First Published: 2017-05-18

أزمة ما بعد الحداثة العربية: زيدان وصلاح الدين

 

هجوم زيدان ليس على صلاح الدين في شخصه، إنما هو على مشروع الدولة والثقافة الإسلامية الشائع والمستقر عليه في الذهنية العربية.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: د. حاتم الجوهري

يعود يوسف زيدان بموجة جديدة تضرب المشهد العربي الساكن؛ هذه المرة استباح صلاح الدين الأيوبي واصفا إياه بصفات صادمة للعقلية العربية وذهنيتها المستقرة. وكما فعلت في مقالتي السابقة في الرد على زيدان موضوع الأقصى بعنوان: "تفكيك الأبنية المعرفية لمقاربة يوسف زيدان والأقصى"، سأفعل اليوم. في المرة السابقة فندت ادعاءات يوسف زيدان ومرجعيتها العلمية تفصيلا وإجمالا، وهذه المرة سوف أقف على بنيته المعرفية أيضا.

الأزمة ليست في بعض المواقف والأحداث التاريخية التي قد تكون قد وقعت بالفعل في عهد صلاح الدين؛ وليست الأزمة أيضا في التصور الإجمالي المستقر عليه في عقلية الشعوب العربية لصلاح الدين كبطل يشار له بالبنان، لكن الأزمة في الخطاب الذي يستخدمه زيدان في تناول ومقاربة الموضوع. زيدان يستخدم منطق كشف المسكوت عنه والتاريخ الهامش في مقابل التاريخ المتن، أما جزيرته الكبرى التي يقف عليها فهي تفكيك السرديات العربية الكبرى بكل موروثها الديني والقومي!

زيدان يحاول الحديث باسم ما قد نطلق عليه "ما بعد الحداثة العربية" التي تحاكي وتعارض (بالمفهوم الشعري للتقليد والاتباع) مرحلة ما بعد الحداثة الأوروبية، حين دخلت أوروبا في أزمة مع مشروعها الكبير للنهضة في العصر الحديث، واضطرت لإنتاج مجموعة من المفاهيم الحضارية المضادة له، حيث يحاول زيدان السير في الطريق نفسه وتفكيك أبنية مشروع النهضة العربية في مركزها الأقدم وليس في المحاولات الحديثة لمحمد علي ودولة ناصر، فهو ربما يرى في مشروع محمد علي وناصر امتدادا لفكر الذات العربية وسردياتها الكبرى في العصور الوسطى، والعصور المبكرة للصحوة العربية الإسلامية!

من هنا لم يلجأ زيدان لمنطق ولغة خطاب النقد الناعم البسيط، إنما اعتمد على منطق صدم المتلقي العربي للرهان على كسر مفاهيمه المقدسة والثابتة عن تاريخه الأنصع في الانتصار ورد هجمات الغرب الصليبي عليه. هجوم زيدان ليس على صلاح الدين في شخصه، إنما هو على مشروع الدولة والثقافة الإسلامية الشائع والمستقر عليه في الذهنية العربية.

الأزمة أن زيدان يحاول القفز على المراحل في التجربة العربية، ويعتقد في قدرة النموذج الحضاري الأوروبي بسياقه التاريخي الخاص، على حل الأزمة الخاصة بالسياق العربي الخاص، حين تآكل مشروع المدنية العربية الذي ذاع في العصور الوسطى، لأسباب قد تتعلق باحتكار السلطة وفرض النمطية وتوظيف الخطاب الديني للتأسيس للسلطان السياسي، وذلك في أهم المراكز الحضارية للشرق المسلم في الأندلس (التي ذابت وعادت لحاضنتها التاريخية الأوروبية) ومصر وبلاد ما بين النهرين.

ويعتقد في قدرة أفكار هدم السرديات الكبرى والأفكار المركزية الجامعة كأطر تصلح للشرق العربي، كعادة شريحة ليست صغيرة أبدا من المثقفين العرب الذين أخذوا العلم عن طليعة المثقفين العرب في القرن الماضي (العشرين)، الذين انبهروا بدورهم بنظريات الحداثة الأوروبية حول الماركسية والليبرالية وقدرة العقل البشري على تغيير مسار الوجود الإنساني إجمالا. يوسف زيدان ليس إلا التمثل الحقيقي والأكثر وضوحا لعجز الوجود العربي عن تقديم نظرية خاصة به، يوسف زيدان يكشف بخطابه الصادم عن خطابات أخرى تقول بالمنهج نفسه دون أن ترفع الصوت، وبعضها يعيش في حالة من التيه تتضارب داخله وتتنازعه مكونات الهوية المتشاحنة.

ما بعد الحداثة العربية، كانت تنتمي قديما لواحد من تمثلات الحداثة ربما الفكرية أو الأيدولوجية يمينا او يسارا، لكن التجربة العربية أعجزتهم عن تطبيق تلك النماذج عليها، فأرادوا القفز بالتجربة العربية لمرحلة ما بعد الحداثة الأوروبية، ناسين أن دوافع دولة محمد علي ودولة ناصر لم تكن ضد سلطة دينية مثل العصور الوسطى في أوروبا، وإنما كانت بدوافع هي في الغالب رد فعل مضاد لتمدد الحداثة الأوروبية الاستعمارية ورفضا للاحتلال الأوروبي.

إن لحظة صدام العقلية العربية مع توظيف الخطاب السياسي للدين، لم تأت سوى مرة واحدة في العصر الحديث مؤخرا بعد 25 يناير 2011، حين أداروا لها جميعا ظهورهم بل وسقطوا في فخ تناقضاتها، وتم توظيفهم من قبل النماذج السياسية العربية السائدة لؤدها، وذلك عندما انتفضت الشعوب العربية ضد المعادلة السياسية الحالية التي تجمع سلطة سياسية يدعمها من خلف الستار تناقض وجود معارضة دينية تتبادل المواقع ما بين السلطة والمعارضة (خاصة في مصر وتركيا)، والطامة الكبرى كانت حينما تطلبت المعادلة التوظيف المباشر لخطاب الدين السياسي في التجربة العربية، حينما اعتلى الإخوان سدة الحكم في مصر بعد حكم المجلس العسكري الأول، وحينما انكشفت للمرة الأولى سوءة خطاب الدين السياسي في التجربة العربية، ليشارك قطاع لا بأس به من مثقفي ما بعد الحداثة ومثقفي الأيدولوجيات المبتورة، في إعادة إنتاج مظلمة الإخوان مرة أخرى، بإعادة إنتاج المعادلة قديمة بين سلطة سياسية عسكرية محتكرة ومعارضة دينية تدعي الدفاع عن دين الله!

المعضلة أن المفكرين مثل يوسف زيدان هم مفكرون متعالون، لم ينزلوا لأرض الواقع ليختبروا ويقفوا على حقيقة دوافع الإنسان العربي وأزمته الحضارية الراهنة، ليستقيم يقينهم بان المواطن البسيط لن يرضى أبدا بنموذج معرفي مستلب لا يعبر عن ظرفيته الخاصة، وهو الذي سبق طليعته وطالب بالتغيير والأمل في الغد.

تلك هي معضلة يوسف زيدان ودعاة ما بعد الحداثة العرب على المستوي الأدبي والفكري والسياسي، على المستوي الأدبي نرى تجليات ما بعد الحداثة العربية في التمثلات النمطية للشكل السائد لقصيدة النثر المصرية وشعارات عصر الرواية وسيادة السرد والحكي، وعلى المستوى الفكري يبرز ذلك في سيادة مفكرين التفكير بالقطعة ومتابعة اليومي والبعد عن تناول مشاكل الوطن الكبرى والوجودية، ومفكرين القفز على الواقع العربي والانسلاخ عن الذات العربية، وعلى المستوى السياسي يبرز في ذلك دعاة الوجود الفردي والمصلحة الشخصية التي ترى السياسية مجرد وسيلة للصعود الذاتي، ويتحدثون عن أشكال سياسية تفكك الوجود الجماعي وتتعامل معه بالقطعة فتهرب من مواجهة غياب نموذج حضاري عربي وتشغل كل فرد بقضية تخصه في: النسويات-حقوق الطفل- حقوق الإنسان- الخ.

يوسف زيدان يفكك مشروع الوجود العربي وسردياته الكبرى القديمة لصالح اللاشيء، لصالح الآخر المركزي الأوروبي، مخطأ من يعتقد أن خطاب ما بعد الحداثة له السيادة في الغرب على المستوي السياسي،لا يسود في أميركا مركز النموذج الغربي الآن! وفي ساعة الجد تقف أوروبا خلف النموذج الأوروبي رغم رطانة ثقافة التعدد، كما حدث في ملف العراق من جانب فرنسا وبريطانيا وغيرهما. وهم ما بعد الحداثة وتعدد مراكز الظاهرة الإنسانية، هو خطاب فرعي في النموذج الأميركي والأوروبي وليس هو الخطاب المتن. خطاب المتن الغربي يقوم على المركزية الأوروبية الاستعمارية التي وقفت لمحمد علي وناصر (وربما حرمت الشعوب العربية من التطور والتجاوز الطبيعي للتجربتين بتدخلها الفج والقائم على العداء والتهميش). في واقع الأمر إن ما بعد الحداثة العربية والاتكاء على خطاب ما بعد المركزية الأوروبية وما بعد الكولونيالية، هو خطاب فرعي وهامشي في التجربة الأوروبية، وعلى يوسف زيدان أن يراجع تصوراته وأفكاره للمستقبل العربي.

الصهيونية هي أثر جانبي لمشروع الحداثة الأوروبية، حينما وضع يسار روسيا أحلام يهود أوروبا القديمة موضع التنفيذ (من خلال بيير بيرخوف المفكر الروسي اليهودي)، وقدم أيديولوجية (الصهيونية الماركسية) وتنظيمات شيوعية حديدية لاحتلال فلسطين، والتحول في الوقت ذاته لرأس حربة تقدمية مزعومة تنشر مشروع الحداثة الأوروبي في طبعته الماركسية بين العرب. وزيدان يعتقد أن مدنية الحضارة العربية يجب ان تقوم على قبول هيمنة الرسول الصهيوني الأبيض لمشروع الحداثة الأوروبية وما بعدها! يعتقد أن تصورات ما بعد الحداثة في "إسرائيل" (تلك المستوطنة الأوروبية الأخيرة التي نهايتها سترتبط فعليا بأفول المشروع الغربي وتجاوزه من قبل الوجود البشري)، يجب أن تقوم على تفكيك الموروث المستقر عليه عند العرب بما يجعل قبولهم للهيمنة الصهيونية والغربية يسيرا.

زيدان لم ينزل على الأرض لم يقم باحتكاك مباشر ويفتح أذنيه للمواطن العربي البسيط، القادر وحده على تجاوز تناقضات النخب والقادر على إنتاج والتأكيد على ظرفيته واختيارات الهوية الخاصة به.

مشكلة زيدان ومعظم النخب العربية المُصدرة للمشهد المؤسسي، أنها تقدم نفسها كأداة وظيفية لخدمة المشاريع السياسية الراهنة دون ان تكون طليعة لها، دون أن تشرح لها أبعاد الأزمة الحضارية الراهنة داخل مصر وخارجها، مشكلة دعاة ما بعد الحداثة العرب أنهم منبتروا الصلة بواقعهم وماضيهم على السواء، مشكلتهم أنهم لا يجدون لهم دورا سوى من خلال التناقضات القائمة.

لكن الرد الشعبي على محاولات نخبة ما بعد الحداثة سيكون صادما، لأن هذه النخبة تقف معرفيا في مواجهة قيامة الذات العربية مجددا، وتمردها على تراكمات السياق التاريخي وتناقضاته، قيامة الذات العربية شعبيا ستعود للمشهد بشدة مع المحاولات المتكررة لزيدان ونخبة ما بعد الحداثة العربية والانسلاخ عن الذات.

من حيث لا يعتقد سيؤكد زيدان على اختيارات الذات العربية الشعبية؛ وقدرتها على التطور ومواجهة مثل ذلك الخطاب.

 

د. حاتم الجوهري

شاعر ومترجم وناقد أكاديمي

free3ever@hotmail.com

 
د. حاتم الجوهري
 
أرشيف الكاتب
السودان ومصر، إلى أين، سيصل كل منا على حده!
2017-10-28
زيدان وعرابي: منهج نفي الواقعة لتفكيك الرواية التاريخية
2017-10-21
دنقل وعصفور: الثورة بين واقع الضرورة وواقع الأزمة!
2017-08-16
سارتر وإعادة إنتاج معاداة السامية
2017-08-09
سارتر ونظريته في الصهيونية الوجودية والعنف
2017-08-03
الصهيونية والحاضنة الاوروبية: أثر الحداثة وما بعد الحداثة
2017-07-29
سارتر والصهيونية: الفلسفة بين النظرية والتطبيق
2017-07-02
القومية الثقافية 'اليهودية': نموذج تفسيري جديد
2017-06-26
أفول الأمم: الجغرافيا الجيولوجية والجغرافيا السياسية
2017-06-16
الخيال بين رامز وألف ليلة وليلة
2017-06-09
المزيد

 
>>