليها الازرق البحري الذي نرى فيه بحر الإسكندرية حيث نشأ خليل، وبين التلخيص الشديد الذي يقترب من التجريد يمتد الايقاع في صفاء بحركة المياه في شريط عرضي والبشر واطباق الاسماك والمصري القديم في حالة ركوع وايماءة تحمل معنى الصلاة والابتهال وتموج اللوحة بالسطوح الهندسية الصريحة والسطوح القوسية. ومع سيادة الازرق البهي يتوسط اللوحة لمسات من الاحمر والبرتقالي تجسد سمكة على طبق تتحاور مع تلك الزرقة الحالمة. وفي اللوحة نلمح وحدة مصر من الاسكندرية الى الأقصر ونتذكر ايضا مينا موحد القطرين: الشمال والجنوب.

ولاشك ان أعمال الفنان أحمد شيحة تمثل حالة خاصة من بين الأعمال في الملتقى فهو يمزج بين النحت والتصوير او ما يسمى بالتصوير النحتي الذي يميز عالمه في معالجات رصينة تتعدد فيها المستويات تتسم بالسكون الجليل والصمت البليغ. وفيها ما يوحى بحروف واشكال واطياف انسانية وانكسارات غائرة وكائنات بارزة. ليس هذا فقط بل تمتد بروح العرائس والتمائم وتقترب من الهمهمات والتعاويز. سطوح غنية متعددة الايقاعات بين النقوش والمجسمات، تحمل من الحركة الكامنة والطاقة الروحية ما يجعلها تفيض بالمعاني وتبوح بالصمت. كل هذا بما يعد طاقة روحية بتعبير الفنان يعكس لميلاد الانسانية. فهو يقول: هنا الحياة والموت وميلاد الحقيقة: البعث والخلود .. روح أمة واحدة موحدة قامت على الزراعة من مياه النيل "حابي" جالب الخير والحب والعطاء. ومع ألوان الفنان من البيج والبني يطل الازرق في الافق وفي الشمس.

اما ثروت البحر فقد حول المعابد الى صروح هندسية شديدة الاختزال والتأطير في تقاطعات عرضية ورأسية بالبيج القريب من الاصفر الاوكر. وهو هنا يعيد صياغة هذا التراث الانساني الذي خلده الاجداد في إيقاعات عصرية يتهادى عليها جموع الحمام في كل الاتجاهات رمزا للسلام والأمان التي تتميز به طيبة مدينة الحاضر والتاريح وفي لوحة اخرى يقف الصقر حورس وقفة بين القوة والحنان مع سعف النخيل وزخارف شعبية ومياه النيل تجري بلغة الفراعنة التشكيلية إنه مزيج من المعاصر والتاريخي.

واستحضر الفنان حلمى التوني عالمه الفنتازي الذي تميز به مع هذا المزيج من روح الأقصر وذلك من خلال هياكل لثلاثة معابد بالرمادي والاسود بأسلوب يعمد الى التلخيص والاختزال، كل معبد يطل من خلاله فتاة .. الأولى تحمل طبقا من الفاكهة، والثانية تلعب الحبل بروح الطفولة ويعلوها طائر الهدهد، والثالثة تحمل على رأسها سمكة .. إنها قوة الحياة التي تتعانق مع روح التراث.

ومع ثلاثية سمير فؤاد التصويرية تتداخل الوجوه الحديثة مع الوجوه الفرعونية في لوحتين، نساء العصر الذي نعيشه مع القناع الفرعوني وتتعانق اللحظة الحالية مع الزمن القديم في حركة اهتزازية كطريقته التي تميز بها في الاداء، تعكس لعناق التراثي القديم للحديث والمعاصر بلغة لونية شديدة العصرية من البرتقالي المشرق مع الاخضر العشبي والازرق والاوكر. هذا مع لوحته التي جسد فيها البحيرة المقدسة بمعبد الكرنك والتى استحضر فيها حالة كونية تجعلنا نتساءل ونجيب فى الوقت نفسه عن معنى الوجود وحكمة الحياة ودوران الزمن.

الحديث والأسطوري

وبلغته التصويرية التي يجمع فيها بين العضوي والهندسي، من صور الحياة الشعبية بسيدنا الحسين وصور من البيئة الشعبية بالأقصر في مساحات لونية مع الزخارف والنقوش، قدم عاصم عبدالفتاح لوحة بانورامية مسكونة بالعناصر والمفردات الحديثة والاسطورية لفرح شعبي من: عازف المزمار وضاربة الدف مع الشمعدان وتمساح النيل والحصان واس الكوتشينة والكرسي، وهي صورة يتأكد فيها من خلال هذا التوليف التعبيري صخب الحياة وعمقها بألوان من الأحمر والأزرق والأصفر والأخضر مع الفضي الذي يعد رمزا للقداسة.

ومن بداية رحلته مع الابداع تبدو علاقة عصمت داوستاشي بالفن الفرعوني ورموزه علاقة وثيقة، وقد شكل من خلالها عالما تعبيريا جديدا وبلمسة معاصرة. وهو هنا صوَّر مصر بتلك الروح تمسك بيدها قلبها في لهفة وحب وكأنها أم الشهيد أي ثورة مصر. وفي اللوحة الثانية صور ابن البلد، ابن الأقصر والمراكب والنيل صورة ورمز للشعب المصري الان كما يقول.

ومن خلال رموزه التي توحد فيها الشعبي مع المصري القديم وصور الحياة اليومية والتي تتوحد في إيقاع واحد، جاء مثير الفنان عفت حسني: الحصان العربي .. حصان اسود ينتشي بالقوة والخيلاء تتزاحم فيه الرموز والنقوش في عالم يتجاوز الواقع الى دنيا سيريالية واسفل الجسد وفي فضاء تصويري يطل عصفور صغير يفصح عن ميلاد جديد للحياة في مصر بعد ثورتها زادها هذا التراث الحضارين كما تتكرر في لوحته الثانية بهيئة فتاة مع تحريف القسمات والعيون تحمل على رأسها طائر ابيض يوحي بالأمان والسلام.

وتطل أعمال الفنان فتحي عفيفي بطابع تعبيري شديد الخصوصية. من هذا المنظر الذي يجسد سحر الحياة بالأقصر من النيل والجبل وحركة المراكب الشراعية في شاعرية وحيوية ويمتد الازرق الصافي في الماء والأفق. ومع هذا الجمال تظل لوحته التي جسد فيها تمثالا فرعونيا عملاقا متوحدا مع جبل الأقصر وحارسه الذي يتضاءل بجانبه صورة لتوحد الطبيعة والتراث والانسان، وملحمة تردد أصداء الزمان بإحساس ميتافيزيقي مع مساحة صغيرة من الأفق.

وقد انحاز الفنان محمد طلعت الى قوة الجبل وبيوت الجرنة ذات الطابع البيئي التلقائي والتي تتجاور وتتلاحم وتحتضن بعضها البعض في تماسك. وأعاد كل هذا بلمسة تعبيرية جمع فيها بين الهندسي والعضوي بين تلك السطوح المتنوعة مع ثراء العناصر من الدخول والخروج وتعدد المستويات. ويبقى اللون من سيادة البيج مع لمسات من البني يحمل روح المكان والزمان. روح طيبة خروجا على الواقع وبعيدا عن التسجيل في نسيج من النغم الذي يتردد خلال المسافات والمساحات.

وقد واكب الدورة الرابعة لملتقى التصوير الدولى بالأقصر أربع ندوات حول "أفريقيا .. تجليات الهوية وتحديات العولمة" ادارها الناقد أسامة عفيفي وكان اجماع فناني أفريقيا على اقامة بينالى للفنون الأفريقية مطلبا اساسيا خاصة مع هذا التناغم وتلك الروح التي وحدتهم على أن يكون مقره القاهرة وينظمه صندوق التنمية الثقافية.

وتم تكريم الفنان محمد حجي لدوره الكبير وبصمته الواضحة في الرسم الصحفي ولوحة التصوير.

وكان لطلبة كلية الفنون الجميلة بالأقصر حضور شديد. اكثر من 15 طالبا وطالبة ظلوا مرافقين لفناني الملتقى، وكانت فرصة كبيرة لإضافة خبرة فنية لهم. هذا بالاضافة الى المعرض الذي ضم ابداعاتهم في التصوير مصاحبا لمعرض فناني أفريقيا ومصر.

وفي النهاية ليس أجمل من أن نكرر ما قاله اخناتون في صلاته:

"خالق النطفة في أصلاب الرجال

مطعم الجنين في بطن أمه

ونافخ الحياة في أديمه

فإذا ما خرج الى الدنيا

فتحت له فمه وحركت لسانه وشفتيه

بارىء الفرخ في البيضة يتحرك فيها بأمرك

فإذا ما رزقته القوة على كسرها

غادرها الى الدنيا ساعيا على قدميه

ألا ما أعظم ما ظهر للناس من بدائع خلقك".

تحية الى فناني أفريقيا على أرض طيبة بعمق تلك المساحة العميقة من الإبداع.

هامش:

المقاطع الشعرية من النشيد الكبير لاخناتون، ترجمة الدكتور أحمد بدوي، كتاب "صور من صلاة اخناتون" رسوم الفنانة احسان خليل، القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب.

 

مصر ترصد بصمات استخبارية دولية في هجوم الفرافرة الدموي

فؤاد معصوم رئيسا جديدا للعراق

روسيا تُزوّد المالكي بأدوات قتل العراقيين

تحطم طائرة جزائرية في طريق العودة من بوركينا فاسو

معارك دامية في بنغازي تخلف قتلى وجرحى

محرقة معتقلين قرب بغداد تودي بحياة ستين

حزب الله يتسبب بانشقاقات في صفوف الجيش اللبناني

حيثما يولّي برلمان ليبيا الجديد وجهه، ثمة حرب

اختلافات بين الأكراد تؤجل انتخاب رئيس العراق

'الدولة الاسلامية' تنظم رحلات سياحية حلالا لزيارة أرجائها!

البرلمان اللبناني يخسر الجولة التاسعة في انتخاب الرئيس

'دولة الخلافة' تموّل نشاطها من تهريب النفط العراقي

'الدولة الاسلامية' تسعى الى استئصال الارث المسيحي من العراق

اليابان تضطر للاستهلاك من مخزونات النفط السعودية والإماراتية

شركات حديد مصرية تطلب حمايتها من الواردات الرخيصة

الاردن يحبط تهريب كميات كبيرة من الذخيرة من الجارة سوريا

مجلس النواب الأميركي يستبعد حزب الله من النظام المالي الدولي

الكويت تغلق قناة فضائية وصحيفة لعدم اكتفاء قانونيتهما