First Published: 2017-04-21

'على شواطيء الاثنين' ومستقبل الصالونات الأدبية

 

الصالونات لن تختفي ما دام بين البشر حوار، وربما تصبح الصالونات الأدبية أكثر ثراء، إذا تم الاستفادة من امكانات الحاسوب.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: السيد نجم

ظاهرتان ثقافيتان

يبدو التخوف من أية تقنية جديدة، سمة ثقافية متجددة، جبلت عليها الطبيعة البشرية، بينما التاريخ الثقافى يشي دوما بالتفاعل والديمومة وان بدت بعض المقاومة.

أشير الى مكانة ندوة من أهم ندوات النقد الادبي بالإسكندرية، ندوة "الاثنين" التي أشرف عليها منذ حوالي الخمسين سنة الكاتب المخلص أبدا "عبدالله هاشم". وربما بسر تلك الرؤية قرر الشاعر والناقد أحمد فضل شبلول أن يجعل ندوة الاثنين موضوعا لكتابه "على شواطىء الاثنين في القصة والرواية"، وقد صدر في عام 2005.

قبل الولوج الى مفردات الكتاب، نرى أهمية التوقف أمام ظاهرتين ثقافيتين بجب تأملهما بروية، وسط صخب الخياة الثقافية عامة:

• أولا: ظاهرة الندوات الأدبية

عرف العرب قبل الإسلام الصالونات الأدبية، سواء بإلقاء الأشعار أو محاورات النقد والتقييم أو غيرها، وأبقى الإسلام على تلك الظاهرة الاجتماعية، وان كانت تتم في وجود الشراب المتخمر في الجاهلية، أصبحت بغيرها، وتناولت أكثر أمور الفقه وقراءة ما تيسر من القرآن.

كما عرف عن خلفاء الدولة الأموية والعباسية، وجود فحول الشعراء، حتى إذا ما إنتهوا من مناقشة أمور الدولة، جاء دور الشعراء. فعرفوا المناظرات الشعرية، وعرفوا مهنة "النديم"، ذلك الرجل واسع الثقافة الأدبية الذي يقص عن الشعراء، وعن طرائف اللغويات، وعن تاريخ الأدب والسير والترجمات، في مقابل أجر مدفوع، أي أن النديم هذا "مهنة" يرتزق منها أحد المتخصصين في الأدب.

كما يذكر في كتب التاريخ واقعة أن فضل الخليفة "وليد بن عبدالملك" الشاعر "عدي بن رقاع" على "جرير"، في إحدى المناظرات الشعرية بينهما، وهو ما يبرز شكل الصالون الأدبي في تلك الفترة.

وعلى ما كان من أحداث سياسية وغير سياسية في العالم العربي والإسلامى، حيث تفتت الإمبراطورية الإسلامية بعد الغزو التتاري، فقد بقيت الصالونات أكثر حيوية في منطقة إسلامية أخرى، في "الأندلس". لعل أشهرها صالون "ولادة بنت المستكفي" التي كتبت الشعر بماء الذهب على ردائها، وجالست الشعراء، حتى تنافسوا على حبها، وتسببت في اتهام الشاعر "ابن زيدون" بتهمة ملفقة سجن فيها، فلما شعرت بحجم الآسى الذي سببته للشاعر، زارته في السجن آسفة، إلا أن الشاعر الفحل، أعلن عن تجربته الصوفية الجديدة التي ولدت بين جدران الزنزانة.

ولا يفوتنا الاشارة الى فكرة "الحكيم" إبان بدايات ورواج الحضارة الاسلامية، حيث شاعت فكرة "الحكيم" مع العلماء العرب وخصوصا "البيروني- الكندي – الادريسي - ابن سينا وغيرهم".. حيث اعتاد الناس الذهاب إليهم والسؤال عما يعن لهم من أسئلة عامة وأفكار.. بينما كانوا ممن يتعاطون علوم الطب ويقومون بتطبيب الناس.. بارتبط لقب الحكيم بالطبيب حتى سنوات قريبة!

• ثانيا: ظاهرة تبني الأفراد للندوات الأدبية والموهوبين

هكذا يطول الحديث عن تاريخ الصالونات الأدبية، حتى تجددت مع صحوة العرب في القرن الماضي، وربما قبله بقليل. عرفت الكثير من الصالونات الأدبية الشهيرة، والتي قامت على تنظيمها سيدات رائدات في تلك الفترة، من أمثال: مارى عجمي من دمشق، ماريا مراش من حلب، أنيسة درويش من فلسطين، عائشة التيمورية من مصر.. ثم كانت مي زيادة التي شاع اسم صالونها حتى الآن لإرتباطه بفحول الأدب في تلك الفترة.

كما عرفت الصالونات الأدبية لبعض الأدباء والمفكرين والإصلاحيين الاجتماعيين؛ من أمثال: الكواكبي، جمال الدين الأفغاني، محمد عبده، العقاد.. وغيرهم. إلا أن شكل الصالونات الأدبية إختلف بعد الحرب العالمية الثانية، وبدلا من إرتباطه بفكرة "الأستاذ" الذي يدير الصالون في منزله، وفكرة "موسوعية الثقافة" التي هي معيار تقييم المثقف في تلك الفترة.. أصبحت الصالونات الأدبية أكثر شيوعا في المقاهي والنوادي الإجتماعية. ولعلنا نعيش تلك الملامح حتى الآن.

ولا يفوتنا الاشارة الى ظاهرة ثقافة تفاعلت معها الثقافة العربية، الا وهي تبني النبلاء والأسر الإقطاعية والكنائس للمواهب الفنية والموسيقية والأدبية أيضا.. كما الحال في ايطاليا والكثير من الدول الاوروبية في أواخر العصور الوسطى والحديثة، حيث شاعت ظاهرة التبني الفني والأدبي (دافنشي ابن غير شرعى تبناه أحدهم، ثم فنان فقير تبناه لمساعدته، اثناء رسمه للوحة طلب من الصبي دافنشي ان يرسم ملاكا، فاذا به يترك اللوحة والفن للصبي الموهوب.. وحتى تأكدت دعائم فكرة مؤسسات الدول في تلك البلاد، وقامت الحكومات والجمعيات الأهلية بدورها.

• وقفة مع عبدالله هاشم

يعد الناقد السكندري عبدالله هاشم صورة عصرية من هؤلاء الحكماء او الاساتذة او الآباء الذين يتبنون المواهب، طوال التاريخ القديم. ولم تكن لندوة الاثنين قائمة لو لم يكن يرعاها ويقوم عليها ويتحمس لها بصبر وجد، لولا تلك الشخصية الواجب الاحتفاء بها، وتقديم كلمات الشكر لها ونحن في صدد مناقشة هذا الكتاب الذي يتناول بعضا من نشاط تلك الندوة/ المكان/ الصالون/ دار النشر/ والكثير من الصفات التي لم تتحقق لولا عبدالله هاشم.

• قراءة لمتن الكتاب

يقع الكتاب في 176 صفحة (متوسط الحجم) وصدر عن مطبوعات القصة (تصدر عن ندوة الاثنين) بالإسكندرية – إشراف "عبدالله هاشم" - الكتاب مُهدى الى الاديبة نجوى شعبان.

يسرد الكاتب "احمد فضل شبلول" في مقدمة قصيرة إشارات الى تاريخ ندوة الاثنين: بدأت نشاطها خلال أواخر الستينيات من القرن الماضي بقصر ثقافة الحرية بالاسكندرية- أصدرت الندوة "مجلة نادي القصة" التي طبعت بطريقة الماستر في 45 عددا. استمرت الندوة بعد إغلاق قصر ثقافة الحرية لترميمه، وانتقلت الى عدة أماكن منها مكتبة الشبان المسلمين بالشاطبي. مع إيقاف مجلة نادي القصة، اتجه الادباء الى الطباعة على نفقتهم الخاصة تحت شعار "مطبوعات القصة - تصدر عن ندوة الاثنين بالإسكندرية". وتأتي من بعد المقالات النقدية التي شارك بها الكاتب في نشاط الندوة:

.. عدد الدراسات النقدية (عشر دراسات).

: منها ست دراسات في القصة القصيرة.. ثلاث منها لمبدعات إناث، وثلاث منها لرجال ذكور.

: وأربع دراسات حول الرواية.. ثلاث منها لروائيين ذكور، ورواية واحدة لروائية.

حيث كانت الدراسات حسب الترتيب بالكتاب: قلادة بشرى أبوشرار "بشرى أبوشرار" - أبجدية الدم والواقعية العلمية "تهانى عمرو موسى" - إلا الليل.. إلا الموت "فؤاد الحلو" - تحولات امرأة من برج القمر "مجيدة شاهين"- محمد عطية وتشكيل الصورة القصصية "محمد عطية" - الأمير الذي يطارده الموت وأربع حكايات "منير عتيبة" - الدخول الى عالم الكابوس "الشربيني المهندس" – عزيزي العراقي طه راضى الماجد "رجب سعد السيد" - السمندل من مغرب العرب الى كوبري التاريخ "فؤاد الحلو" - فرات عبدالله والسقوط في دوائر الانتظار "فرات عبدالله".

لعلها أهم الاقلام المبدعة في الثغر، ولا ينقصها الا القليل من الاسماء، وهو ما يشي بجدية وأهمية دور تلك الندوة.

• نماذج من المحتوى

.. قصة "القلادة" لبشرى أبوشرار: تتناول القصة التعبير عن معاناة الفلسطينيين وبالتحديد عند أماكن التفتيش الإسرائيلية، حيث يطمع الجندي في القلادة المدلاة فوق صدر السيدة الفلسطينية، والحقيقة انتزعها منها حيث وجد خريطة فلسطين محفورة عليها، واضطرت السيدة ان تنزع عن نفسها القلادة بالخريطة ولم تنزعها من قلبها.

.. قصة "أم كلثوم المستنسخة" لتهاني عمرو موسى: وهي قصة من الخيال العلمي تستحق الإشادة حيث نجح الاطباء من استنساخ ام كلثوم، اعتزازا بفنها، الطريف ان ام كلثوم المستنسخة تمقت الاصلية ولا تحب الغناء وتمقت المجتمع كله.. هناك ملكات إنسانية لا يقدلار عليها الاطباء.

.. قصة "أريكة أمي" لفؤاد الحلو: تبدو قصة اجتماعية إنسانية، على قدر من شفافية الرومانسية على الرغم انها تتناول ذكريات أحدهم عن حنان أمه ومحبتها وسلوكها معه، كل ذلك من خلال تأمل الايكة التي اعتادت الجلوس عليها في أواخر سنوات عمرها.. الطريف أن الاريكة هي نفسها التي كانت جدته تجلس عليها.

.. هلاليات 1 لمجيدة شاهين: وهي تصور تحولات الشخصية المحورية في القصة، مع تلك التغييرات المعتادة في القمر.. حيث تنشط حينما يكبر من الهلال الى التمام، والعكس تنكمش عندما يتحول من التمام الى الهلال.. لذلك أطلقوا عليها لقب القمرية ومواليد برج القمر.. حيث الحب والعشق ينتعش مع اكتمال القمر، ومشاعر القهر مع تحوله إلى هلال.

.. قصة عناصر الصورة لمحمد عطية: بدت القصص رومانسية ومفعمة بخبرات في التشكيل، ورسم الاحوال والحالات النفسية، وفي تلك الصورة رسم القاص الشجرة والتي رسم عليها القلب الممزق بسهم كتب على طرفيه اسما الحبيبين. كما أضاف ما اطلق عليه "شبلول" الرسم بالكلمات ان لم يعبر عن رسم ما. وهي سمة تخص القصة وقصص أخرى كثيرة له.

.. قصة "الامير الذي يطارده الموت" لمنير عتيبة: الامير تطاردة نبؤة بالموت، بعد ان تعلمت الاميرة السحر حتى يتمكن الامير من الطيران ويلامس نافذتها، تلك الملامسة هي شرط الاب الوحيد لان يزوجها من يلامس نافذة حجرتها بقفزة واحدة. هكذا كان البناء في القصة ذات الأجواء المصرية القديمة وكل قصص المجموعة.

.. رواية "الدخول الى عالم الكابوس" للشربيني المهندس: تسعى الرواية لالتماس اسباب نكسة 67 من خلال مجموعة من الشخصيات والاحداث بحي السيوف بالاسكندرية.. وذلك من خلال إبراز مظاهر الفساد الاقتصادية والسياسية معا.. حيث شخصية الضابط الذي استولى على أملاك عامر باشا، وشخصيات ثورية حطمت ما حطمته وهكذا بلا رادع، وهو ما أعطى الرواية مسحة سياسية.

.. رواية "عزيزي العراقى طه.." لرجب سعد السيد: تقوم على تقنية الخطابات المتبادلة بين السارد والعراق الذي يدرس الدكتوراه بمصر والدولة المصرية التي أحبها. من خلال تلك الشخصيات يعيش القارىء أحداث المنطقة وخاصة العراق، ومنها اختفاء والد طه العراقي بمصر اثناء معارك 1956، والرواية متشابكة لإبراز البعد السياسي خلال تلك الفترة.

.. رواية "السمندل" لفؤاد الحلو: تعتمد على خطين في زمنين، الاول خلال فترة سقوط دولة الاندلس، والثاني الفترة الحالية. والسمندل حيوان خرافي يقوم من النيران، وهو رمز المرأة التي تشعل النار في إحدى القلاع القديمة، لتبدأ رحلة خرافيه لعلاج الامير، الامير زيدان الذي احبته.. فمقابل تلك الشخصية كانت "سمية الدكر" حاليا ولها خطها الموازي.. لتنتهى الرواية برؤية سياسية مفادها عدم التعامل مع الشعب والناس، يفقد الأمير مكانته.

.. رواية "السقوط في دوائر الانتظار" لفرات عبدالله: رواية واقعية اجتماعية، حيث تبرز تفكك العلاقات العائلية والأسرية، وقد قال الناقد "شبلول" بأن الرواية تأثرت كثيرا بثلاثية نجيب محفوظ، حتى النماذج الشخصية المنتقاة.

• ملاحظات عامة حول الدراسات:

.. يكاد يماثل عدد الأديبات عدد الأدباء حيث أربع أديبات وخمسة أدباء (لفؤاد الخلو دراسة في القصة وأخرى في الرواية)، وهي ظاهرة ثقافية أظن أنها لا توجد في أي اقليم ثقافي بمصر، ولا حتى بالقاهرة، وهو ما يجب الالتفات اليه وتعضيده.. حيث إن الكتاب طبع عام 2005 ويلاحظ المتابع أن عددا من الاديبات اختفى، ونرجو توافر العدد المناسب من الاديبات الشابات الان 2016.

.. يبدو أنه في العقد الماضى الأول من القرن الواحد والعشرين، لم تتغلب الرواية على مجموعات القصص القصيرة، وان بدت ملاحظة غير علمية الا أنها محتملة! (نفتقد الى الاحصاء).

.. واضح أن الكتاب يضم الدراسات النقدية التي شارك بها الكاتب في نشاطات ندوة الاثنين.. لذا جاء العنوان مناسبا "على شواطىء الاثنين في القصة والرواية". ومع ذلك يبقى السؤال حول بقية الندوات التي نهضت بها الندوة.. ان ما تم في تلك الندوة يعد وثيقة أدبية للأدب عموما ولادباء الاسكندرية خصوصا.

.. عبرت القصص والرويات عن أغلب عناصر المشهد الابداعى للقصة والرواية بمصر خلال تلك الفترة (على الاقل العشر سنوات قبل 2005)، حيث كانت الموضوعات الاجتماعية – السياسية - الخيال العلمى – التاريخية - النفسية، وبدرجات متفاوتة تتناسب والقدرات الابداعية المختلفة للمبدعين.

• مستقبل الصالونات الادبية

أما وقد شاع جهاز الكمبيوتر المنزلي منذ الثمانينيات من القرن الماضي، فرض الجهاز الجديد وجوده وقيمته من خلال الاستفادة منه في مجالات الحياة المختلفة. خصوصا بعد أن أتاحت شركة ميكروسوفت ما يسمى بالشبكة العالمية للمعلومات (الانترنت)، زادت قيمة هذه التقنية وعظمت كثيرا، وتجدد السؤال حول تأثير هذه التقنية الجديدة، بمعطياتها مثل التحادث "الشات"، والصفحات الحرة، فكان السؤال: "ما مستقبل الصالونات الأدبية مع ظل تعاظم الدور الفاعل للانترنت؟"

صحيح يحمل الجهاز ميزات كبرى، مثل الكم الهائل من المعلومات.. قدر حرية التعبير المتاحة كبير.. التواصل والتعارف بين الأفراد فوق أرجاء الكرة الأرضية.. تقديم خدمات ثقافية وغير ثقافية. في مقابل العديد من المثالب التي يجب الإشارة إليها: العزلة الاجتماعية، وربما يصاب المرء بمرض الاكتئاب أو الادمان.. السرقات من البحوث العلمية والأدبية.. فوضى المعلومات التي قد تضل إن لم تفد ويتم تناولها بمنهجية صحيحة.. كما أن سهولة النشر في ذاتها عيب قد يشجع البعض على نشر ما يراه دون استحقاق.. بل وهناك التخوف من العمليات الإرهابية.

ويتجدد السؤال: هل ستختفي الصالونات الأدبية مع حجم وعظم دور الشبكة العنكبوتية؟

لن تختفي الصالونات ما دام بين البشر من حوار، وربما تصبح الصالونات الأدبية أكثر ثراء، إذا تم الاستفادة من امكانات الحاسوب.. بالاستعداد للصالون والإطلاع على كم المعلومات حول موضوع المناقشة، ثم هناك إمكانية بالاستعانة بمفكر ما أو عالم ما، من خلال الجهاز وتقنية "الشات". وهكذا فلم يحدث من قبل أن طغت تقنية على ما سبقتها غالبا.

Ab_negm2014@yahoo.com

 

السيد نجم

Ab_negm@yahoo.com

 
السيد نجم
 
أرشيف الكاتب
'على شواطيء الاثنين' ومستقبل الصالونات الأدبية
2017-04-21
الأطفال .. وتنمية الإنتماء للوطن
2016-11-25
المزيد

 
>>