First Published: 2017-01-12

فلينظر السيسي ماذا يريد؟

 

التاريخ لم يعد حكراً على المؤرخين وخطايا اليوم لن تقوى على إخفائها السنين.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: عادل الجوهري

بداية لا أوافق على تصنيف أي مسؤول بأنه خائن، ولا أي مواطن بأنه عميل، فالأمر ببساطة أن هناك فئة أعطت نفسها الحق الأبدي في حكم مصر مهما كانت التكلفة، وهناك شعب يتوق للتغيير يرى في ذلك حبسا لإرادته وإعتداءًا على مشيئته، عدا عن أن إحتكار السلطة مخالف لنواميس الطبيعة، التي جعلت من التغيير والتجديد وسيلة لتحسين الأداء وإثراء الحياة واستمرارها. وأتمنى والحالة هكذا أن نضع جانباً أسلوب الترهيب وإلصاق الاتهامات بكل من يتعرض لنظام الحكم بأدنى انتقاد، فالرئيس سواءً أكان من المؤسسة العسكرية أو من الجماعة الدينية هو فرد من البشر لا يمثل إلا شخصه. فالأول ليس هو الجيش أو الوطن، والثاني ليس الدين أو مندوب الله في الأرض.

وعندما أجلس مع نفسي محاولاً استكشاف ما يحدث في مصر، أجدني مدفوعا للعودة إلى الوراء، وبالتحديد يوم تم إسناد جميع مسؤوليات بناء الوطن لغير المتخصصين، وأقصد هنا مجلس قيادة ثورة .952، فهم جميعاً كانوا من العسكريين الأكفاء في تخصصهم بالقدر الذي سمح به زمانهم. فالعسكريون حين يحكمون لا ينقصهم الإخلاص، ولكنهم لم يتم إعدادهم لذلك علمياً أو عملياً، وهذا ليس عيباً شخصياً يؤخذ عليهم، إنما هو تقرير الحقيقة، وبحكم الخبرة والتأهيل. فالعقلية العسكرية تتصف بالحسم غير المرن، لطبيعة المهام التي تتطلب إتخاذ القرار وتنفيذه دون مناقشة ودون مراعاة أي تبعات غير ميدانية. لذلك من الظلم أن نسند لهم مهام سياسية النتائح فيها لا يُمكن أن تكون حاسمة. ففي السياسة لا توجد انتصارات مطلقة أو هزائم مطلقة.

ولذلك، فإن غالبية السياسيين المدنيين يتحلون بالمرونة التي تتيح لهم إتخاذ القرارات برؤية شاملة الجوانب، تتوخى ما سيترتب عليها من نتائج يجب أن تكون لصالح الوطن والمواطن. ولنا أن ننظر إلى تجارب الدول التي بدأت مع مصر في الخمسينيات كاليابان وكوريا وماليزيا وغيرها من الدول التي يُطلق عليها النمور الأسيوية، جميعها خضعت لحكم مدني متناوب بسلاسة، ذي مؤسسات دستورية حقيقية، ونرى ماذا حققت الإدارة المدنية لهذه الدول. وفي ذات السياق نلقي نظرة على الدول التي خضعت للحكم العسكري العضوض كالأرجنتين والبرازيل وتشيلي والأرغواي وأندونيسيا بل وحتى إسبانيا وهي الدولة الأوروبية، ولنعقد ما نشاء من مقارنات شريطة أن تكون الموضوعية منهجنا ومصلحة الوطن هدفنا، والبُعد عن الإساءة وسيلتنا.

لا أحد ينكر وطنية العسكريين حين يتولون الحكم، أو يشكك في حرصهم على أوطانهم ورغبتهم في تنميتها وإزدهارها. لكن الطريق إلى جهنم مفروش بالنوايا الحسنة، والوطن لم يعد يحتمل إعادة تجارب الماضي والإصرار عليها. فالتجربة التي لم تحقق هدفها، يكون من العبث أن نعيدها إلى المعمل بنفس التركيبة ونتوقع نتيجة غير التي سبقت. وقد أكد على ذلك العالم الكبير ألبرت أينشتاين بقوله: من الجنون أن نقوم بنفس العمل مرات ومرات ونتوقع نتيجة مختلفة.

ومن الإنصاف هنا أن نعترف أن الحكم الديني لا يختلف عن الحكم العسكري، فالأول يستند إلى قوة الدين ويستدعيه دوماً بحيث يصبح نقد قراراته إساءة إلى الإسلام والعياذ بالله، والثاني يستند إلى قوة الجيش المسلحة فتصبح أدنى إشارة إلى التقصير الإداري طعنا في الجيش حاشا لله. وهكذا تتداخل الحدود، وتنحرف النوايا الحسنة وفقاً للمزاج الشخصي، ويصبح كلا الحكمين هما أصحاب الحقيقة المطلقة، ويتم تكميم الأفواه في الحالتين، فمن تكلم عن الأول كافر، ومن همس عن الثاني خائن.

والسؤال: ماذا يريد السيسي لمصر؟

لا شك إنه يريد الخير لها، ولا أعتقد أن مسؤولا مصريا يضمر في قرارة نفسه السوء لهذا الوطن، وهو الذي لا يفوت فرصة إلا ويطلق تصريحات متفائلة، ووعود ناعمة، والناس يصدقونه وينتظرون رؤية النتائج، سواءً أكانت متحققة، أو على الأقل ثمة علامات لها إلى الطريق الصحيح.

لقد توكل على الله ووافق على الأخذ بنصائح صندوق النقد الدولي المتضمنة إجراءات قاسية على المواطن، على رأسها ترك الجنيه المنهار يُدافع عن كرامته أمام الدولار الجبار، ورفع الدعم عن الخدمات والسلع والمواد البترولية، وخصخصة الشركات والبنوك والمستشفيات، وترك الاقتصاد المريض يتصارع مع المرض وفقاً لآليات السوق (العرض والطلب).

تلك الإصلاحات إذا كانت ضرورية لإنقاذ الاقتصاد، فالسوق المصري في هذه الحالة سيصبح كأسواق أميركا وأوروبا والدول المتقدمة ذات الأنظمة الديمقراطية المستقرة. ولكن المواطن المصري سيبقى في نفس المرتبة المتدنية. ولذلك فعلى الرئيس أن يدرك – ولعل صندوق النقد الدولي لم يخبره – أن الإصلاحات الاقتصادية وحدها لا يمكن أن تُحقق وعوده. فهي لن تسمن ولن تغني من جوع، لأنه يجب أن يتزامن معها وبنفس الوتيرة والعزم، الإصلاح السياسي، والاداري، والاجتماعي. فالاصلاح حزمة واحدة إما أن يأخذها الرئيس كلها أو يتركها كلها، ويتراجع عما تم من إجراءات ويا دار ما دخلك شر، فلينظر ماذا يريد؟ دون نسيان أن التاريخ لم يعد حكراً على المؤرخين، وخطايا اليوم لن تقوى على إخفائها السنين، والأوطان لا يُخاطر بها إلا من كان لديه العلم اليقين.

 

عادل الجوهري

Adel.elgohary@gmail.com

 
عادل الجوهري
 
أرشيف الكاتب
فلينظر السيسي ماذا يريد؟
2017-01-12
الرجل العربي فريسة اختياراته
2016-08-02
هل داعش اصطناع أم استزراع؟
2016-07-27
السيسي الرئيس المظلوم: عين المستحيل أن نطلب من الرئيس والشعب الرحيل
2016-02-03
وما قصرت أعمارنا إلا حباً في مصر
2015-12-27
من يحمي الخصوصية ويطلق سراح القانون
2015-12-18
الشيخ سرحال وكلبه الشرس.. قصة قصيرة
2015-12-10
حديث المؤامرة دعوة لمحاربة طواحين الهواء
2015-11-18
تحذير من الشعب للبرلمان: الزعيم خط أحمر!
2015-10-20
عاصمة إدارية حديثة لإدارة حكومية عتيقة
2015-10-15
المزيد

 
>>