First Published: 2016-03-24

ماذا يعني انتحار امرأة فلوجية مع اطفالها الاربعة

 

نقول لمن يدعو إلى تدمير الفلوجة عن بكرة أبيها إن داعش يغنيكم عن هذا.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: مروان ياسين الدليمي

لا يبدو ان ضمير الساسة في العراق سيصحو حتى بعد أن صحا العالم على خبر انتحار امرأة من مدينة الفلوجة مع اطفالها الاربعة يوم الثلاثاء 22/3/2016 بعد ان كانت الاحوال الانسانية فيها قد ساءت نتيجة نفاد الادوية والاغذية الى الحد الذي لم يعد امام من تبقى من سكانها إلاّ أن يأكلوا الاعشاب والحشائش، حتى ان فتوى كانت قد صدرت من علمائها خلال الاسبوع الماضي اجازت لهم تناول لحم القطط والكلاب.

كان الاغنياء قد نفذوا بجلدهم واستطاعوا الخروج من المدينة بعد أن دفع اغلبهم الرشاوى لافراد تنظيم داعش، بينما الفقراء لم يسعفهم فقرهم في ان يغادروا، فما كان منهم إلاّ أن يرضخوا لما كتبه لهم قدرهم ليقبعوا في بيوتهم إلى أن يقضي القدر امره فيهم.

لم يعد ممكنا امام الفلوجيين أي خيار قد يبعث فيهم الأمل بالحياة بعد أن اطبق الموت انيابه عليهم من كل الجهات، رغم انهم لم يشعروا بالاطمئنان ولا الاستقرار منذ العام 2003، إذ شهدت المدينة طيلة الاعوام الماضية حروبا ومواجهات مسلحة كثيرة، مرة ضد الجيش العراقي واخرى ضد الاميركان، هذا اضافة الى الحرب التي كانوا قد خاضوها ضد تنظيم القاعدة وهزموه فيها ما بين الاعوام 2006 – 2008.

إنّ الذي زاد من سوء الاوضاع وترديها الى الحد الذي دفع بهذه المرأة لأن تنتحر مع اطفالها أن الجيش العراقي كان قد فرض حول المدينة حصارا خانقا منذ عدة اشهر مع بدء العمليات العسكرية لتحرير الانبار من تنظيم داعش مع استمرار قصفه العشوائي لها.

بكل الاحوال فإن نتيجة هذا القصف كان ضرره على المدنيين العزل اكثر مما كان على تنظيم داعش الذي يحتلها منذ اكثر من عام، اضافة الى الطوق الامني الذي فرضه تنظيم داعش على المدنيين في الداخل بالشكل الذي لم يكن يعد ممكنا ان يخرجوا من المدينة، ومن يغامر منهم فسيواجه عقوبة الاعدام فيما لو سقط بإيدي التنظيم، وكثيرة هي الحالات التي اقدم فيها تنظيم داعش على اعدام عوائل بكاملها بعد أن خذلها الحظ وفشلت في الهروب.

بنفس الوقت هذا لاينفي ان اعدادا كبيرة من ابناء الفلوجة كانوا قد انضموا الى صفوف داعش سواء بإرادتهم او بغيرها. وهنا ليس ممكنا القبول باي تبريرات لهذا الانخراط مهما كانت شدة الحيف الذي وقع عليهم نتيجة السلوك الطائفي لحكومة بغداد واجهزتها الامنية.

في مقابل ذلك مثل هذه الحالة لا تمنحنا الحق في أن نصدر حكما مطلقا على جميع سكان الفلوجة على انهم ارهابيون ويستحقون ان يبادوا مع مدينتهم مثلما دعا الى ذلك بعض العراقيين على صفحات التواصل الاجتماعي، والغريب في الأمر عندما يكون بينهم كتاب وصحفيون واعلاميون!

مثل تلك الدعوات كانت قد تصاعدت بشكل صريح وقوي بعد ان اقدم تنظيم داعش على اعدام جنود وضباط عراقيين وقعوا اسرى لديه، معظمهم كانوا ينتمون الى الطائفة الشيعية وإن كان التنظيم في قسوته ووحشيته لا فرق لديه بين ان تكون الضحية على هذا المذهب او على ذاك، إلاّ ان عمليات الاعدام تلك ـــ خاصة عندما اقدم على اعدام الجندي مصطفى هاني الضاحي من مدينة الصدر الشيعية ــ دفعت عددا من الاصوات المتطرفة الى ان تطلق دعوات صريحة لابادة الفلوجة عن بكرة ابيها واعتبرتها " رأس الافعى" لذا ينبغي ان تزال عن الوجود.

لا أحد يستطيع أن ينكر على الفلوجة انها كانت قد اصبحت ــ ومنذ سقوط العراق تحت سلطة الاحتلال الاميركي عام 2003 ــ رمزاً لمقاومة مشروع الاحتلال، فتحملت نتيجة ذلك الى حملات عسكرية شرسة، حكومية واميركية، ولاكثر من مرة، واستخدمت فيها شتى انواع الاسلحة بما في ذلك الاسلحة المحرمة دوليا خاصة من قبل الاميركان، وبذلك سقط العديد من رجالها في تلك المعارك والمواجهات وتحملت ما لم تتحمله اية مدينة عراقية اخرى، ومع ذلك لم تنكسر فيها شوكة المقاومة رغم وحشية وهمجية الالة العسكرية الاميركية.

اليوم ونتيجة للظروف التي اشرنا اليها تواجه الفلوجة وضعا حرجا جدا على المستوى الانساني خاصة وان تنظيم داعش قد تحصّن داخل الاحياء السكنية وفي البيوت مستخدما المدنيين دروعا بشرية.

ليس من الممكن تصور نهاية معقولة لهذه الحرب الدائرة، لربما من خلالها قد تتوفر فرصة لتفادي اسوأ الاحتمالات، بل على العكس فإننا سنواجه في الايام القريبة القادمة ما لا يمكن تصوره من احداث مأساوية ستترشح عنها، وما حادث انتحار هذه المرأة يوم امس (علما بأنه لم يكن الحادث الاول) إلاّ اشارة على المسار المرعب الذي بدأنا نشهد اول فصوله، فأنْ تربط امرأة يديها بحبل مع ايدي اطفالها الاربعة وترمي بنفسها في نهر الفرات ليغرقوا جميعا، فهذا ما لم يكن يخطر في بال اي واحد منّا يراقب ما يجري من احداث على تلك البقعة من الارض عادة مااتسم اهلها بالجَلد والصبر على الشدائد طيلة تاريخهم، ولم تكن مثل هذه الحلول (الانتحارية) حاضرة في ردود افعالهم مهما اشتدَّ الضغط عليهم ومهما كانت الصعوبات التي يواجهونها، وهذا يعود بالدرجة الاولى إلى أنهم مجتمع عشائري تحكمهم عادات وتقاليد صارمة تمنعهم من ان يظهروا ضعفهم امام الاخرين ولا فرق هنا بين الرجال والنساء، هذا اضافة إلى كونهم مسلمين، فلا يمكن وفق ذلك ان يقدموا على خطوة الانتحار، طالما المنتحر في شرع الاسلام يموت عاصيا لأوامر الله، اي بمعنى يموت كافرا. من هنا علينا ان نتصور شدة المحنة التي هم عليها الان، والتي جسدها مشهد الانتحار.

الازمة الانسانية قد اشتدت قسوتها على المدنيين في مدينة الفلوجة ولم يعد لديهم مايملكونه لمواجهة الجوع الذي اصابهم وخاصة الاطفال، وما اقدمت عليه هذه المرأة يأتي تمهيداً لما سنشهده من حوادث على هذا المنوال خاصة وان ما يتسم به اهل الفلوجة من اعتزاز كبير بقيمهم العشائرية والبدوية تمنعهم من أن يمدوا ايديهم طلبا للمعونة فيفضلون الموت على ان يجدوا انفسهم في موقف ذليل.

 

مروان ياسين الدليمي

مروان ياسين الدليمي

 
مروان ياسين الدليمي
 
أرشيف الكاتب
مُنحرفو السُّلطة
2017-10-10
بانتظار لحظة الاعتراف بالحقيقة
2017-10-02
يردلي سمرا قتلتيني
2017-09-22
حفلة تنكرية
2017-09-19
ما بين الموصل ودهوك واربيل
2017-09-17
ماذا تتوقعون ان يكون...
2017-09-14
المخدوعون بالثارات ونصرالله
2017-08-30
الدولة المختطفة
2017-04-01
ابتزاز الضحايا في حرب تحرير الموصل
2017-03-30
الموصل ونوابها
2017-03-11
المزيد

 
>>