First Published: 2017-01-12

ترامب رجل المال والأعمال رئيساً للولايات المتحدة

 

إذا كان منطق الرئيس الأميركي الجديد أن يدفع الآخرون أثمان الخدمات الأميركية، فقد يأتي من يعرض ذات الخدمات بلا ثمن.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: صباح علي الشاهر

دونالد ترامب، الرئيس الأميركي الخامس والأربعين.

يمكن أن يكون هذا هو التعريف المرافق للرئيس الأميركي. ولكن الأمر ليس هكذا تماماً. فترامب لن يكون رقماً، هو ليس كالرئيس الرابع أو الثالث أو الثاني والأربعين، ليس لأنه يميني، أو متطرف، فهاتان صفتان تلتصقان بأي رئيس أميركي ولو بتفاوت نسبي لن يغير من جوهر المسألة شيئاً، وأميركا أولاً وآخراً لن تنتج رئيساً يسارياً، لكنها تنتج رئيساً بأحسن الأحوال يمينياً محسناً كأوباما مثلاً، والمعادلة المثلى التي لم تتغير ربما منذ نشأت الولايات المتحدة هي بين رئيس أميركي فاقع بيمنيته، وآخر يتجمل بعبارات براقة ولكن لا مضمون حقيقي لها.

إلى ما قبل ترامب كان الرؤساء واجهة لرأس المال، لكنهم ليسوا هم أصحاب الرأسمال الكبير. بمعنى أن الرؤساء قد يكونون أي شيء، رعاة بقر، أو ممثلين، أو قانونيين، أو سياسيي صدفة، أو ما شئت، لكنهم لم يكونوا أصحاب شركات كبرى، أو كارتيلات إحتكارية، بل كانوا واجهة لهذه الشركات، بصفة ممثلين أو وكلاء، أو حماة لمصالح هذه الشركات التي لا تمس، ويبدو أن الشركات الإحتكارية والسياسيون إرتضوا هذه القسمة، السلطة الظاهرية للسياسيين، والربح الوفير للشركات بمختلف أشكالها وألوانها، وهذا هو جوهر "الاستابلشمنت" أو مؤسسة النظام الأميركي القائم، أو ما يعرف بالإدارة الأميركية. التي تكرست منذ ظهرت الولايات المتحدة على الخارطة. ولهذا يمكننا تفسير هذه الحملة التي شنها ترامب على الإدارة الأميركية، والموقف المضاد لهذه الإدارة، ومن إرتبط بها من منظمات وأجهزة إعلام، لظهور وبروز ظاهرة ترامب.

سيؤسس ترامب، أو بالأحرى من يمثله ترامب، لإدارة جديدة، قد تبدو مختلفة شكلياً، لكنها معبرة عن واقع أميركا الحالي جوهرياً. ستكون الإدارة إدارة رؤساء الشركات الكبرى، وليس إدارة الوكلاء، هذه الإدارة ستدير الولايات المتحدة كما تدير شركاتها الإحتكارية، بنفس العقلية وبنفس المنطق.

منطق الشركات الإحتكارية "إذا زاد منتوج القمح، وتعرضت أسعاره للإنخفاض، فمن المستحسن رمي الكميات الزائدة في البحر كي يرتفع سعر القمح". ليس في قاموس الشركات الإحتكارية أن ثمة جائعين في مكان ما من الكرة الأرضية، يمكن تقديم هذا القمح الزائد لهم كهبات أو مساعدات، حتى ولو بشروط.

ومنطق الشركات الإحتكارية أنها لا تقدم خدمات مجانية، فكل شيء محسوب وفق منطق الربح والخسارة. لذا فإن قول ترامب بأن على دول الخليج دفع أثمان حماية الأميركان لهم من عائدات النفط، ليست زلة لسان، ولا كلام غير محسوب، خارج منطق السياسة، وإنما هو من صلب السياسة التي ستتبع.

وعلاقة ترامب ببوتين، ليس فيها ما هو بعيد عن هذا المنطق. فبوتين ليس رئيساً لدولة إشتراكية. فروسيا السوفيتية لم يعد لها وجود، وبوتين لا تسيره الأيدلوجية الثورية، بل هو رئيس لدولة رأسمالية، تهمه مصلحة روسيا أولاً وأخيراً، ومصلحة الكارتيلات الروسية التي ارتبطت مصالحها بالكارتيلات الأميركية. ووفق حسابات الربح والخسارة سيتم الاتفاق بين روسيا وأميركا على قاعدة تبادل المنافع.

لكن الموقف من الصين سيكون مختلفاً. فالصين التي هي ليست رأسمالية تماماً، يغزو إقتصادها العالم، ويضيق الخناق على الشركات الإحتكارية الأميركية في عقر دارها. فإلى أي مدى سيصل الصراع الأميركي الصيني ذو الصبغة الإقتصادية؟ هذا ما ستكشفه الأيام القادمة. وهل سيبني بوتين علاقته مع أميركا ترامب على حساب علاقته مع الصين التي دخلت في حلف إستراتيجي مع روسيا، وهو الحالم (أي بوتين) بأوراسيا، والمستند على قوة منظمة شنغهاي الصاعدة، والذي يرى في تحالفه مع الصين قوة لروسيا قبل أن تكون للصين، صاحبة أقوى إقتصاد عالمي واعد.

أما الموقف من إيران والإتفاق النووي، فهو أمر يبدو أن الزمن قد تجاوزه. لقد تحولت إيران إلى رقم صعب، ليس بمقدور أي رئيس أميركي تجاوز معطياته، وبالأخص بعد نزول أميركا من قمة الهرم، ولعبها على سفوحه مع من كان إلى زمن قريب يعد في السفح، ولكن ثمة فسحة تتسع وتضيق بين أميركا وإيران على قاعدة تبادل المنافع وفق منطق البزنس. ومثلما أميركا بقيادة رجل المال والأعمال مستعدة للعب هذا الدور، فإيران البراغماتية مستعدة أيضاً للعب نفس الدور. وإذ يبدو الصدام صعباً، وإن لم يكن متعذراً، فإن التفاهم ممكناً، لا بل هو أكثر ترجيحاً، مع استقرار الوضع الإيراني، وتسجيل المحور الذي تقف إيران في قلبه انتصارات متتالية، سواء على صعيد الوضع في سوريا أو العراق، وفي توسيع دائرة التفاهمات والتحالفات من الهند وصولاً إلى تركيا، وإلى ما هو أبعد.

لن تكسب أميركا المال من الساحة الصينية، وحتى بالنسبة لروسيا، فهي ستأخذ أكثر مما تعطي، وأوروبا المثقلة بمشاكلها لن تنتظر مشروع إنعاش أميركي جديد، لأن أميركا بحاجة هي ذاتها لإنعاش.

ترامب سيكون أكثر إيجابية في محاربة الإرهاب، وبالأخص داعش والنصرة، وما يحسبه تطرفا إسلاميا، ليس بإعتبار أن المتهم بخلق داعش والنصرة هي منافسته هيلاري كلينتون وحزبها، وإنما لأن الرجل لديه موقف حاد في عدائيته ليس للتطرف الإسلامي، وإنما للإسلام ككل. فهو أولا وآخراً "رجل متطرف- شديد التطرف" لا يترك فرصة من دون إعلان تطرفه هذا.

يقولون عندما يفلس التاجر، يدوّر (يبحث) في دفاتره القديمة. فما هي الدفاتر القديمة التي سيفتحها التاجر الأميركي المفلس؟

لم يعد الأمر سراً، فقد أعلنها ترامب واضحة عارية، على دول الخليج تقديم جزء من عوائد نفطها مقابل الحماية.

ترى ماذا لو قدمت روسيا الحماية بالمجان؟

وماذا لو تعهدت إيران بحماية المنطقة من كل دخيل، ومن هو خارجها؟

 

صباح علي الشاهر

 
صباح علي الشاهر
 
أرشيف الكاتب
ترامب رجل المال والأعمال رئيساً للولايات المتحدة
2017-01-12
عن التأقلم والاندماج ولو متأخراً
2016-12-16
اللعب في الوجه الآخر من الورقة
2016-11-25
جناية المتعصبين السنة والشيعة على الإسلام والمسلمين
2016-11-19
هل سيدشن ترامب سياسة الإنكفاء على الذات الأميركية؟
2016-11-13
عن الحيادية الإعلامية واستعمال المصطلح: المليشيات نموذجاً
2016-10-31
من موقع الحدث، نقلاً عن مصدر لم يذكر إسمه!
2016-10-06
لا ينفع التعميم في مثل هذه الحالات
2016-09-18
البضاعة التي لا بضاعة لنا غيرها
2016-08-31
هل تلتحق تركيا بأوراسيا الموعودة؟
2016-08-19
المزيد

 
>>