First Published: 2017-04-21

بين صعود تيريزا مي... وهزالة فرنسا

 

بريطانيا وجدت في شخص مي منقذا. البحث ما زال جاريا عن مثيل لها في فرنسا.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: خيرالله خيرالله

بدعوتها الى انتخابات مبكرة، تظهر تيريزا مي رئيسة الوزراء البريطانية انّها تمتلك حسّا سياسيا مرهفا وبعد نظر، كما تعرف استغلال الفرص، بل انتهازها.

تعدّ تيريزا مي بلدها، المملكة المتحدة، لما بعد الخروج من الاتحاد الاوروبي وللهزات التي يبدو انّ أوروبا ستتعرض لها قريبا، خصوصا في حال حصول مفاجأة كبيرة في فرنسا ووصول شخص يميني متطرف مثل مارين لوبن… او يساري ساذج مثل جان لوك ميلونشون الى قصر الاليزيه.

ما يجمع بين اليمني المتطرّف واليساري الساذج في فرنسا هو ذلك العداء للاتحاد الاوروبي والرغبة في الخروج منه، تماما كما حصل في بريطانيا حيث صوّت اهل الريف مع "بركسيت"، أي مع خروج بريطانيا من الاتحاد الاوروبي. فعلت أكثرية اهل الريف ذلك بسبب الجهل والشعارات التي اطلقها اليمين المتطرّف الذي صوّر للبريطانيين ان هناك موجة هجرة الى المملكة لا بدّ من وضع حد لها على وجه السرعة.

بعد قرارها بإجراء انتخابات مبكرة في الثامن من حزيران ـ يونيو المقبل، بدل الانتظار الى السنة 2020، لم تعد تيريزا مي، التي خلفت ديفيد كاميرون في موقع رئيس الوزراء قبل اقلّ من سنة، تلك الشخصية السياسية التي لا طعم لها ولا رائحة والتي التي جاءت بها الصدفة الى السلطة. قرّرت ان تكون سياسيا ينقضّ على الفرص وان تبني زعامة خاصة بها، أي ان تقود حزب المحافظين الى انتصار انتخابي كبير مستفيدة قبل كلّ شيء من حال الانهيار التي يعاني منها حزب العمال بزعامة جيريمي كوربن.

يحصل ذلك فيما الحزب الثالث الذي كان في مرحلة معيّنة يلعب دورا على الساحة السياسية البريطانية، أي حزب الاحرار الديموقراطيين، في حال يرثى لها. امّا اليمين المتطرف، فيبدو وكأنّ الأرض انشقت وبلعته بعد النجاح الذي حقّقه في الاستفتاء على الخروج من الاتحاد الاوروبي في حزيران ـ يونيو من العام الماضي. دفع اليمين المتطرّف ثمن الأكاذيب التي اطلقها والتي شجّعت على تصويت الأكثرية بـ"نعم" للخروج من الاتحاد الاوروبي، من دون خطة واضحة لما بعد هذا الخروج المكلف.

لم تعد أوروبا أوروبا. جاء خروج بريطانيا من الاتحاد الاوروبي الذي استغرق بناؤه ستين عاما ليوجه ضربة قوية الى فكرة ربط الدول والشعوب الاوروبية ببعضها البعض عبر شبكة مصالح اقتصادية وسياسية وذلك كي تكون هناك على خريطة العالم قوة ذات وزن.

من الواضح ان تيريزا مي اتخذت قرارها ببناء زعامة سياسية باجراء الانتخابات المبكرة، فيما عينها على ما يجري في فرنسا أيضا. تريد، على الصعيد الداخلي، امتلاك أكثرية مريحة والتخلّص من النواب المحافظين الذين ما زالوا يعادون الخروج من الاتحاد الاوروبي فضلا عن القضاء على فرص حزب العمال، المنقسم على نفسه اكثر من ايّ وقت، بالعودة الى الحكم.

تدرك رئيسة الوزراء البريطانية ان لا تماسك أوروبيا بعد الآن. انضمت المملكة المتحدة الى الاتحاد الاوروبي في العام 1973 في وقت لم يكن امامها من خيار آخر غير ركوب هذا القطار. كانت المملكة المتحدة تفقد في تلك المرحلة مواقعها على الخريطة العالمية بعدما انسحبت من منطقة الخليج ومن كلّ شرق السويس، بما في ذلك عدن (في العام 1967) وباشرت إعادة تموضعها اقتصاديا. كان الخوف البريطاني الدائم من ذلك الحلف الألماني ـ الفرنسي الذي بدأ يتكوّن بعد حرب السويس في العام 1956 والذي جعل من المملكة المتحدة مجرّد تابع للسياسة الاميركية.

بعد خسارة بريطانيا وفرنسا لحرب السويس التي لم تكن سوى مغامرة طائشة شاركتهما فيها إسرائيل، اتجهت فرنسا نحو أوروبا فيما لاذت بريطانيا باميركا. امّا إسرائيل ففهمت باكرا معنى خوض مثل هذا النوع من المغامرات من دون التنسيق الكامل مع الولايات المتحدة.

لا شكّ ان بريطانيا تحتاج حاليا الى زعيم قويّ فيما أوروبا كلّها وفرنسا على وجه الخصوص في مرحلة مخاض ليس معروفا كيف ستخرج منها. ففرنسا كانت دائما في قلب أوروبا. راهن الفرنسيون باكرا على فكرة الاتحاد الاوروبي الذي بدأ باتفاقات ذات طابع اقتصادي في العام 1957 بين المانيا وفرنسا وإيطاليا ودول الـ"بنيلوكس" الثلاث (بلجيكا، هولندا، لوكسمبورغ).

هناك نجم سياسي يصعد في بريطانيا. تأتي الانتخابات الرئاسية الفرنسية التي موعد الدورة الاولى فيها الاحد المقبل لتزيد حاجة بريطانيا الى زعامة تنظم عملية الخروج من الاتحاد الاوروبي من جهة وتخلق دورا جديدا للمملكة المتحدة على صعيد الاقتصاد العالمي من جهة أخرى.

هناك مرشحون عدّة في الانتخابات الفرنسية. لا يمكن الاطمئنان الى ايّ من هؤلاء، باستثناء ايمانويل ماكرون، ربّما، الذي يبدو قادرا على انتشال الاقتصاد من حال الركود التي يعاني منها. لكن ماكرون اظهر في بعض المناسبات غيابا في النضج السياسي. من بين هذه المناسبات الكلام الذي صدر عنه خلال زيارة للجزائر وبدا فيه وكأنّه يعاني من عقدة معيّنة تجاه ذلك البلد الذي لم يحسن استغلال الفرص التي توفّرت له بعد الاستقلال. صحيح ان الاستعمار الفرنسي ارتكب جرائم في الجزائر، لكنّ الصحيح أيضا انّ البلد مستقل منذ العام 1962 وانّ من المعيب بقاء فرنسا أسيرة عقدة الجزائر باي شكل من الاشكال وفي أي ظرف من الظروف.

في كلّ الأحوال، تبحث فرنسا عن زعيم يعيد الحياة اليها، كما يعيد الحياة الى الاتحاد الاوروبي، فيما وجدت بريطانيا زعيما، بات معتمدا لدى الرئيس الاميركي دونالد ترامب وفي دول الخليج العربي. سيساعدها ذلك في مواجهة مرحلة الخروج من الاتحاد الاوروبي وإيجاد الفرص التي تسمح بالحدّ من الخسائر الناجمة عن "بركسيت".

اذا كانت الانتخابات الرئاسية الفرنسية كشفت امرا، فهي كشفت كم ان الطبقة السياسية الفرنسية هزيلة. يمكن ان يأتي الى الاليزيه رئيس معقول مثل فرنسوا فيون او ايمانويل ماكرون، كما يمكن ان يأتي شخص مثل مارين لوبن وحتّى اليساري ميلونشون. ايّا يكن هذا الرئيس الجديد، فان فرنسا التي اضاعت فرصة الان جوبيه لن تستعيد وزنها التاريخي قريبا، لا في أوروبا ولا خارج اوروبا. ستكون لازمتها انعكاسات قويّة على أوروبا كلّها. تلك هي الرسالة التي يبدو ان تيريزا مي تلقّفتها سريعا، فكانت دعوتها الى الانتخابات المبكرة التي يمكن ان تسمح لها بالبقاء في موقع رئيس الوزراء حتّى السنة 2022.

الفارق بين فرنسا وبريطانيا ان الاولى في حال ضياع على كلّ صعيد، فيما الثانية تحاول التقاط أنفاسها. هناك سياسيون يصنعون الفارق دائما. لا تزال فرنسا تبحث عن ضالتها منذ خرج جاك شيراك من الاليزيه قبل عشر سنوات، فيما يبدو ان بريطانيا وجدت في شخص تيريزا مي منقذا، او مشروع منقذ، هي في اشدّ الحاجة اليه.

 

خيرالله خيرالله

 
خيرالله خيرالله
 
أرشيف الكاتب
لغز ايمانويل ماكرون
2017-04-26
قصّة ملك... ورئيس لنظام
2017-04-24
إيران تردّ على اميركا في لبنان!
2017-04-23
بين صعود تيريزا مي... وهزالة فرنسا
2017-04-21
ما اشبه اليوم بالبارحة في ايران
2017-04-19
تأخّرت معركة الحديدة... ام لم تتأخّر
2017-04-17
ساعة الحقيقة تقترب في سوريا
2017-04-16
وصيّة سمير فرنجية
2017-04-14
استهداف مصر مرتبط بالردّ الاميركي
2017-04-12
من ضياع الجولان... الى ضياع سوريا
2017-04-10
المزيد

 
>>