First Published: 2017-04-21

'نورس لا يرى إلا الجميل' .. تعددية الأصوات وأسلوب الدوبلاج

 

ديوان جابر بسيوني يحمل الكثير من الأخلاق السامية، والنظرة الدائمة نحو غد أفضل، ويقوم بخلق بصيص من الأمل في عتمة الواقع.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: إيمان الزيات

الشعر هو الدليل المحسوس على وجود الإنسان

من عتبة الولوج الأولى لديوانه "نورس لا يرى إلا الجميل" يؤكد لنا الشاعر الكبير جابر بسيوني على الفكرة المُلحة والقوة الدافعة لقلمه بطول قصائد الديوان وعرضها وهي حتمية وجود الجميل والقبيح بالحياة، إلا أن نورس هذا الديوان نورساً استثنائياً ليس لأنه الأمهر أو الأذكى أو الأكثر حظاً من بين النوارس الأخرى، وإنما لكونه يملك نظرة مختلفة للأشياء فهو "لا يرى إلا الجميل".

ويدعم ذلك المفهوم جميع عتبات الديوان التي تتضافر وتمتزج وتتلاقى لتصب في معين الفكرة ذاتها، فالغلاف لا ينكر وجود نوارس أخرى فهو ليس النورس الوحيد المحلق في "سماء الغلاف / فضاء الحياة" إلا أنه هو النورس الوحيد الذي يتجه بناظريه نحو الأعالي كأنه صقر لا نورس، لا يبحث عن مراده على الأرض بل يرتفع بظلاله البيضاء المكرورة، وتحليقاته الخيالية المتعددة كأنها مدارات ارتقاء روحية وارتفاعات خارج قيد الجسد.

كما أن الكلمة بظهر الغلاف تسير على نفس النهج حيث يوضح الشاعر أن نور "الله / قنديل الصدور" هو العلامة المميزة التي تجذبه لنثر الضياء على المنيرة قلوبهم للاستزادة، لكن المظلمة صدورهم فهو لا يراهم لأن أمثالهم لا يُروْن أصلاً.

وندلف لمقولة الشاعر أراجون: " إن الشعر هو الدليل المحسوس على وجود الإنسان"، حيث استضاء بها الشاعر وانطلق يخاطب القاريء بأن كل قصيدة هي جزء من روحه ومرآة لذاته وعمره وخطواته.

جعل الشاعر بمصداقيته اللافتة من الشخوص في قصائده رموزاً ومعادلات موضوعية، منطلقاً بهم من محدودية الخاص إلى شمولية العام فجعل من "شيماء الصباغ" الشاعرة الثائرة رمزاً رديفاً لزهور الوطن التي تفتحت في حدائقه "الورد إللى فتح في جناين مصر" مآلها هو مآل الكثيرين من شباب وفتيات الثورة ينعيهم بنعيها، ويمجد أرواحهم بتمجيد روحها، وتماهت المفردات مع الحالة الإنفعالية المحمولة بقصيدتها فظهر معها مفردات (الضياء، الزهر، النبض، النقاء، الثرى ...).

وجعل من "إيلان" الطفل السوري الغارق على سواحل تركيا رمزاً للجمر المتقد في صدور رجالات العرب وكل من يشاهد ولا يملك سوى أن يكتب أو يحترق، وهنا تظهر مفردات مغايرة تلائم حالة انعدام الحيلة كـ (الضعف، الذل، الخوف، الموت، الغرق، المجهول ....) لتصدر تلك الحالة للمتلقي بامتياز.

كما أرّخ في ديوانه لحادثة "النوّة" الشهيرة التي هزت قلب الإسكندرية حين راح على أثرها العشرات من سكانها غرقى فدوّن اليوم والشهر والسنة (25 أكتوبر 2015) دعماً لفكرة التأريخ تلك.

يجيد الشاعر هنا استخدام أسلوب "الدوبلاج" ويتحول في قصيدته إلى ظل للغريق فتتألق قدرته على المحاكاة حين يحاكي حالته ويعكسها، وحين يذهب الأصل يبقى صوت الظل للنهاية بالقصيدة معلقاً بالحلم.

أما في قصيدة "حُلمان" التي استخدم فيها الشاعر ضمير "المخاطب" الذي يساعد القاريء بنحو ما للولوج داخل القصيدة بسلاسة، وربطه بعلاقة ما مع الشاعر الذي جعل من الآخر بهذا الضمير – الذي من الوارد أن يكون أنت - شخصاً مختلفاً عنه شكلاً وموضوعاً من حيث (الثبوت ، التحليق)، ( السعي، التمني)، (البساطة، التعقيد).

أما في قصيدة "أصوات في جنازة نورس" تلك التي يرتفع رمز "النورس" فيها ويسمو ليتحول تحولاً سيميائياً إلى لقب مواز للقب "فارس" يمنحه المبدع لذلك الشاعر الحقيقي الذي فاز به الموت في مراهنة خاسرة مع الذات الشاعرة. يجيد الشاعر تفعيل "تعددية الأصوات/ البوليفونية" فنجد ثلاثة أصوات داخل القصيدة حيث كان ظهورها كفيلاً بإحياء روح الرشاقة والشغف وقتل الملل في النص، واستنطاق للخرس التعبيري الذي كانت ستفرضه القصيدة الأحادية هنا، كما عملت تعددية الأصوات على تدعيم الحالة الشعورية من جهات متعددة بتعدد الرؤى ووجهات النظر المطروحة من قبل تلك الأصوات.

كما أنه أجاد استخدام أسلوب "الحذف والاضمار، النقاط" في بداية القصيدة، وشخصن "الموت" في صورة مُراهن يجتذب الحظ لصفه فيكسب روح ذلك الصديق (محمود طه) ويتجلى ذلك في قوله: "يكسب الموت مني الرهان ويضحك من لا يعي". ثم يتدخل الصوت الثاني فيصف الصديق الراحل، ويتوجس الصوت الثالث خيفة من فقد جديد.

كما أن فكرة المراهنة في حد ذاتها كانت متسقة تماماً مع موضوع القصيدة حيث لا يراهن المرء سوى على الثمين الذي يعده مطمعاً وحافزاً للتلهف والحرص على الفوز.

وعموماً فإن نورس هذا الديوان لا يرى له منافسين حقيقيين سوى (الموت، البحر، وجميع القوى الخارجة عن إمكانات المجابهة البشرية) أما منافسيه من البشر فإنه لا يراهم (فلا يعادي)، لكنه (يواجه في الحق)، لأنه مخلوق (للغد والحب).

وفي قصيدة "أحبها" يتسع التأويل فيها عن شعور الحب وهل هو موجه (للأنثى، أم الوطن أم الأنثى الوطن؟). كل تلك التأويلات واردة ومطروحة.

ويوضح فكرة أن لا أحد يستطيع أن يغير طبائع الآخرين التى جُبلوا عليها، فالضفدع حتى إن وضع بحوض من الذهب سيفضل في النهاية العيش بالمستنقع الذي ولد فيه.

وإذا أردنا أن نتتبع دالة بعينها في ديوان "نورس لا يرى إلا الجميل" فحتما ستكون دالة (الطيران) حيث تكررت مدلولاتها اللفظية والاحالات عليها والمترادفات لها.

تميز الديوان بروعة ودقة التشكيل البصري للقصيدة الأمر الذي ضمن بامتياز محل الوقف والوصل اللازم، وذلك من شأنه أن يعكس الحالة الإنفعالية للمتلقي تماماً كما أراد أن ينقلها له الشاعر.

أيضاً كان هناك اهتمام لافت بعلامات الترقيم، والأقواس، وتشكيل المُلغز من الكلمات لتلافي سوءة تصدير معنى مغلوط ما لعقل القاريء.

ومن خلال تلك التطوافة السريعة على جماليات ديوان "نورس لا يرى إلا الجميل" نستطيع أن نحدد أهم التقنيات التى يجيد الشاعر جابر بسيوني تطويعها وتفعيلها بقصائدة في كونه: يستطيع أن يصدر الحالة الإنفعالية التى يرغب في نقلها للمتلقي باقتدار من خلال فضيلة الصدق الشعوري، كما أنه يجيد المحاكاة واستخدام الظل والاتحاد مع الذات أو توزيعها في شكل أصوات عدة.

وإجمالاً يحمل هذا الديوان الكثير من الأخلاق السامية، والنظرة الدائمة نحو غد أفضل، ويقوم بدور من أجَل أدوار الشعر في المجتمع ألا وهي خلق بصيص من الأمل في عتمة الواقع. إنه نمط الكتابات النبيلة التي نفتقدها في هذا الزمن.

 

الحشد الشعبي يطلق الرصاص على محتجين مسيحيين قرب الموصل

ايطاليا تدرس تسليم ليبيا انقاذ المهاجرين رغم الانتهاكات والمصاعب

التوترات تسود طوزخرماتو وسط مخاوف أممية

الأزمة السياسية لم تؤثر على الاقتصاد اللبناني

روسيا تقرر استئناف الرحلات الجوية المباشرة مع مصر

المرجعية الشيعية تطالب بدمج فصائل الحشد في القوات العراقية

لبنان يحسم موعد الانتخابات البرلمانية بعد أزمة عاصفة

76 بالمئة من اللاجئين السوريين بلبنان تحت خط الفقر

الإعدامات في العراق تروع الأمم المتحدة

كارثة مقتل تلاميذ في تصادم حافلة وقطار تصدم الفرنسيين

'بيت آمن' يقلل من معاناة المهاجرين في بني وليد الليبية

هل يحسم السيستاني موقفه من الحشد الشعبي بعد التحرير من الجهاديين

لبنان يواجه تحدي تثبيت سياسة النأي بالنفس وإنجاح الانتخابات

روسيا تعرض خدماتها لمساعدة أميركا في حل الأزمة الليبية

دعوات عربية لمحاسبة إيران عقب كشف تورطها في اليمن

تمسك أممي باتفاق الصخيرات لإنهاء الأزمة السياسية في ليبيا


 
>>