First Published: 2017-08-13

ماهر البطوطي.. قامة أدبية عربية في نيويورك

 

المترجم المصري مرجع نقدي ثقافي وتاريخي عمل ممثلاً ثقافيا لمصر في إسبانيا ثم انتقل للعمل مترجما محررا بالأمم المتحدة حيث يقيم الآن.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: صبحي فحماوي

السير على نهج 'ألف ليلة وليلة'

لماذا بقي هذا الكاتب العربي المصري المبدع المدهش ذو القامة العالية في نيويورك؟ ألم يجد نفسه في وطنه مصر؟ ألم يحصل على جائزة الدولة التقديرية، أو أية جائزة عربية يستحقها الأدباء العمالقة أمثال "ماهر البطوطي"؟ ألم يستطع أن يمالئ أو يداهن أو "يمسح الجوخ"، فيحقق ما حققه البعض، حتى ولو كان ذلك البعض - ولا أقول الكل - لا يستحق؟

الكتاب الأول الذي قرأته لماهر البطوطي، كان "الرواية الأم.. ألف ليلة وليلة.. والآداب العالمية" الصادر عام 2005 عن مكتبة الآداب - ميدان الأوبرا – القاهرة - دراسة في الأدب المقارن.

هذا الرجل، المرجع النقدي الثقافي والتاريخي، الذي عمل ممثلاً ثقافيا لمصر في إسبانيا من عام 1969 إلى 1974، ثم انتقل للعمل مترجما محررا بالأمم المتحدة بنيويورك، حيث يقيم الآن.

وقد أهداني كتابيه اللذين كان أحدهما عظيما بتأليفه، عظيما بترجمته عن ديفد لودج بعنوان "الفن الروائي" وهو أكفأ كتاب قرأته في هذا المجال، صادراً عن المجلس الأعلى للثقافة بالقاهرة. والكتاب الثاني هو رواية له بعنوان "الفتوحات الباريسية" الصادر عن "دار العين" المصرية 2017.

وكانت قد صدرت له ترجمات عظيمة لـ جيمس جويس، وإيرنست همنجواي، ولوركا، ونيرودا، وميجيل أنخل أستوريا، وقد حصلت روايته "عزلة النسر" على الجائزة الرواية العربية من المجلس الأعلى للثقافة عام 1997، وحازت ترجمته لديوان "أشعار" للشاعر الإسباني جوستافو بيكر على جائزة "سرفانتيس- نجيب محفوظ" للترجمة من الإسبانية إلى العربية عام 2002.."

وفي هذه العجالة أعترف أن البطوطي هو الذي جعلني أعيد دراسة -وليست قراءة - "ألف ليلة وليلة" بطبعتها اللبنانية، بعد طبعة المعارف المصرية، وأن أجرؤ على تسميتها "رواية".. وليست أية رواية، بل هي "الرواية الأم".. وليست الأم للرواية العربية، بل للرواية العالمية، ذلك لأنها حسب طبعة المعارف – المصرية - تبدأ بعبارة شهرزاد؛ .."ما رأيك يا أبي أن تزوجني إياه، فإما أن أكون فداء لك، وإما أن أكون فداء لبنات جنسي...".

وتنتهي الرواية بكون شهرزاد قد قلمت أظافر الملك السفاح شهريار، وأنجبت منه ثلاثة أطفال، وجعلته بحديثها الناعم، وبقصصها المتتالية داخل الرواية، وبالأدب، أن يتحول من ملك سفاح، إلى ملك ديمقراطي هادئ، محب عادل، فاستنتجت من كتاب البطوطي أن المرأة العربية هي التي علمت أبناءها ومجتمعها القراءة والرواية، وأنها بالحديث الناعم وبالأدب تصرفت فأثرت، وبالتالي علّمت العالم فحوى السرد الروائي والقصصي.

يكتب البطوطي في كتابه - ص 30 - يقول الباحث جون كيللر: "إن الحكاية العربية هي أعظم إسهام شرقي مفرد في أدب الغرب". وذكر أن الغرب بدأ يكتب متأثرا بألف ليلة وليلة، وذلك ظاهر في كتاب "مرشد الحكماء" 1110 لموسى السفاردي، وكتاب "حكماء روما السبعة" الذي تتضمن قصصه كثيرا من قصص الف ليلة وليلة. وكتاب "الكونت لوقانور" لمؤلفه الإسباني خوان مانويل 1348 "ففيه كثير من تلك القصص التي لها ما يقابلها في الف ليلة وليلة.." – ص 37 من كتاب البطوطي - وكتاب "الديكاميرون" لمؤلفه الإيطالي جيوفاني بوكاشيو عام 1313 والذي فيه كثير من القصص التي تماثل حكايات وردت في "الف ليلة وليلة" - ص 37 - وأن كثيرا من قصص الكتب الإنجليزية الصادرة في العصور الوسطى كانت واردة في "الف ليلة وليلة" مثل قصص "حكاية تاج الملوك والأميرة دنيا" و"حكاية ابو محمد الكسلان" و مدينة النحاس" و"مغامرات بلوقيا" و"عبدالله بن فاضل وأخويه".

وفي هذا الكتاب المذهل الذي يزيد عن 400 صفحة جمع البطوطي أسماء معظم الكتب والروايات والدواوين الشعرية في الغرب، المتأثرة بـ "ألف ليلة وليلة" وبغيرها من المراجع العربية. مع موجز ومقارنة لما كتبوه مع الف ليلة "أدب مقارن" حتى سيجموند فرويد نفسه تأثر بحكايات "ألف ليلة وليلة" التي ذكرها في معرض تحليله لحالات نفسية معينة عند مرضاه، مثل حكاية "الرجل الفأر" التي ذكر فيها القرد ذا العين الواحدة في الليالي العربية، والقصص المروية في حكاية "الحمال والبنات" وحكاية "الصعلوك الثاني" - صفحة 319 من الكتاب - ومثل فرويد كان الاهتمام بألف ليلة وليلة وحكاياتها قويا في (فيينا) خلال حياة فرويد.

ولا يتسع المقال لذكر حتى ولو أسماء المبدعين العالميين وكتبهم المذكورة في الكتاب، الذين تأثروا بألف ليلة وليلة. وتبقى قراءة كتاب البطوطي هي التي تشفي الغليل، للتعرف على دور ثقافتنا العربية في تطوير ثقافة العالم الغربي خاصة، حيث ننهل الآن من الغرب الذي مسح ذاكرتنا الجمعية وجعلنا مستهلكين لفكره، ومنتجه الثقافي الذي يقزم الشخصية العربية، ويحاصر توزيع كتبنا ويكاد يجفف مصادرها حتى المترجمة منها ولو كانت لنجيب محفوظ صاحب جائزة نوبل.

وأستطيع أن أعترف أنني تعلمت من البطوطي السير على نهج "ألف ليلة وليلة" في كتابة رواياتي؛ تلك الرواية التي قال عنها الروائي الألماني جونتر جراس يوم زار اليمن والقاهرة عام 2005 أنه كان يتمنى لو يستطيع كتابة رواية شرقية مثل هذه الرواية الأم.

ويبقى لساني يلهج بالسؤال: لماذا يبقى تقدير أدب ماهر البطوطي ونقده وترجماته أقل من قامته العالية العملاقة؟

 

صبحي فحماوي

 
صبحي فحماوي
 
أرشيف الكاتب
انزياحات مذهلة في أشعار نضال برقان
2017-10-11
لغتنا المهدور دمها
2017-10-01
'الفتوحات الباريسية' في رواية مصرية
2017-09-26
'الفن الروائي' بين ديفد لودج وماهر البطوطي
2017-08-30
ماهر البطوطي.. قامة أدبية عربية في نيويورك
2017-08-13
استعادة الكاتب الأردني بدر عبدالحق
2017-07-31
كاتبة عمانية تفضح واقع المرأة العربية في 'سندريلات مسقط'
2017-07-16
محمد الشايب .. قاص الشوارع يبحث عن الحرية
2017-07-03
هؤلاء .. لماذا اشتهروا؟
2017-06-21
يحزنني بوشكين في كل مرّة
2017-06-18
المزيد

 
>>