First Published: 2017-03-20

كركوك وأعلامها!

 

المعركة في الموصل والأعلام ترفع في كركوك.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: عبدالأمير المجر

يعمد الكسبة من عمال تفريغ حمولات سيارات الرمل والحصى، القادمة الى ساحات جمع مواد البناء هذه، الى القاء مجارفهم في احواض تلك السيارات، قبل وصولها الساحة، اذ يقفون بانتظارها قريبا من المكان، متحفزين يترقبونها، وبذلك يضمن من يسبق الاخرين في القاء مجرفته حق تفريغها، مقابل الاجر المخصص لهذه المهمة التي يختص بها الفقراء وحدهم، ممن تضيق بهم سبل العيش، ولم يجدوا فرص عمل اخرى.

تذكرت تلك المشاهد التي مازالت مستمرة في عراقنا المبتلى بالفقر والمشاكل المتوالدة، وانا اسمع وارى من خلال وسائل الاعلام، قرار محافظ كركوك، السيد نجم الدين كريم، المتمثل برفع علم اقليم كردستان فوق المباني الرسمية في المحافظة، التي وصفها دستور العام 2005 بـ"المتنازع عليها" ووضع لها فقرة توضح خارطة الطريق التي يجب اتخاذها لحسم عائديتها.

المحافظة العراقية التي شهدت اخر احصاء سكاني معترف به من قبل الامم المتحدة في العام 1957 تقول خارطتها الديموغرافية، وقتذاك، ان نسبة السكان للقوميات الرئيسة الثلاث فيها، التركمان والأكراد والعرب كانت متقاربة، حيث يتقدم التركمان ثم الأكراد ثم العرب فبقية الاقليات الاخرى، وهذا يعني انها دخلت العهد الجمهوري بعد ثورة 14 تموز 1958 او بعد عام واحد من الاستفتاء، بهذا التنوع الذي لم تبلغ فيه اية قومية نسبة حاسمة تجعلها تصطبغ بصبغتها.

بعد ثلاث سنوات او في العام 1961 اعلن الملا مصطفى البارزاني تمرده على الحكومة الجديدة،، التي دعته الى العودة من منفاه الى الوطن بعد نحو شهرين من الثورة، مطالبا باستقلال المناطق الكردية، لتبدأ محنة الدولة العراقية، ليس لان الحكومات المتعاقبة، منذ ذلك الحين، عجزت عن ايجاد الحل الناجع للمشكلة، بل لان مطالبة الاخوة الأكراد بضم محافظة كركوك لمناطق كردستان، التي من المفترض ان تتمتع بحكم ذاتي او اية صيغة يتوافق عليها الطرفان، حالت دون تحقيق ذلك ليستمر القتال الذي تذوق خلاله العراقيون بمختلف قومياتهم واديانهم، اشكالا من العناء، بعد ان استولد مشاكل مختلفة اخرى، يعرف تفاصيلها هذا الشعب الذي ظلت تعبث بأمنه واستقراره، اياد خفية لا تريد له النهوض، مستثمرة هذه الثغرات التي تسللت منها وزادت من ارباك واقعه طيلة العقود الماضية.

بعد العام 2003 كان من المفترض ان تحل تلك المشاكل، بما فيها مسالة كركوك وايجاد صيغة نهائية للتفاهم بين حكومة بغداد وادارة اقليم كردستان الذي بات امرا واقعا، لكن قياداته ظلت تطالب بضم محافظة كركوك كمدخل لحل المشاكل العالقة منذ عقود، الامر الذي اصطدم وبشكل مباشر، هذه المرة، بواقع اجتماعي وسكاني يحول دون ذلك. فالعرب والتركمان والمسيحيون بمختلف قومياتهم، لهم وجهة نظر اخرى، تتمثل بادارة مشتركة، او اقليم خاص للمحافظة، لكي لا تحسب على جهة معينة، منوهين هنا الى ان الامم المتحدة اقرت في سبعينيات القرن الماضي، بان اية مدينة او منطقة فيها قومية معينة تسعى للانفصال او الانضمام لدولة مجاورة لها القومية نفسها، ولا تمثل نسبة 60 بالمائة من مجموع السكان في تلك المنطقة، لايحق لها ذلك، لانه يخالف رغبة بقية السكان ويتسبب في نزاعات لا طائل من ورائها، وهذا هو واقع كركوك اليوم، مثلما هو بالامس، أي ان مصادرة الاخرين واسباغ طابع قومي عليهم بطريقة تعسفية، لم بعد مقبولا في عالم اليوم.

قادة الاحزاب الكردية ممن يطالبون باجراء استفتاء على مصير المحافظة، متهمون من قبل الاطراف الاخرى، بانهم قاموا بتغيير ديموغرافي فيها بعد العام 2003 لتحقيق اغلبية كردية، تمهيدا لضمها، ولكي تأتي نتيجة الاستفتاء ملبية لرغباتهم، وهو ما ينفونه طبعا، بل يتهمون الحكومات العراقية السابقة بانها هي من قامت بهذا التغيير، وهكذا دخلنا في جدل بيزنطي، لا يمكن حله الا بالاعتماد على احصاء العام 1957 الذي تعترف به الامم المتحدة وتعده معيارا دقيقا للواقع السكاني في كركوك، وكذلك يعترف به الأكراد انفسهم ايضا. فلماذا اذن الاستفتاء والدخول في متاهات اجرائية لا تنتهي الى حل يرضي الجميع؟

الحقيقة هي ان كركوك الغنية بالنفط، مطلوبة لثروتها وليس لشيء اخر، ولدخول اجندة دولية على الخط، مهدت لصنع مشكلة عائديتها وثبتتها في الدستور، لتكون مدخلها المستمر الى العراق، وان ما حققه الجيش العراقي مؤخرا في الموصل وقبلها في المناطق التي احتلها داعش، احرج الجميع ممن كانوا يعتقدون او يمنون النفس بان العراق الواحد انتهى، وان تقسيمه اصبح امرا واقعا، وباتوا الان يشعرون بالاحباط، وإن لم يفقدوا الامل في ذلك.

هل اراد السيد محافظ كركوك ان يضمن حق الاقليم بكركوك من خلال رفع علمه على دوائرها، على طريقة الكسبة ممن كانوا يرمون مجارفهم في سيارات حمل مواد البناء ليضمنوا حقهم في افراغ حمولاتها؟ لا نعلم، لكن الذي يجب ان نعلمه ان هذه الخطوة ليست عفوية او اجتهاد شخصي من قبل السيد المحافظ ابدا، ولعلها بداية الحلقة الاخيرة في مسلسل المشاكل بين بغداد والاقليم.

نامل ان يتعلم الجميع من دروس الماضي، وان يضعوا مصالح الناس امام اعينهم، لان مسلسل الحروب والتوترات لم يجلب للعراق كله، بما فيه كردستان سوى الدمار والخراب.

 

عبدالأمير المجر

 
عبدالأمير المجر
 
أرشيف الكاتب
جهوية المؤتمرات واهدافها الاقليمية في العراق
2017-07-18
الهند.. آخر هدايا العرب لاسرائيل
2017-07-10
عن نتنياهو وتحرير القدس في العام 1967!
2017-06-05
على هامش قمة الرياض الاميركية الاسلامية
2017-05-22
مبشرون بأحلام فاسدة
2017-05-15
حكومة الاغلبية في العراق.. المعلن والمخفي
2017-05-08
ماكرون ولوبان يرثيان الايديولوجيات الاوروبية
2017-05-04
تركيا.. من مندريس الى اردوغان
2017-04-25
ايام الحسم السياسي القادمة
2017-04-17
مسرحية 'سينما' .. سؤال الخلاص المتشظي!
2017-04-16
المزيد

 
>>