First Published: 2013-07-24

سياسة الحدّ من الاضرار فلسطينيا

 

هل الدولة المستقلة هدف فلسطيني... أم أن المطلوب في المرحلة الراهنة الاكتفاء بدخول اللعبة الاسرائيلية ولكن برعاية اميركية، أي لعبة التفاوض من أجل التفاوض؟

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: خيرالله خيرالله

لم يكن أمام الجانب الفلسطيني من خيار آخر غير قبول الوساطة التي يقوم بها وزير الخارجية الاميركي جون كيري. ليس هناك ما يسمح للسلطة الوطنية بغير ذلك... الاّ اذا كان هناك مجنون فلسطيني يعتقد أن الوقت يعمل لمصلحة القضيّة وليس لمصلحة تكريس الاحتلال.

لم يكن في استطاعة السلطة الوطنية تحمّل النتائج التي يمكن أن تترتب على اعلان واشنطن أنها المسؤولة عن فشل الجهود التي يبذلها كيري من أجل اعادة الفلسطينيين والاسرائيليين الى طاولة المفاوضات.

كلّ ما يمكن قوله الآن، أن الفلسطينيين تفادوا قطيعة مع الادارة الاميركية. انّه انجاز في حدّ ذاته، على الرغم من غياب أي مؤشر الى أن المفاوضات يمكن أن تحقق أي نتيجة من اي نوع كان. فما لا يزال ينقص المفاوضات هو المرجعية الواضحة التي تؤكّد ان الهدف اقامة دولة فلسطينية استنادا الى خطوط العام 1967، مع قبول الطرفين تبادلا للاراضي وان في حدود معيّنة مقبولة فلسطينيا واسرائيليا.

الثابت أن المفاوضات لا يمكن الا أن تصطدم في مرحلة معيّنة بقضايا في غاية التعقيد مثل المستعمرات الاسرائيلية في الضفة الغربية ومستقبل القدس الشرقية، المفترض أن تكون عاصمة الدولة الفلسطينية، وحقّ العودة. لكنّ الثابت ايضا أنّ هناك مخارج يمكن أن يتوصل اليها الجانبان في حال كانت النيات الاسرائيلية صافية ولم يعد همّ بنيامين نتانياهو محصورا في التفاوض من أجل التفاوض رغبة في تمرير الوقت الذي يسمح باقامة واقع جديد على الارض.

كان نتانياهو الناطق الرسمي للوفد الاسرائيلي في مؤتمر مدريد الذي انعقد برعاية اميركية- سوفياتية، اسميا، في اواخر العام 1991 وذلك قبل اسابيع قليلة من انهيار الاتحاد السوفياتي رسميا. ارادت ادارة جورج بوش الاب وقتذاك استغلال مرحلة ما بعد حرب تحرير الكويت للسعي الى ايجاد تسوية في الشرق الاوسط بعدما ظهر بكلّ وضوح وبما لا يترك مجالا للشكّ، انه لم تعد هناك سوى قوة عظمى وحيدة في العالم.

استطاعت القوة العظمى الوحيدة في العالم جرّ اسرائيل الى مؤتمر مدريد جرّا. لعب جيمس بيكر وزير الخارجية الاميركي وقتذاك الدور الاساسي في اقناع رئيس الوزراء الاسرائيلي اسحق شامير في دخول لعبة التسوية التي لم يقتنع يوما بها نظرا الى انه ظلّ يؤمن حتى اليوم الاخير من حياته (توفي في الثلاثين من حزيران- يونيو 2012) بـ"اسرائيل الكبرى" التي تشمل كلّ اراضي الضفة الغربية، بما في ذلك القدس الشرقية.

كان ردّ شامير على الضغوط الاميركية التي مورست عليه بأنه سيفاوض ويفاوض... من أجل أن يفاوض. لا يزال بنيامين نتانياهو يؤمن بهذا الخيار والاكيد انه كان يتمنى لو رفض الفلسطينيون العودة الى طاولة المفاوضات. كان ذلك سيمثّل بالنسبة اليه افضل هدية يمكن أن يحصل عليها اليمين الاسرائيلي الذي يعتبر الضفة الغربية "ارضا متنازعا عليها" وليست ارضا محتلة. انها ارض اخذتها اسرائيل بقوة السلاح من الاردن في العام 1967 وينطبق عليها القرار 242 الذي ينطوي تفسيره على بعض الغموض، ولكن في اساسه مبدأ الارض في مقابل السلام.

ما فعله الجانب الفلسطيني، الى الان، هو الحدّ من الاضرار. باختصار، لا يمكن لهذا الجانب في المرحلة الراهنة السماح لنفسه بالدخول في أي مواجهة، من أي نوع، مع الولايات المتحدة. اضافة الى ذلك، يمكن للفلسطيني الاستفادة من وجود حاجة اسرائيلية الى الادارة الاميركية في شان كلّ ما له علاقة من قريب أو بعيد بايران وطموحاتها الاقليمية وبرنامجها النووي. ان اسرائيل تستفيد عموما من الدور الايراني في المنطقة والذي يصبّ في اثارة الغرائز المذهبية في كلّ بلد عربي، لكنها تخشى في الوقت ذاته من سياسات مغامرة تصبّ في نهاية المطاف في مصلحة كل القوى المتطرفة، اكانت سنّية أو شيعية.

لعلّ أكثر ما يجب أن يريح الجانب الفلسطيني الانتقادات التي وجهتها حركة "حماس" للقبول بالعودة الى طاولة المفاوضات. فالى اشعار آخر، لم تظهر "حماس" الاّ الرغبة في خدمة الاحتلال الاسرائيلي ومساعدته في تبرير سياساته. هل أفضل من ممارسات "حماس" في قطاع غزة، خصوصا منذ الانسحاب الاسرائيلي صيف العام 2005، لتبرير سياسة ارهاب الدولة الذي تمارسه الحكومات الاسرائيلية المتتالية؟

بدل أن تساعد "حماس"، انطلاقا من غزة، في اقامة نموذج لما يمكن أن تكون عليه دولة فلسطينية مسالمة، راحت تطلق الشعارات الفارغة والصواريخ المضحكة- المبكية التي لم تجلب سوى البؤس الى أهل القطاع. وفي مرحلة لاحقة، تحوّلت "حماس" الى راعية للفوضى السائدة في سيناء وكأنه لا يكفي ما فعلته بغزة واهلها.

ليس ما يضمن تحقيق المفاوضات الفلسطينية- الاسرائيلية، في حال انعقادها، أي تقدّم. لكنّ القرار الفلسطيني بالاستجابة للرغبة الاميركية كان افضل قرار يمكن اتخاذه في ضوء الظروف والمعطيات السائدة. المهمّ في المستقبل القريب اعادة ترتيب البيت الداخلي الفلسطيني بدءا بتفادي الرهان على وهم المصالحة مع "حماس". عملية اعادة ترتيب البيت تبدأ بالتراجع عن خطأ يتمثل في دفع الدكتور سلام فياض الى الاستقالة.

مرّة اخرى، ان سلام فيّاض، كان أفضل شيء حصل للفلسطينيين منذ فترة طويلة. صحيح أن العودة الى المفاوضات يعيد مدّ الجسور مع واشنطن، وهو ما تحاربه اسرائيل دائما، لكن الصحيح ايضا أن حكومة برئاسة سلام فيّاض هي الضمانة الوحيدة لاعادة الثقة الدولية بالمؤسسات الفلسطينية التي يمكن أن تشكّل نواة لدولة مستقلة. هل الدولة المستقلة هدف فلسطيني... أم أن المطلوب في المرحلة الراهنة الاكتفاء بدخول اللعبة الاسرائيلية ولكن برعاية اميركية، أي لعبة التفاوض من أجل التفاوض؟

 

خيرالله خيرالله

 
خيرالله خيرالله
 
أرشيف الكاتب
مصير الجنوب... والوحدة اليمنية
2014-10-01
المغرب والخطاب الواحد لمحمّد السادس
2014-09-29
ماذا يحدث في اليمن: من معادلة 'الشيخ والرئيس' إلى الصراع بين الأخوان والحوثيين
2014-09-28
كي يكون للحرب على 'داعش' معنى...
2014-09-26
حجّة... وجهة الحوثيين بعد صنعاء
2014-09-24
المرحلة الأخطر في تاريخ لبنان...
2014-09-22
وضع طبيعي في الشرق الأوسط!
2014-09-21
ما سرّ الأردن؟
2014-09-19
ساعة الحقيقة تقترب في اليمن
2014-09-17
رهان النظام السوري على 'داعش'
2014-09-15
المزيد