First Published: 2017-12-06

تسيس المعيشة

 

ضع التفاصيل جانبا. العلاقة بين بغداد وأربيل تهدف إلى اخضاع حكومة كردستان إلى الحكومة المركزية.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق عبدول

بعد 2003، تعاني العملية السياسية في العراق من علل وقضايا مستعصية بدءاً من المحاصصة الحزبية والطائفية الى خلل بنيوي في النظام السياسي والقانوني. ادى هذا الى بروز ازمات واضطرابات عديدة في السنوات الماضية، وفي مقدمة هذه الازمات التي اثرت سلبا على الدولة العراقية ونظامها عدم وجود علاقة سلسة ما بين الحكومة الاتحادية وحكومة اقليم كردستان رغم تحديد ملامح هذه العلاقة وفق الدستور الدائم لعام 2005. ولكن مع اغفال المواد الدستورية من قبل السلطات الحاكمة في بغداد وعدم جديتها لاحتواء المشاكل ومعالجتها، اتسع الشرخ بين بغداد وأربيل الى ان تطورت الخلافات الى اشتباكات عسكرية في الاونة الاخيرة بعد رفض الحكومة المركزية الاستفتاء الكردي الذي جرى في الخامس والعشرين من شهر ايلول الماضي لانفصال الاقليم عن العراق.

على الرغم من وجود تاريخ طويل من الصراعات السياسية والقانونية بين الكرد والحكومات العراقية المتعاقبة، فان الاقتصاد والحرب على امتلاك الثروات لعبا دوراً اساسياً بتوسيع دائرة الصراعات بينهما خاصة في ازمة مدينة كركوك الغنية بالنفط. فبعد 2003 حاول الكرد جاهدين من اجل انضمام كركوك الى اقليم كردستان بدءاً بالعملية القانونية والدستورية وصولاً الى سياسة الامر الواقع بعد ظهور داعش، لكنها لم تعطي ثمارها بكلا الحالتين، بسبب الاطماع الكثيرة بثروات المدينة والتدخلات الخارجية القوية في هذه القضية.

سعى إقليم كردستان بعد سقوط النظام السابق إلى تحقيق نوع من الاستقلالية الاقتصادية بمعزل عن بغداد وهذا ما دفع به لاتباع سياسة اقتصادية مستقلة من خلال اعتماده على بيع النفط بعد الاكتشافات النفطية الجديدة داخل حدود الاقليم من قبل الشركات العالمية. وكانت تركيا الممر الوحيد لنقل وبيع ثرواتها النفطية الى الاسواق العالمية. كل هذه الاجراءات والخطوات الاقتصادية المتبعة من قبل حكومة اقليم كردستان دون تنسيق مع الحكومة المركزية اثارت غضب وحفيظة بغداد مما تسبب بعدها في قطع ميزانية الاقليم في 2014 واعتبرت الحكومة العراقية انذلك بأن قيام إقليم كردستان بتصدير النفط دون العودة الى الحكومة المركزية امرا غير قانوني، في حين اتهمت حكومة الاقليم بغداد بحجب حصتها من الايرادات.

وبدأت المحادثات الاقتصادية بين الحكومة الاتحادية وإقليم كردستان في عام 2014 حول تقسيم الموارد وعائدات بيع النفط. ومنذ ذلك الوقت بات الاقتصاد إحدى الاشكاليات الأساسية التي تزيد في الخلافات القائمة بين بغداد وأربيل. وبعد تولي حيدر العبادي رئاسة الحكومة خلفا لنوري المالكي الذي يتهمه الكرد بقطع ميزانية الاقليم، تعهد العبادي بالعمل على حل المشاكل مع اربيل، ومنها النزاع حول مدينة كركوك الغنية بالنفط، حيث توصل الطرفان إلى اتفاق نفطي لحل الموازنة وصادرات النفط والتي كانت بموجبه على الاقليم إرسال 550 ألف برميل النفط من كركوك والاقليم لوزارة النفط العراقية وفي المقابل يحصل الكرد على حصتهم - التي تبلغ نسبتها 17 في المئة - من الميزانية المركزية. ولكن هذا الاتفاق فشل بسبب عدم التزام الطرفين به.

ومع فشل الاتفاق النفطي وتردي الاوضاع الاقتصادية والمعيشية في اقليم كردستان الذي ازداد سوءاً بسبب تدهور اسعار النفط الى 25 دولار للبرميل الواحد، وتوسيع دائرة الحرب على داعش ولجوء اكثر من مليوني نازح من المناطق السنية الى اقليم كردستان، وكذلك سوء الادارة والفساد المستشري وانعدام الشفافية في ملفات النفط من قبل حكومة الاقليم ادت الى فشل السياسة الاقتصادية المستقلة وهو ما انعكس بشكل سلبي على حياة مواطني الإقليم بحيث وصل بهم الحال الى عدم قدرة الحكومة لدفع رواتب موظفيها واللجوء الى نظام الادخار الاجباري للرواتب بحيث اصبح الموظف يحصل على ربع راتب في الشهر وعُطلت كافة المشاريع الاستثمارية والخدمية، وقد وصفت مجلة "ذا ديلي بيست" الأميركية هذه الحالة اقتصادية المتردية في كردستان بانها أشد خطرا من تنظيم داعش.

فمنذ قطع ميزانية الاقليم في عام 2014 الى فشل الاستقتاء الكردي في 2017، هناك محاولة لـ"تسيس معيشة" الموطن الكردي الذي يعاني من حالة اقتصادية صعبة ومتدهورة منذ اكثر من ثلاث سنوات، وان تعامل بغداد مع هذه القضية من زاوية سياسية بحتة خاصة بعد الاستفتاء واستغلالها لموازنة 2018 من خلال تقليل حصة الإقليم السنوية من 17% الى 12% من أصل الموازنة العامة للبلاد وكذلك تريد ان تتعامل مع المحافظات بدلا من اقليم كردستان ككيان دستوري، حيث يعتبر المراقبون بان كل ما تقوم به بغداد بشان القضايا الاقتصادية والموازنة هي ورقة ضغط لاخضاع أربيل للقبول بشروطها السياسية من أجل فتح باب الحوار معها، مستغلة ضعف موقف الاقليم بسب تداعيات فشل الاستفتاء.

 

فاروق عبدول

كاتب وصحفي - كردستان العراق

 
فاروق عبدول
 
أرشيف الكاتب
تسيس المعيشة
2017-12-06
ما بين الاستفتاء الكردي واستقالة الحريري
2017-11-18
قبل الفرض، حل عقدة الدستور العراقي
2017-11-02
المزيد

 
>>