First Published: 2017-05-17

لا شيء يحدث بالصدفة منذ تسليم الجولان

 

مصير لبنان على كف عفريت، وسوريا التي عرفناها صارت جزءا من التاريخ. امّا العراق، فحدّث ولا حرج.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: خيرالله خيرالله

اكّد رئيس النظام السوري بشّار الأسد في حديث الى محطة تلفزيونية بيلوروسية، وما ادراك ما بيلوروسيا، انّه ينوي "تحرير كل سوريا" وانّه لم تبق سوى نسبة عشرين في المئة من الأراضي السورية في يد "الإرهابيين".

الواضح ان الأسد الابن يعني كلّ كلمة يقولها، وهو يعتمد في كلامه على الواقع المتمثل في ان ما يجري على الأرض هو تحرير لسوريا من السوريين. هذا ما باشره منذ اليوم الاوّل لخلافته والده، بل قبل ذلك عندما اصبح الحاكم الفعلي لسوريا في العام 1998 عندما بدأ المرض ينهش جسم الأسد الاب.

كلّ ما في الامر ان الابن يتابع مهمّة تكفّل بها حافظ الأسد الذي كان وزيرا للدفاع في سوريا عندما احتلّت إسرائيل الجولان من دون مقاومة تذكر في حرب حزيران ـ يونيو 1967.

على هامش كلام بشّار الأسد عن "تحرير سوريا" لا بدّ من ملاحظة تلك العلاقة العجيبة الغريبة بين رجال النظام السوري المعروفين ودولة مثل بيلاروسيا لا تشبه سوى روسيا الستالينية. استطاع بشّار الأسد حصر علاقات سوريا التي كان يمكن ان تكون من اكثر الدول تقدّما في المنطقة في ضوء ما تملكه من ثروات بدول مثل بيلاروسيا ورومانيا... او روسيا وايران. لا يعود هناك ما هو مستغرب عندما تتحكّم عائلة ببلد وعندما يرفض رئيس النظام الاعتراف بما يدور حقيقة في سوريا وفي مناطق قريبة من سوريا.

هناك واقع مؤلم في سوريا والعراق في آن. هناك عملية تدمير ممنهجة لمدن كبيرة وهناك عملية تبادل للسكّان استنادا للدين والطائفة. قبل ان يتحدّث بشّار الأسد عن "تحرير سوريا"، ليشرح ماذا يعني نقل سكان مقيمين في احياء معيّنة من دمشق الى ادلب وغير ادلب. وماذا يعني الاتيان بمن يحلّ مكان هؤلاء في سياق عملية واضحة كلّ الوضوح تصبّ في تحقيق هدف محدّد. هذا الهدف هو تطويق دمشق وتغيير طبيعة المدينة وتركيبتها لمصلحة ايران الطامحة الى ان تكون لديها منطقة نفوذ في سوريا على غرار مناطق النفوذ الروسية والتركية والإسرائيلية والكردية.

ما هو مؤلم اكثر من ذلك انّ عملية تطويق دمشق بعد تدمير أجزاء من حلب وحمص وحماة، بصفة كونها مدنا سنّية كبيرة، لن يستطيع النظام اخضاعها يوما، تتمّ بموازاة تهجير سكّان الموصل العراقية. هناك آلاف من أبناء هذه المدينة صاروا خارجها وليس من يسأل عن مصيرهم. هناك كلام جميل لرئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي عن مساواة بين المواطنين العراقيين وعن دور للجيش العراقي. الحقيقة ان لا يمكن ان تكون هناك مساواة بين مواطن وآخر ما دام هناك ميليشيات تابعة لأحزاب مذهبية عراقية، تابعة بدورها لإيران، تنفّذ عمليات تطهير ذات طابع مذهبي في مناطق معيّنة. هذه الميليشيات التي تعمل تحت عنوان "الحشد الشعبي" باتت تمثّل الدولة العراقية الجديدة التي وصل حكّامها الى السلطة على دبّابة أميركية قبل ان يتنكّروا للولايات المتحدة ويصفونها بأبشع الاوصاف. اكثر من ذلك، هذه الميليشيات تتحكّم حاليا بالقرار العراقي ويتباهى احد قادتها بقيام "البدر الشيعي".

هناك اذا تحرير لسوريا من السوريين وهناك تحرير للعراق من قسم من أبناء شعبه، فيما يعمل الاكراد على الدفاع عن ما يعتبرونه مصالحهم المشروعة. هذا كلّ ما في الامر. لذلك، لا يمكن لوم دولة تحترم نفسها مثل المملكة الأردنية الهاشمية قرّرت اتخاذ كلّ الاحتياطات اللازمة من اجل حماية حدودها والمناطق المحاذية لسوريا والعراق. كان الملك عبدالله الثاني على حقّ عندما أشار حديثا الى ان "الحرس الثوري" الايراني موجود في مناطق غير بعيدة عن الحدود الأردنية. ليس سرّا ان ايران مستعدّة لكلّ شيء من اجل تهديد الأردن، لا لشيء سوى لانّه وقف دائما حجر عثرة في وجه مطامعها ومطامع ميليشياتها اللبنانية والعراقية ورفض ان تكون أراضيه هدفا سهلا لهذه الميليشيات التي ارادت استخدام الأردن في لعبة تمرير الاسلحة لـ"حماس" وغير "حماس" في مراحل معيّنة.

لا يمنع الابتعاد عن نظرية المؤامرة التي لا يؤمن بها سوى السذّج، الاعتراف بانّ معالم ما بدأته إسرائيل قبل خمسين عاما، عندما احتلّت الجولان في العام 1967، صارت واضحة الآن. تريد إسرائيل، مثلها مثل بشّار، تحرير سوريا من السوريين والقضاء على كلّ مدينة عربية في سوريا والعراق. كان الحلم الدائم لإسرائيل تفتيت سوريا ومنع قيام جيش عراقي فعّال. عندما خرج الجيش العراقي من الحرب مع ايران بشبه انتصار، في العام 1988، ظهرت مخاوف إسرائيلية من امكان استخدام هذا الجيش ضدّها في يوم من الايّام. لكنّ صدّام حسين اراحها الى ابعد حدود عندما ارسل جيشه الى الكويت في مغامرة مجنونة ما زالت المنطقة كلّها تدفع ثمنها الى اليوم.

بعد خمسين عاما على هزيمة 1967، بدأت الصورة تكتمل على الصعيد الإقليمي. هناك رئيس لنظام في سوريا قتل نصف مليون من أبناء شعبه وهجّر نحو عشرة ملايين منهم ولا يزال يعتقد انّ في استطاعته حكم البلد. ما يقوله بشّار الأسد هذه الايّام جزء من السيناريو المرسوم للمنطقة والذي كانت بين فصوله عملية توريط الفلسطينيين في حرب على لبنان واللبنانيين ومؤسسات الدولة وقيام ميليشيات مسيحية تبرّر للفلسطينيين ارتكاب مزيد من المجازر بحق اللبنانيين وبحق بيروت بالذات. لم يكن النظام السوري بعيدا عن كلّ ما جرى في لبنان، بما في ذلك تسليح ميليشيات الأحزاب المسيحية في 1975 و1976 خصوصا. كان المحرّك الاوّل للاحداث اللبنانية من تهجير اهل الدامور المسيحيين الى تدمير مخيّم تلّ الزعتر الفلسطيني. ليس صدفة انّه لعب دائما كلّ الأدوار المطلوبة منه في مراحل معيّنة، بما في ذلك الوقوف الى جانب ايران في حربها مع العراق، والطلب من معمّر القذافي تزويدها صواريخ تقصف بها المدن العراقية، وصولا الى إدخاله "الحرس الثوري" الايراني الى لبنان من اجل المتاجرة بالبلد وإبقاء جنوبه جرحا ينزف إرضاء لإسرائيل.

كلّما مرّ يوم توضّحت الصورة اكثر. لم يحدث شيء بالصدفة منذ تسليم الجولان ولم تستمرّ حال اللاحرب واللاسلم بين سوريا وإسرائيل وحصر التعامل بينهما عبر جنوب لبنان طوال نصف قرن من اجل لا شيء. كان هناك شيء مطلوب تحقيقه. هذا الشيء يتحقّق الآن. مصير لبنان على كف عفريت، فيما سوريا التي عرفناها صارت جزءا من التاريخ. امّا العراق، فحدّث ولا حرج. من يستطيع الرهان على انّه يمكن ان تقوم له قيامة يوما؟

 

خيرالله خيرالله

 
خيرالله خيرالله
 
أرشيف الكاتب
وراء عودة نغمة التوطين في لبنان
2017-09-25
ترامب وايران... وخدعة الملفّ النووي
2017-09-24
حماس ادّت المهمّة...
2017-09-22
حماية لبنان
2017-09-20
بداية جديدة للحرب السورية... والجولان المنسي
2017-09-18
الاكراد والمخاضان العراقي والاقليمي
2017-09-17
الحوثيون وإعادة كتابة تاريخ اليمن
2017-09-15
وضوح ليس بعده وضوح في لبنان
2017-09-13
كوريا الشمالية... امتحان فاصل لترامب
2017-09-11
هل تقاوم صنعاء... كما تفعل بيروت
2017-09-10
المزيد

 
>>