First Published: 2017-08-13

ان تعرف كيف تخسر...

 

جمعت قطر بين كلّ التناقضات في لعبة لم تحسب حساب انّها لا بدّ من ان تنهي يوما.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: خيرالله خيرالله

ان تعرف كيف تخسر في السياسة اهمّ بكثير من ان تعرف كيف تربح. من يعرف ان يخسر، انّما يتعلّم من تجاربه ويهيئ نفسه ليوم يستطيع فيه ان يربح... فيربح نفسه اوّلا. باختصار شديد، الذكاء في ان تعرف كيف تخسر اكثر بكثير مما ان تعرف كيف تربح. ان تعرف كيف تخسر يتطلب قبل كلّ شيء ذكاء شديدا وتواضعا، فضلا عن اعتراف بالواقع والتصالح معه بعيدا عن المكابرة قبل ايّ شيء آخر.

مناسبة هذا الكلام ان الازمة الخليجية مع قطر طالت اكثر مما يجب وهي مرشّحة لان تطول اكثر. خلاصة الكلام، وذلك من باب الحرص على قطر كدولة عربية خليجية لديها دور تستطيع لعبه في مجال تطوير المجتمعات الخليجية بدل اغراقها في التفاهات والمزايدات والشعارات المزيّفة والطنّانة، ان ليس في استطاعة قطر ان تخرج رابحة من المعركة التي تخوضها مع الدول الأربع التي اتخذت قرارا بمقاطعتها في الخامس من حزيران – يونيو الماضي، أي قبل ما يزيد على شهرين.

من هنا، يفترض في قطر اتخاذ موقف يأخذ في الاعتبار الواقع القائم والمتمثل في انّ الدول المقاطعة مستعدة، الى اشعار آخر، للذهاب بعيدا في المواجهة معها وذلك مهما طال الزمن. الاهمّ من ذلك كلّه ان الدول الأربع غير مستعدة للرضوخ لضغوط أميركية. الدليل على ذلك، ان السعودية والامارات العربية المتحدة تحديتا الولايات المتحدة في عهد الرئيس باراك أوباما وقررتا دعم عملية التخلص من نظام الاخوان المسلمين الذي كان على رأسه، من الناحية الشكلية، رئيس من النوع المضحك المبكي اسمه محمّد مرسي. تحدت السعودية والامارات اميركا في العام 2013 ودعمتا الانتفاضة الشعبية التي أدت الى التخلص من نظام الاخوان المسلمين وتخلّفهم.

قبل ذلك، في العام 2011، تدخلت السعودية عسكريا في البحرين عندما شعرت انّ امنها بات مهدّدا من ايران والأدوات التي استخدمتها للتخلص من النظام في تلك المملكة الصغيرة.

بعيدا عن المطالب الـ13 التي ثمّة من يقول ان عددها تقلّص الى ستّة، الموضوع موضوع سياسي اوّلا وأخيرا. يمكن اختزاله بسؤال واحد: هل في استطاعة قطر ان تكون على موجة واحدة مع الدول الاخرى في مجلس التعاون لدول الخليج العربية، علما ان حق الاختلاف في شأن مواضيع معيّنة مفهوم ومبرّر وهو جزء لا يتجزّأ من تركيبة المجلس الذي تأسّس في ابوظبي في العام 1981؟ لعب المجلس دورا لا يستهان به في توفير مظلّة حماية للدول الست الأعضاء فيه ابان الحرب العراقية – الايرانية ثم في مرحلة ما بعد احتلال العراق للكويت في العام 1990. من يريد البحث عن التمايز الذي كان قائما داخل المجلس منذ ولادته، يستطيع العودة الى مواقف سلطنة عُمان والى مواقف كويتية معيّنة في مرحلة ما. اعترضت الكويت في احدى المراحل على الاتفاقية الأمنية التي كانت تلحظ حقّ الملاحقة من دولة لمطلوبين موجودين في داخل أراضي دولة أخرى من دول المجلس.

كان التمايز العُماني والكويتي شيء والدور الذي لعبته قطر منذ خلافة الشيخ حمد بن خليفة لوالده في منتصف العام 1995 شيئا آخر. باشرت قطر بعد 1995 بممارسة سياسة ذات طابع هجومي مستغلة كلّ الثغرات التي كانت موجودة في السعودية خصوصا والتي كان افضل تعبير عنها السياسة التي اتبعتها المملكة في اثناء حرب اليمن صيف 1994 وهي تسمّى "حرب الانفصال" ثم الانكفاء عن هذا البلد بعد انتهاء تلك الحرب وانتصار علي عبدالله صالح والذين وقفوا معه، من مجموعات إسلامية.

لعبت قطر دورا محوريا على الصعيد الإقليمي معتمدة على استضافة قاعدة العديد الاميركية وغياب أي عقدة تجاه إسرائيل في الوقت ذاته. صارت قطر في عهد الشيخ حمد بن خليفة، والى جانبه الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني، لاعبا أساسيا في كلّ مكان. من اليمن الى ليبيا معمّر القذافي... الى لبنان وفلسطين، مرورا في طبيعة الحال بسوريا ومصر وحتّى الجزائر. استطاعت قطر إدارة لعبة في غاية التعقيد كان من ابرز ادواتها فيها قناة "الجزيرة" والاخوان المسلمون الذين شكلوا، بفضل تنظيمهم العالمي، افضل جهاز استخبارات في المنطقة وما يتجاوز المنطقة. إضافة الى ذلك، عرفت قطر كيف تقيم علاقة مع ايران تخدم أهدافها وتوحي في الوقت ذاته للايرانيين بانّهم قادرون على اختراق مجلس التعاون لدول الخليج العربية وان يكون لهم صوت داخله. الم يحضر الرئيس الايراني احمدي نجاد القمة الخليجية التي انعقدت في الدوحة في العام 2007 حيث سمح له بإلقاء كلمة توجيهية عصماء روّج فيها للسياحة الخليجية في ايران؟!

جمعت قطر بين اقامة فروع لافضل الجامعات الاميركية في أراضيها من جهة والعلاقات القوية العميقة مع التخلّف الذي يمثله الاخوان المسلمون و"حماس" و"طالبان" من جهة أخرى. كانت "الجزيرة" التي زارها شمعون بيريس على بعد كيلومترات قليلة من قاعدة العديد. وكانت في الوقت ذاته منبرا لأسامة بن لادن رمز الإرهاب العالمي.

جمعت قطر بين كلّ التناقضات في لعبة لم تحسب حساب انّها لا بدّ من ان تنهي يوما. كان في استطاعتها إعادة تأهيل بشّار الأسد واخذه الى فرنسا ليكون ضيفا في احتفالات العيد الوطني. كان ذلك في مرحلة الغضب السعودي عليه اثر ضلوعه، بطريقة او باخرى، في جريمة اغتيال رفيق الحريري ورفاقه. كان الرئيس نيكولا ساركوزي في جيب قطر وكان مهمّا ان تكون هناك سياسة قطرية تقوم على قصقصة اجنحة السعودية.

تغيّرت الصورة الآن. هذا لا يعود الى ان اللعبة القطرية صارت مكشوفة. الحقيقة ان اللعبة انكشفت تماما في 2013 و2014. الجديد الآن امران. أولهما ان ليس في قطر من هو قادر على إدارة اللعبة المعقّدة والآخر انّ في السعودية قيادة مختلفة لم تعد مستعدة لمساومات من ايّ نوع. هذه القيادة تعرف تماما معنى ان تتصدى قطر للمملكة مستخدمة قدراتها المالية حتّى في دعم "حزب الله" لدى خوضه صيف العام 2006 حربا افتعلها مع إسرائيل كان من بين أهدافها تحقيق انتصار على لبنان واللبنانيين وتغطية جريمة اغتيال رفيق الحريري... وتوجيه الشتائم الى زعماء الخليج.

لا شراء أسلحة أميركية او إيطالية او لاعب مثل البرازيلي نيمار وضمّه الى فريق فرنسي معروف من يملكه يخدم قطر. هناك معطيات جديدة مختلفة لا مفرّ من التعاطي والتكيّف معها، إضافة بالطبع الى الاعتراف ان المسألة ليست مسألة علاقات عامة في واشنطن وغير واشنطن والاعتقاد ان في الإمكان تهديد الخليجيين ومصر وتخويفهم عن طريق تركيا وايران...

بعض التواضع اكثر من ضروري في هذه المرحلة. هناك شيء انتهى. هناك ايّام مضت لم يعد فيها مكان لهامش كبير للمناورة تملكه قطر. كانت استعادة مصر من الاخوان المسلمين في منتصف العام 2013 نقطة تحوّل على الصعيد الإقليمي وذلك بغض النظر عمّا اذا كان في الإمكان انقاذ مصر كدولة تعاني من مشاكل ضخمة في المدى الطويل.

يظلّ السؤال في النهاية، هل تستطيع قطر ان تكون دولة طبيعية تفرّق بين الممكن والمستحيل ام لا؟ هل تستطيع تحويل خسارتها الى ربح بعيدا عن المكابرة من نوع القدرة على استضافة دورة كأس العالم في صيف السنة 2022 وتجاهل ان كلّ شيء يمكن تغييره في العالم باستثناء الصيف الخليجي الحار؟

بعض التواضع ضروري بين حين وآخر.

 

خيرالله خيرالله

 
خيرالله خيرالله
 
أرشيف الكاتب
هزيمة كركوك لم تطو المشروع الكردي
2017-10-20
الملك و'الزلزال السياسي' في المغرب
2017-10-18
اميركا تعيد اكتشاف ايران
2017-10-16
تصالح الفلسطينيين مع الواقع والحقيقة
2017-10-15
مآل 'ثورة أكتوبر'... مآل النظام الايراني
2017-10-13
بعد انتصار الحوثيين على علي عبدالله صالح
2017-10-11
الغاء الاتفاق مع ايران... من دون الغائه
2017-10-09
عن كذبة إعادة اعمار سوريا
2017-10-08
كي يكون للمصالحة الفلسطينية معنى
2017-10-06
تراجع المشروع التوسّعي الايراني
2017-10-04
المزيد

 
>>