First Published: 2017-10-12

أخطر من الدفاع عن مصر

 

الدفاع عن مصر يحتاج إلى عمل قبل الدخول في جلسات فضفضة كلامية.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد أبو الفضل

النقاش الذي تصاعد عقب ظهور كاتب مؤيد للنظام المصري على إحدى قنوات الإخوان، يستحق التوقف عنده من زوايا إعلامية وسياسية أيضا، لأن المسألة ليست الأولى، فقد سبقه كثيرون من كتاب وباحثين إلى قنوات الجزيرة، بذريعة الدفاع عن مصر، قبل أن تتدهور العلاقات مع قطر وتصل حد القطيعة حاليا.

هي ذريعة تبدو منطقية في ظاهرها، فوجود صوت مصري للدفاع عن الدولة عملية مهمة للرد على الدعاية المغرضة وتفنيد الحجج والاتهامات التي تلقى جزافا، ووقف التضليل الجارف الذي دأبت عليه الجزيرة وشقيقاتها، وتحجيم الهجوم الصاخب على كل انجاز يتحقق، وتبديد التشكيك في نوايا المؤسسات الرسمية ومحاولات نشر الاحباط بين صفوف المواطنين واستغلال الأزمات الاقتصادية والظروف الاجتماعية الصعبة.

المشكلة أن عددا كبيرا من الأصوات التي تمت استضافتها وإغراءها بالأموال لم تمتلك أداء مقنعا، ليس لضعف في القدرات والمؤهلات والامكانيات العلمية، لكن لأن البيئة المحيطة بالضيف الذي تكبد عناء السفر إلى قطر أو تركيا تجعله محاصرا بعوامل لا تمكنه من الأداء بطريقة جيدة، وهو ما يؤدي إلى ظهوره غالبا، مشوشا ومرتبكا وضعيفا أمام المشاهدين.

لك أن تتخيل، مقدم البرنامج وضيوفه في موقف عدائي ضدك من البداية، والجمهور الذي يتولى مهمة طرح الأسئلة والتشجيع والتصفيق (في الاستديو) على النقيض منك تماما، والصور والفيديوهات والتقارير المرفقة بموضوع الحلقة منتقاة لدغدغة مشاعر المشاهدين، وكلها تضعك في موقف حرج يستوجب منك شجاعة وذكاء وقدرة على ضبط الأعصاب، فمن الممكن عرض صورة سلبية فجأة فتصاب بتوتر، وهو ما يظهر سريعا على ملامح وجهك عندما تقترب منه عدسة الكاميرا.

هذه النتيجة تترك أثرا سيئا عن القضية الوطنية التي ذهبت للدفاع عنها أو أقنعت نفسك أنك ذاهب للدفاع عنها، علاوة على أن وجودك وسط مناخ مشحون ومعبأ بالمؤامرات يفرض عليك تجنب الهجوم الشرس، ناهيك عن أن المكان له تأثيرات نفسية على الضيف الذي يحرص على تحاشى الدخول في مناطق مستفزة ربما تحرمه من الحصول على مكافأة مادية سخية.

المعطيات السابقة لا تأتي جزافا، ويتم اختيارها بعناية، وحتى الإغراء المادي يخضع لاعتبارات متفاوتة، فكل ضيف له ثمن وتقدير مادي ومعنوي مختلف عن الآخر، وكلما كنت تحتل مركزا مرموقا أو صاحب اسما كبيرا في تخصصك ارتفع سعرك، شرط ألا تتمتع بكاريزما لافتة وقدرة عالية على الحديث العلمي وجذب الانتباه ورد الفعل السريع.

احترم الزملاء الذين خاضوا هذه التجربة بشجاعة، وأقدر جهدهم وحسن نواياهم، والتمس لمعظمهم العذر لأنهم لم يوفقوا في الدفاع عن بلدهم بالشكل المناسب، واختلف مع من طالب بمساءلتهم قانونيا، غير أن هؤلاء الزملاء غاب عن تقديرهم حجم المزايا التي قدمها ظهورهم لأصحاب هذه الفضائيات.

أبرز هذه المزايا هو منح القنوات ومن يقفون خلفها مصداقية مفقودة، فعندما تستضيف آراء مخالفة لمواقفها يحسب لها عند المشاهد وكأنها تلتزم الحياد والموضوعية، ما يجعلها تستقطب جمهورا له ميول سياسية معارضة لتوجهاتها الرئيسية، بل وعدم استبعاد التأثير فيهم عن طريق الالحاح والتكرار الإعلامي.

يضاف إلى ذلك مكاسب أخرى لها علاقة بالنواحي السياسية. فإذا كان استقبال ضيف مختلف عملية بسيطة فمن السهولة أن يتصور البعض من المشاهدين الدلالات التي يحملها هذا المعنى، وقد تصل إلى الشك في أن هذه المحطة أو تلك لها علاقات خفية بدوائر رسمية، ففي خيال الجمهور أن سفر الضيف وظهوره على شاشات الجزيرة وقنوات الإخوان يتم بموافقة أمنية، الأمر الذي ينطوي على أهداف تصب في صالحها، وشكوك في جدوى القطيعة مع قطر والإخوان، والتي تتمسك بها فئة كبيرة من المواطنين، ويمكن أن تترك هذه النتيجة انطباعا زائفا يشي بأن القطيعة الحالية ليست حقيقية.

كما أن شعار الوطنية الذي يرفعه هؤلاء لن يتحقق بهذه الطريقة، لأن الدفاع عن مصر يتجاوز حدود الكلام المعسول أو الجلوس في موقع كمن على رأسه بطحة يتحسسها كلما باغته المذيع بسؤال عن أحوال البلد ومعاناة المواطنين وارتفاع نسبة البطالة وغلاء الأسعار.

الواقع أن تصورات وممارسات وانجازات مصر العملية هي التي دافعت عن هذا البلد ونجحت في تغيير الصورة النمطية التي حاولت قنوات معادية ترسيخها في أذهان الناس، وجعلت دول العالم تتعامل معنا باحترام وترفض الانجرار وراء الدعاية المضادة، ومواصلة التطور والتقدم والتحضر في المجالات السياسية والأمنية والاقتصادية، هو المعيار الذي نحاسب عليه، شرط أن يؤدي كل مواطن دوره بأمانة ودون مزايدة أو استعراض لعضلاته المعنوية ومفرداته اللغوية.

الدفاع عن مصر يحتاج إلى عمل قبل الدخول في جلسات فضفضة كلامية، يمكن أن ترتد تداعياتها علينا، فهذا فضاء برعت فيه كل من قطر وجماعة الإخوان ومن لف لفهم وحققوا فيه نجاحات، ولجأوا إليه لتجاوز بعض الاخفاقات وحافظوا بموجبه على جمهورهم، لذلك لن يتم التخلي عن الشعارات الرنانة التي أصبحت ركيزة في الخطاب الذي يسود قنواتهم الفضائية.

الاهتمام بالمناظرات والحكي والنميمة يعبر عن توجه سياسي حاكم لإعلام الإخوان بأطيافه المختلفة، وهي مؤشرات تدل على عجز فاضح في الوصول إلى أبسط الأهداف التي جرى رفعها منذ سقوط حكم الجماعة في مصر، وعدم الاستفادة من الدروس وغياب الوعي السياسي والتمسك بخطاب دعائي فقد بريقه، لذلك فالتجاوب ودخول كتاب وباحثين وطنيين في حوارات معهم، يزيدهم حرصا على مواصلة مسيرتهم، ويقدم لهم طوق جديد للنجاة والحياة، ويمنحهم تأثيرا خسروا الكثير من مقوماته.

الخطورة أن ظهور هؤلاء على قنوات الإخوان يأتي في وقت تخلت فيه بعض وسائل الإعلام المصرية عن اتاحة الفرصة لكثير من الأصوات المعارضة للتعبير عن رؤاها، وهو ما يمنح القنوات المعادية ميزة نسبية للمتاجرة بخدعة استقبال معارضين لها وفقدانها عند خصومهم.

الانتصار لمصر يستوجب تغليب الضمير والنزاهة والعمل بجدية وموضوعية وشفافية والدفاع عنها في الداخل، لأنه الطريق المضمون للوصول إلى الخارج.

 

محمد أبو الفضل

الاسم هارب من أشعة الوهم
الدولة مغترب في كوكب الأرض

التساقط إثبات تحرر الإنتاج من عملية النمو التاريخي القصري ، وهذا الفكر التحرري هو اللذي ولد الثورة الأمريكية على الجذور والجاذبية. الحضارات كلها ما عدى التجميعية الأمريكية الروسية هي حضارات ملتصقة وليست متساقطة ولكنها متناقضة متصارعة

2017-10-13

الاسم هارب من أشعة الوهم
الدولة مغترب في كوكب الأرض

مشكلة النظام الفكري العربي في بنيته الصراعية المنسولة من الجسد الصراعي الصحراوي ، الفكر الحر يستند إلى رؤيا متخيلة ، وليس تاريخا موروثا. عبودية الفكر والإنسان مثل عبودية الشجرة لجذورها ، تساقط الثمار هي حرية الإنتاج والعطاء. التساقط.

2017-10-13

 
محمد أبو الفضل
 
أرشيف الكاتب
أخطر من الدفاع عن مصر
2017-10-12
نمر فلسطين أم نمور إسرائيل؟
2017-10-05
مصير الأكراد وجنوب السودان
2017-09-28
مصر تخلع حماس من قطر
2017-09-21
فرصة حماس الثمينة
2017-09-14
الحل السياسي البعيد في سوريا
2017-09-07
مصر من الانكفاء إلى الانخراط
2017-08-17
الرياضة مُفسدة للعلاقات العربية
2017-08-10
التضخم المعنوي.. نموذج بشري وقطري
2017-08-03
تفكيك الخطاب التركي
2017-07-27
المزيد

 
>>