First Published: 2017-05-18

قمّة تمهّد لثلاث قمم...

 

زيارة وليّ عهد أبوظبي لواشنطن أظهرت ان هناك بين الخليجيين على وجه الخصوص وبين العرب عموما، من يدرك معنى التغيير الحاصل في واشنطن وأبعاده الاستراتيجية.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: خيرالله خيرالله

ثلاث قمم وليس قمّة واحدة في الرياض. قمة أميركية ـ سعودية وقمّة أميركية ـ خليجية، أي بين الرئيس دونالد ترامب وقادة دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، وقمّة أميركية ـ إسلامية تشارك فيها دول عربية وأخرى إسلامية، ليست ايران بينها.

ليس سرّا ان الاعداد الاميركي للقمم الثلاث اتسّم بالجدّية. الدليل على ذلك حرص الرئيس الاميركي على ان يستقبل في البيت الابيض الشيخ محمّد بن زايد ولي عهد أبوظبي الذي يمتلك نظرة شاملة للمنطقة ومشاكلها والأخطار المحدقة بها. في مقدّم الاخطار المشروع التوسّعي الايراني وميليشياته المذهبية والحركات السنّية المتطرّفة مثل "داعش" واخواته، وهي حركات تربّت في أحضان تنظيم الاخوان المسلمين. يبدو ان هذا التنظيم سيكون موضع اهتمام أميركي في عهد ترامب، علما انّ ليس بالإمكان الكلام بدقّة في هذه الايّام بالذات عن المدى الذي ستذهب اليه الإدارة الاميركية في التصدي للإخوان ومن يدور في فلكهم.

كشف اللقاء بين ترامب ومحمّد بن زايد، الذي كان من ثماره توقيع اتفاق جديد للتعاون الدفاعي، تطورا أساسيا في نظرة الولايات المتحدة الى العالم والى منطقة الخليج تحديدا، خصوصا ان هذا الاتفاق الجديد يوضّح "حجم" الانتشار العسكري الاميركي في الامارات وشروطه.

يبدو انّ هناك جدّية أميركية في النظر الى التحديات الجديدة ـ القديمة المتمثّلة في المخططات الايرانية التي تستهدف كلّ دولة من دول المنطقة. ايران موجودة في العراق وسوريا ولبنان واليمن وهي تعمل على ضرب الاستقرار في البحرين. اكتُشفت خلايا تابعة لها في الكويت ولم يعد سرّا انّها تعمل على تطويق المملكة العربية السعودية التي ادركت في الوقت المناسب معنى الوجد الايراني في اليمن عبر الحوثيين (انصار الله) وابعاد هذا الوجود.

اذا كانت هناك من زاوية لا بد من التركيز عليها في ضوء النشاط المستجدّ لمسؤولي الإدارة الاميركية الحالية، فهذه الزاوية تتمثّل في استيعاب اركان الإدارة لواقع معيّن. يشير هذا الواقع الى ان الإرهاب الذي تمارسه "داعش" لا يختلف في شيء عن ذلك الذي تمارسه الميليشيات المذهبية التابعة لإيران والأنظمة التي لا تزال قائمة بسبب الدعم الايراني لها. في طليعة هذه الانظمة يأتي النظام السوري الذي لم يعد يخفي انّ وجوده مرتبط بالدعم الايراني من جهة والحلف غير المعلن بينه وبين "داعش" من جهة أخرى. ليست سوريا وحدها المكان الذي يستعين بها النظام القائم بـ"داعش" لتبرير وجوده، علما انهّ صار في مزبلة التاريخ. هناك العراق أيضا حيث ينفّذ "الحشد الشعبي" عمليات تطهير ذات طابع مذهبي في كلّ المناطق السنّية بحجة انّه يتصدّى لـ"داعش"!

كان لا بدّ من الاستجابة للتطور النوعي في الموقف الاميركي، وهو تطوّر ليس مرتبطا بوجود دونالد ترامب في البيت الأبيض فحسب، بل بوجود عقول عسكرية تمتلك في الوقت ذاته ثقافة سياسية واسعة ومعرفة عميقة بالشرق الاوسط أيضا. هذه العقول العسكرية، المحيطة بالرئيس الاميركي، تعرف تماما ما هي روسيا وكيف يمكن التعاطي معها والاستفادة من نفوذها في حال كانت هناك فائدة من ذلك وفي حال عرف فلاديمير بوتين ان الرهان على سذاجة باراك أوباما والمحيطين به صارت جزءا من الماضي. هذه العقول تعرف أيضا ما هي ايران ولماذا يستحيل الرهان على تغيير فيها في حال لم يطرأ تغيير جذري على تركيبة النظام الخميني القائم منذ العام 1979.

من الواضح، ان زيارة وليّ عهد أبوظبي لواشنطن أظهرت ان هناك بين الخليجيين على وجه الخصوص وبين العرب عموما، من يدرك معنى التغيير الحاصل في واشنطن وأبعاده الاستراتيجية. الاهمّ من ذلك كلّه ان هناك إدراكا لحقيقة ان العلاقة بين أيّ طرفين، أكانت هذه العلاقة سياسية او عسكرية او اقتصادية، لا بدّ ان تكون علاقة اخذ وعطاء في الوقت ذاته. هناك إدارة أميركية لديها حساباتها الاستراتيجية. لا بدّ من اخذ هذه الحسابات في الاعتبار في حال المطلوب إقامة علاقة متوازنة بين جانبين لكلّ منهما مصالحه وأهدافه في منطقة حبلى بالأحداث والتطورات وبكلّ أنواع الازمات. اثبت محمّد بن زايد انّه يستطيع التعاطي مع المتغيّرات العالمية من دون أي نوع من العقد. كلّ ما هنالك ان المهمّ المحافظة على الامارات وحمايتها في ظلّ ظروف اقلّ ما يمكن ان توصف به انّها دقيقة ومعقّدة.

كانت القمّة الاميركية ـ الاماراتية مقدّمة جيدة للقمم الثلاث التي ستعقد في الرياض بعد ايّام قليلة. دلّت على ان ما سيكون موضع بحث في العاصمة السعودية ليس مجرّد أفكار عامة يغلّفها كلام جميل عن الإسلام والتعايش بين الاديان السماوية وأهمية احترام كلّ دين للدين الآخر، ثمّ يعود كلّ طرف الى بيته للانصراف الى عاداته القديمة. هناك ما هو ابعد من ذلك بكثير. هناك أفكار عملية ستكون لها ترجمة على الأرض، بما في ذلك كيفية التصدّي للإرهاب بكلّ اشكاله من دون تمييز بين إرهاب وآخر، كما كان يفعل باراك أوباما. أراد أوباما اختزال كلّ مشاكل المنطقة وأزماتها بالملفّ النووي الايراني الذي لم يعد يوجد الآن من يريد اخذه على محمل الجدّ.

في النهاية التي هي أيضا بداية، يدخل دونالد ترامب المنطقة من حيث يجب ان يدخل، أي من البوابة الخليجية، من البوّابة السعودية تحديدا. ففي عهد الملك سلمان بن عبدالعزيز، هناك مملكة عربية سعودية جديدة تمتلك مثلها مثل الإدارة الاميركية الحالية حسابات خاصة بها. هذه المملكة الجديدة التي تؤمن بثقافة الحياة والتي يعبّر عن تطلعاتها الأمير محمّد بن سلمان وليّ وليّ العهد. لم تعد السعودية مستعدة لتقديم هدايا مجّانية لاحد، خصوصا في ضوء حاجتها الى توظيف ثروات المملكة في خدمة مشروع طويل الأمد قائم على إعادة بناء الانسان السعودي. هذا المشروع الذي عمره سنة هو "رؤية 2030".

عندما توجّه شارل ديغول الى المشرق في اربعينات القرن الماضي، ولم يكن بعد رئيسا للجمهورية الفرنسية، قال ما معناه انّه ذاهب الى ذلك المشرق المعقّد بـ"افكار بسيطة". لا يحتاج دونالد ترامب والفريق المحيط به هذه الايّام سوى الى أفكار بسيطة أيضا. بين هذه الأفكار الاقتناع بان الجانب العربي عموما والجانب الخليجي تحديدا، لا يبحثان عن أي مشاكل مع أي طرف كان وانّهما يدركان طبيعة المشاكل التي تعاني منها دولهما، بما في ذلك مشكلة التعليم والبرامج التعليمية التي تنتج اجيالا من المتطرّفين. ليس ما يمنع ان تساعد الولايات المتحدة في تطوير البرامج التعليمية من اجل نشر ثقافة التسامح من دون ان يعني ذلك غياب أي مسؤوليات أميركية.

تبقى المسؤولية الاميركية الاولى بالطبع، الاعتراف بانّ الإرهاب ليس سنّيا فقط. مثلما هناك "داعش" هناك الميليشيات المذهبية الايرانية، في مقدّمها "الحشد الشعبي" الذي يضمّ مجموعة متميّزة من هذه الميليشيات العراقية. من هذه الفكرة البسيطة يمكن ان ينطلق ترامب في القمم الثلاث التي ستنعقد في الرياض. انطلاقا من هذه الفكرة البسيطة ايضا، يستطيع الرئيس الاميركي الذهاب بعيدا، بل بعيدا جدّا في تغيير المنطقة وخوض حرب ناجحة على الإرهاب بمشاركة روسيا... او من دون مشاركتها في حال رفضت معرفة حجمها الحقيقي في عالم الثورة التكنولوجية.

 

خيرالله خيرالله

 
خيرالله خيرالله
 
أرشيف الكاتب
وراء عودة نغمة التوطين في لبنان
2017-09-25
ترامب وايران... وخدعة الملفّ النووي
2017-09-24
حماس ادّت المهمّة...
2017-09-22
حماية لبنان
2017-09-20
بداية جديدة للحرب السورية... والجولان المنسي
2017-09-18
الاكراد والمخاضان العراقي والاقليمي
2017-09-17
الحوثيون وإعادة كتابة تاريخ اليمن
2017-09-15
وضوح ليس بعده وضوح في لبنان
2017-09-13
كوريا الشمالية... امتحان فاصل لترامب
2017-09-11
هل تقاوم صنعاء... كما تفعل بيروت
2017-09-10
المزيد

 
>>