First Published: 2013-09-01

نهاية عقدة المشاريع العقائدية: مفارقة السقوط بمسقط الرأس؛ الإخوان، البعث، الربيع العربي والإسلام المتشدد

 

سقط الأخوان في مصر؛ سقط البعث في العراق وها هو يتأرجح على حافة السقوط في سوريا؛ يحتضر الربيع العربي في تونس؛ سقط الارهاب الاسلامي في الجزائر: حيث ولدوا ماتوا.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: خليفة فهيم

ناضلت حركة الإخوان المسلمين التي ولدت وكان مسقط رأسها بأرض الكنانة مصر طيلة ثمانية عقود من الزمن، واستطاعت حركة الإخوان من خلال مسيرتها النضالية الطويلة أن تستقطب الكثير من المناضلين إلى صفوفها لعبوا أدوارا كبيرة في مسيرتها وكانوا صورة حية لتلك المسيرة.

استطاعت حركة الإخوان المسلمين أن تنتشر لتنشر أفكارها والمبادئ التي تؤمن بها عبر الكثير من دول العالم خاصة العالم العربي، وغير الانتشار لم ينحصر عملها أو نضالها فقط على الكسب والتربية الفكرية والتشبع بالمبادئ التي أرادت أن تغرسها في إتباعها ليكون لها وزن وثقل بين أفراد المجتمعات الإسلامية، بل استطاعت الحركة أن تتبوأ مناصب قيادية في المجتمع والسلطة لإيمانها وقناعتها بأن النضال وحده بدون السياسة لن يجدي نفعا حيث أن حركة الإخوان المسلمين هي حركة سياسية غير دعوية، حيث شاركت في صناعة القرار السياسي في عدة دول عربية وإسلامية من خلال ولوجها العمل السياسي وفوزها في عدة دول بمناصب سياسية خاصة من خلال الاستحقاقات الانتخابية التي تنظم يدلي فيها الشعب بصوته. وطبعا هذا بات معروف من خلال مسيرة الإخوان، وقد وصل الحال إلى حد تبوء الإخوان مناصب عليا في الدولة وهو ما حدث مؤخرا في مصر بعد أن اعتلى الرئيس المعزول محمد مرسي منصب رئيس الجمهورية في مصر التي كانت أول مسقط لرأس حركة الإخوان المسلمين في العالم على يد مؤسسها والمرشد العام حسن البنا، هذا الأخير الذي وضع الأسس للعمل السياسي من منطلق الإصلاح في الأمة لتطبيق تعاليم الإسلام داخل المجتمعات.

من هذه الفكرة سعت حركة الإخوان المسلمين طيلة مسيرتها النضالية الوصول إلى هذا الهدف وقد بلغته، لكن وعلى حد المثل المصري القائل "الماء يكذب الغطاس". وبمجرد وصول حركة الإخوان في مصر إلى هرم السلطة وفي ظرف زمني قصير انكشفت عورتها، وتبين أنها حركة غير سياسية ولا تفقه في السياسة شيئا، بعد أن فشلت بكل كوادرها القيادية ورغم الفسحة التي أعطيت لها إلى أنها ظلت تدور في فلك حلقة مغلقة وكادت أن تودي بمصر والشعب المصري إلى الهلاك جراء سياستها وسوء التسيير الذي قادت به مصر.

لقد أساءت الحركة حتى إلى نفسها ومسيرتها التي تعدت الثمان عقود في أربعة شهور الأولى من وصولها إلى سدة الحكم وهرم السلطة في جمهورية مصر العربية فقد كانت نية حركة الإخوان المسلمين هو اخذ الجمل بما حمل، فما كان على الشعب المصري إلى أن خرج إلى الشوارع وظل منددا رافضا لهذا الطارئ على عقيدته الدينية وعاداته وتقاليده الدنيوية، ثم خرج في مسيرات ومظاهرات سلمية شاهدها وأدهشت العالم داعيا الجيش التدخل لإسقاط حكم الإخوان.

سقطت حركة الإخوان حتى قبل تدخل الجيش وعزل الرئيس محمد مرسي عن الرئاسة وقيادة مصر، ومن المفارقة الطريفة أن سقوط حركة الإخوان المسلمين جاء بمسقط رأسها الذي هو مصر وهذا ما تم فعلا ولا مجال للأحلام الوردية لان الأمر أصبح يتعلق بنهاية مرحلة عقدة المشاريع العقائدية.

غير حركة الإخوان المسلمين التي هي حركة عقائدية وقد انتهت وسقطت أوراق الخريف عنها بعد ربيع زاهي، هناك حركة أخرى ألقت وستلقى نفس مصير حركة الإخوان واقصد بها حركة البعث العربي، هذا التنظيم العقائدي ذو الأفكار القومية الانقلابية على الواقع المعاش الذي يراه واقعا فاسدا يتبنى البعث النضال السياسي من اجل تحقيق أهدافه، التي هي الوحدة والحرية والاشتراكية، وله هو الآخر سيرة ومسيرة نضالية طويلة تقارب السبعة عقود من الزمن، وقد استطاع هو الأخر أن ينتشر ويكسب إلى صفوفه العديد من المناضلين عبر بقاع العالم العربي.

استطاع حزب البعث في ظرف زمني قصير وعكس حركة الإخوان أن يصل إلى سدة الحكم في كل من العراق وسوريا التي هي مسقط رأسه الحقيقي، حيث تم تأسيسه هناك على يد مجموعة من الطلبة السوريين وهم ميشال عفلق وصلاح البيطار. وبعد الانقلاب الذي قاده صدام حسين ورفاقه، قاد حزب البعث العراق مدة قاربت الأربعة عقود وحتى التدخل العسكري الأميركي سنة 2003 وسقوط النظام الذي كان قائم بقيادة حزب البعث هناك عن السلطة، إلا انه وبما أن حركة البعث هي تنظيم عربي فقد بقت بعض الفروع في عدة دول عربية تزاول نشاطها لكن بدون راس بحكم أن القيادة القومية للحزب وتمويله كان يأتي من العراق.

كما بقى حزب البعث على هرم السلطة في سوريا التي هي مسقط رأس حركة البعث العربي ولا يزال حزب البعث الحاكم الفعلي في سوريا، لكن ومع أحداث الربيع العربي التي تكاد هي الأخرى أن تصبح معتقدا في التغيير بل الفوضى وسنعود للحديث عنها في هذا الموضوع، فقد عصفت رياح هذا الربيع بسوريا وأدخلتها في دوامة العنف لأنها التقت بمشروع عقائدي أخر يريد البقاء وهو طبعا المشروع العقائدي الحضاري المتمثل في حركة البعث بقيادة بشار الأسد ونخبة من الكوادر البعثية العسكرية ومن المناضلين المؤمنين بفكر البعث وفكرة تجسيده عن طريق الحكم والسلطة.

لو نبحث جيدا عن فكرة تمسك بشار الأسد ورفاقه عن صمودهم هذا ومواجهتهم لكل هذه الهجمة سواء من طرف ما يسمى بالثوار والمتحالفين معهم، لنجد أن بشار ورفاقه يدافعون عن مشروعهم العقائدي أكثر من دفاعهم عن سوريا، أي ذلك الصمود والدفاع نابع من قناعة عقائدية لا وطنية وهذه حقيقة لا يجب أن نتجاهلها، وبما انه سبق وان سقط جناح قوي للبعث في العراق والممثل في حكم صدام حسين فقد أصبح من الممكن جدا بل وهو في حكم الأكيد سقوط هذا المشروع العقائدي الأخر أو ما تبقى منه في سوريا أيضا، ولا اعتقد انه سيقاوم ويظل واقفا طيلة هذه المدة وأمام هذه الهجمة خاصة أنها بدأت داخلية وحركة مهما كانت فهي ثورية يقودها ويحركها الشعب السوري الذي يعرف جيدا البعث وماذا جنا طيلة فترة حكمه لسوريا.

وعليه فان حزب البعث سيلقى في كل الأحوال نفس مصير حركة الإخوان المسلمين لأنه وجد نفسه في مواجهة الشعب الذي نفره ورفض حكمه وعليه سيسقط بسوريا مسقط رأسه وهي مفارقة أخرى قد لا تختلف عن مفارقة عودة ما يسمى بالربيع العربي إلى نقطة البداية تونس أو مكان انطلاق الشرارة التي أشعلت شوارع الدول العربية وأسقطت رؤوس كبيرة من سدة الحكم، مثل محمد حسني مبارك والرئيس اليمني علي عبدالله صالح والعقيد معمر القذافي وحتى محمد مرسي ورأس الرئيس الأول الذي رحل هاربا زين العابدين بن علي بعد أحداث الربيع العربي والثورة التي انطلقت ضده في تونس. لكن المفارقة هنا أيضا وحسب المعطيات والمؤشرات الأخيرة والتي أفرزتها ثورة إسقاط حكم الإخوان في مصر أو التصحيح الثوري هو اتجاه أو عودة الربيع العربي إلى نقطة البداية كما سبق وان ذكرنا تونس، وذلك لإسقاط ما تبقى من مشروع الإخوان العقائدي بتونس، والممثل في حركة النهضة التونسية التي تلقى رفض عام لوجودها وحكومتها في تونس، ولن تنتهي الأمور إلا بسقوطها وسقوط ما يسمى الربيع العربي وتوقيف زحفه، لان تونس ستكون نقطة النهاية ولا اعتقد انه وفي هذه الحالة سيتجرأ أخر على القيام بأي تغيير عن طريق الثورات الشعبية على غرار الربيع العربي الذي كاد أن يصبح مشروعا عقائديا في تغيير الأنظمة وسيسقط هذا المشروع بتونس التي كانت أول مسقط لراس هذا المشروع العقائدي إن كان هو فعلا مشروع كما يعتقد البعض.

من بين الدول العربية وحتى الإسلامية واجهت الجزائر ظاهرة جديدة وطارئة، والظاهرة كانت عبارة عن تلك الفكرة التي حملتها حركات إسلامية متشددة لتغيير نظام الحكم في الجزائر بالقوة أو بقوة السلاح، وواجهت الجزائر أعمال مسلحة عنيفة قادها التيار الإسلامي المتشدد لمدة عقد من الزمن، كان ذلك العقد على الجزائريين بمثابة الدهر لما تعرض له الشعب الجزائري من قتل وتشريد وشتات، وقد اعتبرت الجزائر وقتها بمثابة حقل التجارب لمثل هكذا أعمال أو مشاريع ن حيث كانت حركات أخرى متشددة عبر الكثير من دول العالم العربي والإسلامي تنتظر ما قد تسفر عنه نتائج الصراع على السلطة في الجزائر وتمرير ذلك المشروع العقائدي الذي كانت تحمله تلك الجماعات المسلحة في الجزائر، بل وهناك حتى مجموعات أو حركات مماثلة في عدة دول لحقت مباشرة بالركب وسلكت نفس الطريق الذي سلكته الجماعات في الجزائر.

بذلك جعلت تلك الجماعات من الجزائر الأرض التي سقطت بها فكرة حمل السلاح والجهاد ضد من أسمتهم بالطغاة والكفار وأعداء الإسلام، وفي كل الأحوال ومهما كانت النتائج أو نتائج ذلك الصراع، فان الجزائر تعتبر أنها هي مسقط راس تلك الحركات الإسلامية المتشددة التي واجهت النظام الحاكم وحاولت اخذ السلطة بقوة السلاح، إلا أن تلك الجماعات لم تستطيع التغيير بقوة السلاح، بل استطاع النظام ورغم بدايتها القوية والتأييد الشعبي وقتها وحتى الأجنبي الذي كانت تحظى به والتعاطف الذي كانت تلقاه، فلم تستطع الصمود واستطاع النظام من دحرها فأعطى وقدم التجربة والخبرة في كيفية التعامل معها وأساليب محاربتها، حيث ابتلت العديد من الدول بعدوى تلك الجماعات الإسلامية المتشددة التي اجتاحتها ودخلت في حرب أو مواجهات عنيفة معها فهناك من الدول التي لا تزال تعاني ويلاتها وأعمال العنف التي تنفذها لكن عن طريق التفجيرات والاغتيالات بدون أي مواجهة مسلحة على الجبهات كما حدث في الجزائر، بينما أصبحت تلك الجماعات في الجزائر بعنفها وتجربتها ومشروعها من الماضي، وبالجزائر التي أعطت التجربة والخبرة في كيفية التعامل مع هذه المجموعات وأساليب محاربتها سقطت تلك الجماعات الإسلامية وسقطت معها كل التنظيمات الإسلامية المتشددة الأخرى عبر العالم بما فيها التنظيم العالمي "القاعدة" الذي انتهى فعليا وعاد هو الآخر من الماضي، حيث أن الجزائر بصدد دفن أخر رؤوس قادة التنظيمات الإرهابية في المنطقة وهي تقود أخر الحملات لاستسلام ما تبقى من العناصر الإرهابية كان أخرها إصدار بيان عن قوات الجيش الجزائري يدعو فيه ما تبقى من عناصر العدول عن أفكارهم والنزول من الجبال، وبذلك يدفن ذلك المشروع الإسلامي المتشدد بنفس مسقط رأسه وتنتهي أفكاره وفكرة الجهاد ضد العباد وخراب للبلاد فقط.

الاستنتاج من خلال هذا التحليل والسرد لواقع وحال بعض المشاريع العقائدية التي فشلت أو أفشلت سواء من طرف أصحابها وحامليها أو من طرف غيرهم وخصومهم، تتبلور لدينا فكرة وقناعة واعتقاد لا يجب أن نجعل منه عقيدة ومعتقد دائم لدينا على غرار غيرنا من أصحاب المشاريع العقائدية الفاشلة حتى لا ننخدع في اعتقادنا لان المتغيرات تتغير، وهذا الاستنتاج هو أن الشعوب العربية والإسلامية وغيرها عبر العالم، وفي هذا العصر لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تجتمع وتتعايش مع بعضها تحت ظل أي مشروع عقائدي يسعى لقيادة وحكم البلدان والشعوب مهما كانت قدسية ذلك المشروع، لأن أي مشروع من تلك المشاريع العقائدية وفي كل الأحوال سيكرس لفكر أو فئة أو طائفة أو عرق ما ويقيد الحريات الخاصة ويصبح عقدة لدى البعض من أبناء المجمع إن لم نقول كل المجتمع، مع كل هذا الانفتاح الذي يشهده العالم خاصة في عصر التقدم والتطور والرقي الحاصل وهذا باختصار يقود إلى ما بعد العولمة التي لم تتحدد معالمها وأهدافها ولا عقيدتها التي قد تنهيها هي الأخرى.

 

خليفة فهيم

صحفي جزائري

 
خليفة فهيم
 
أرشيف الكاتب
الجيش الجزائري في مهمة بديلة: مواجهة المهربين قبل الارهاب
2014-06-25
لن ترضى قطر على الإمارات وهي تحقق الانجازات ولو ذهب القرضاوي
2014-02-24
الإخوان المسلحون
2013-12-29
لماذا كشفت إيران عن مفاتنها للشيطان الأكبر؟
2013-11-17
نهاية عقدة المشاريع العقائدية: مفارقة السقوط بمسقط الرأس؛ الإخوان، البعث، الربيع العربي والإسلام المتشدد
2013-09-01
الإخوان، تجرع السم لا يعني الموت المحتم
2013-07-18
الإخوان في خبر كان: تفلسف حمار حتى مات جوعاً!
2013-07-03
هل بوتفليقة غاضب منهم؟
2013-05-21
ليبيا من الثائر القذافي إلى ملايين الثوار: المجاهدون والتناحر القبلي
2013-05-20
قانون العزل السياسي يمهد لتفرد الإسلاميين بالحكم في ليبيا
2013-05-11
المزيد