First Published: 2017-12-06

أحمد السيد النجار: هناك تناقض موضوعي بين قوة الاقتصاد الصيني ودوره العالمي فعليا

 

الخبير الاقتصادي المصري يتناول أهم مؤشرات الاقتصادين المصري والصيني والعلاقات الاقتصادية بينهما وكيفية إصلاح الاختلالات الكبيرة فيها.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد الحمامصي

طريق واحد حزام واحد

رأى الكاتب أحمد السيد النجار الخبير الاقتصادي ورئيس مجلس إدارة مؤسسة الأهرام السابق في كتابه "مصر والعرب والصين ومبادرة الحزام والطريق.. مستقبل النموذج الصيني" أن الصين التي تمكنت من الإمساك بمركز القيادة للاقتصادي العالمي وترسخ مكانتها على عرشه عاما بعد عام، تقدم على الصعيد النظري نموذجا ينتمي لميراثها الحضاري ولرؤيتها للعلاقات الاقتصادية الدولية وللكيفية التي يمكن أن تتم بها إدارة تلك العلاقات لتحقيق التنمية المشتركة والعدالة والتكافؤ بين مختلف دول العالم. كما أن النماذج العملية لتعاونها مع الدول الإفريقية الفقيرة بالذات تدعم الصورة الإيجابية للنموذج النظري الذي تقدمه الصين من خلال هذه المبادرة.

وقال النجار في كتابه الصادر عن دار ابن رشد "المبادرة الصينية" أن الصين أهم شريك تجاري واستثماري واقتصادي بالمعنى العام للدول الإفريقية جنوب الصحراء في الوقت الراهن. وتشير بيانات صندوق النقد الدولي إلى أن صادرات الدول الإفريقية جنوب الصحراء للصين قد بلغت نحو 60,2 مليار دولار عام 2014، مقارنة بصادرات إفريقية بلغت 29,3 مليار دولار للهند، وبلغت 22 مليار دولار للولايات المتحدة، وبلغت 17,2 مليار دولار لهولندا، وبلغت 15,4 مليار دولار لأسبانيا، وبلغت 12,8 مليار دولار لفرنسا، وبلغت 12,7 مليار دولار لليابان، وبلغت 12,6 مليار دولار للبرازيل، وبلغت 12 مليار دولار لبريطانيا، وبلغت 11,5 مليار دولار لألمانيا في العام نفسه.

أي أن الصين تتصدر دول العالم وبفارق هائل كأكبر سوق مستوردة للسلع الإفريقية. كما بلغت قيمة واردات الدول الإفريقية جنوب الصحراء من الصين نحو 75,3 مليار دولار عام 2014، مقارنة بواردات بلغت قيمتها في نفس العام نحو 26,2 مليار دولار من الولايات المتحدة، ونحو 26,1 مليار دولار من الهند، ونحو 17,8 مليار دولار من ألمانيا، ونحو 16 مليار دولار من فرنسا، ونحو 10,5 مليار دولار من كوريا الجنوبية،

وأكد أن مبادرة "طريق واحد حزام واحد" تشكل على الصعيد النظري انعطافة قوية في التفاعل الصيني مع البيئة الاقتصادية الدولية من مرحلة التكيف معها كما هي وبنفس قواعدها التي وضعتها الدول الرأسمالية الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة، إلى مرحلة جديدة تتحول فيها الصين إلى فاعل رئيسي في تشكيل تلك البيئة الدولية. ورأى أن تزامن المبادرة مع تشكيل مجموعة "بريكس" وبنك التنمية الخاص بها برأسمال 100 مليار دولار، يمكن القول إن الصين تسعى بالفعل في هذا الاتجاه.

وكان الكاتب البريطاني مارتن جاك محقا في تساؤله "عما إذا كانت الصين، على المدى الطويل ستقبل بالنظام الدولي، كما هو مشكل في الوقت الراهن، أم أنها ستسعى إلى إحداث تغيير جوهري في هذا النظام"، وكذلك في ترجيحه لظهور مؤسسات مالية جديدة تعمل إلى جانب صندوق النقد والبنك الدوليين مع تهميش دورهما باطراد كنتيجة لصعود الدور الاقتصادي والمالي العالمي للصين ومن بعدها الهند. وهذا البنك التنموي لمجموعة بريكس هو تجسيد حي لهذا النزوع الصيني لتشكيل مؤسسات موازية لصندوق النقد والبنك الدوليين".

وحلل النجار في الكتاب المبادرة ويقدم مقترحات لتطويرها كأساس لنظام اقتصادي دولي كأساس للعدالة والتكافؤ، كما يتناول أهم مؤشرات الاقتصادين المصري والصيني والعلاقات الاقتصادية بينهما وكيفية إصلاح الاختلالات الكبيرة فيها، لتصبح نموذجا للعلاقات القائمة على العدالة والتكافؤ اتساقا مع المبادرة وتأكيدا على مصداقيتها وإلا اعتبرت مبادرة للاستهلاك الإعلامي.

ولفت إلى أن هناك تناقضا موضوعيا عميقا بين قوة الاقتصاد الصيني ودوره العالمي فعليا، ووضعية الصين في المنظمات الاقتصادية الحكومية الدولية وتحديدا صندوق النقد والبنك الدوليين ومنظمة التجارة العالمية. وقد ظلت تلك المؤسسات حتى عام 2015 تعامل الصين كدولة عادية متجاهلة أنها القاطرة التي تقود الاقتصاد العالمي وأنها أكبر قوة تجارية على وجه الأرض، وأن ناتجها المحلي الإجمالي مقدرا بالدولار وفقا لتعادل القوى الشرائية يتجاوز نظيره الأميركي بقرابة 1,6 تريليون دولار، وأن احتياطياتها المالية الهائلة التي تزيد عن أربعة أمثال نظيرتها الأميركية والتي تتجاوز 4,3 تريليون دولار قامت بدور مهم في مساندة النظام الاقتصادي الدولي المتداعي بعد انفجار الأزمة المالية والاقتصادية الأميركية والعالمية عام 2008، وأن سوقها العملاقة والنامية بشكل سريع والتي تتزايد وارداتها من العالم بمعدلات سريعة شكلت عاملا رئيسيا في إسناد شركائها التجاريين الرئيسيين.

وأشار النجار إلى أن ما بين القوة الاقتصادية الصينية الهائلة المتحققة على أرض الواقع، وتجاهل الدول الرأسمالية الكبرى المتحكمة في النظام الاقتصادي الدولي لهذه القوة والإصرار على معاملتها كدولة عادية، ولدت المبادرات الصينية لتشكيل مجموعة "بريكس" ومن بعدها مبادرة الحزام والطريق كآلية لخلق فضاء اقتصادي عالمي تتم صياغة العلاقات بين دوله وفقا للرؤية الصينية لتلك العلاقات أو بصورة توافقية بين الصين والدول التي تشاركها ذلك الفضاء الاقتصادي.

وأضاف أنه كما طرحت الصين ومعها روسيا وحتى بعض الدول الغربية الكبرى مثل فرنسا في عنفوان الأزمة المالية والاقتصادية العالمية عامي 2008، و2009 ضرورة تغيير وضعية الدولار كعملة احتياط دولية بعد أن أساءت الولايات المتحدة استخدام تلك الوضعية للتربح على حساب العالم بإصدار أوراق نقدية (دولارات) بلا غطاء ذهبي أو إنتاجي واستلاب سلع وخدمات العالم مقابل مجرد أوراق لا مبرر اقتصاديا لإصدارها أصلا.

كما أن الدولار فقد أهم عوامل إسناده منذ انتهاء قاعدة الذهب عام 1971 بما جعل العملة الأميركية عارية من الغطاء الذهبي، وعارية أيضا من الغطاء الإنتاجي في ظل بطء النمو الاقتصادي الأميركي، وأيضا في ظل العجز الهائل للموازين الخارجية للولايات المتحدة منذ ما يقرب من نصف قرن. وكذلك في ظل تعملق الديون الخارجية الأميركية التي تتجاوز قيمة الناتج المحلي الإجمالي الأميركي وتبلغ قرابة أربعة أمثال ديون الدول النامية والناهضة مجتمعة.

ورأى النجار أن الغرب والمؤسسات المالية الدولية حاول استيعاب التململ الصيني من عدم عدالة النظام النقدي الدولي وامتصاص غضب بكين ولإيقاف اندفاعها نحو توسيع نطاق مبادرتها "الحزام والطريق" ومساعيها الحثيثة لتطوير المجموعة الاقتصادية العالمية التي تقودها "بريكس" من خلال الاعتراف بالوضعية العالمية للعملة الصينية، وإدخال اليوان الصيني ضمن العملات الرئيسية التي تتم من خلالها تسوية المعاملات الاقتصادية الدولية، وجعله مكونا رئيسيا في وحدة حقوق السحب الخاصة.

وأوضح أنه في سبتمبر/أيلول عام 2015 قرر صندوق النقد الدولي إدراج اليوان الصيني في وحدة حقوق السحب الخاصة على أن يبدأ التطبيق العملي في أول أكتوبر/تشرين الأول 2016، وهو ما حدث بالفعل منذ بداية أكتوبر/تشرين الأول 2016. وأعطى الصندوق وزنا نسبيا لليوان يبلغ 10.92% من وحدة حقوق السحب الخاصة، مقارنة بنحو 41,73% للدولار، ونحو 30,93% لليورو، ونحو 8,33% للين اليابانين ونحو 8,09% للجنيه الإسترليني البريطاني.

وهذا الوزن الذي أُعطي لليوان الصيني في وحدة حقوق السحب الخاصة مرشح للتزايد سريعا مع التوسع الكبير المتوقع في تسوية الالتزامات الدولية باليوان من خلال الشركاء التجاريين للصين التي تعد أكبر قوة تجارية على وجه الأرض. لكن ذلك التحول في موقف المؤسسات المالية الدولية ومحاولة استيعاب الصين داخل أطر عملها مع الحفاظ على النظام النقدي الدولي تبدو كمحاولة وضع تنين عملاق في زجاجة مياه غازية.

وهذه المحاولة محكوم عليها بالفشل على الأرجح، لأن حقائق وضع الاقتصاد الصيني ودوره العالمي أكبر كثيرا أو أضعاف ما أُعطي للصين من وزن في وحدة حقوق السحب الخاصة. كما أن تلك المحاولة لاستيعاب الصين ووأد محاولتها لتطوير وقيادة نطاق اقتصادي دولي موازٍ لم تحقق أي نجاح، فالصين مستمرة في محاولة تطوير مجموعة بريكس وتوسيعها. كما أنها معنية بإصلاح أي مشاكل تعترض مسيرة المجموعة بالذات من دولة مثل البرازيل التي حدثت تغيرات جوهرية في قيادتها السياسية وتوجهاتها منذ إسقاط الرئيسة اليسارية ديلما روسيف ومحاولة التنكيل بها وبالرئيس اليساري الأسبق لولا دي سيلفا بعد أن أديا الدور المطلوب منهما بإنقاذ الرأسمالية البرازيلية من الانهيار وأصبح عليهما أن يتلقيا جزاء "سنمار" من تلك الرأسمالية الرثة التي كانت تخشي اتخاذهما المزيد من الإجراءات الاقتصادية - الاجتماعية التي تقلل من امتيازاتها وتنتصر لاعتبارات العدالة الاجتماعية.

وطالب النجار بدراسة المبادرة الصينية "حزام واحد طريق واحد" كونها تشكل أحد المخارج الممكنة من النظام الاقتصادي الدولي الراهن القائم على الهيمنة الغربية والنهب الأميركي للعالم من خلال وضعية الدولار كعملة احتياط دولية بلا أي مبرر، حيث لا يمكن لهذه المبادرة أن تتحول إلى قوة مادية في الواقع إلا إذا التحق بها عدد كبير من الدول يتضمن قوى اقتصادية مؤثرة يمكنها مع الصين أن تخلق فضاء اقتصاديا موازيا إذا لم يتم إصلاح النظام الاقتصادي الدولي الراهن بشكل جوهري.

ورأى أنه نظرا لوجود توافق كبير بين الاقتصاد الصيني والاقتصادات العربية يتمثل بصورة أساسية في توافق قوائم التجارة السلعية والخدمية للطرفين بمعنى أن كل طرف لديه ما يحتاجه الطرف الآخر، فإن هناك فرصة هائلة لتطوير العلاقات الاقتصادية الشاملة بين الطرفين والتي تتطور بشكل سريع بالفعل وبخاصة في العشرة أعوام الأخيرة.

ونظرا للتباين الكبير في قدرات الاقتصادات العربية وارتباطاتها وتوجهات سياستها الاقتصادية الخارجية، فإن صياغة كل منها لعلاقاتها الاقتصادية مع الصين تقوم على قاعدة تبادل المصالح الممكنة بين الطرفين بشكل عادل ومتكافئ، وإن كانت بعض دول المنطقة العربية تغلب الاعتبارات السياسية والأيديولوجية على الاعتبارات الاقتصادية في علاقاتها الاقتصادية الخارجية.

وقال النجار إن الأهم من العلاقات الاقتصادية الفردية لكل دولة عربية مع الصين هو موقف تلك الدول من المبادرة الصينية "حزام واحد طريق واحد"، وموقفها أيضا من مجموعة "بريكس" التي أسستها الصين مع روسيا والهند والبرازيل وانضمت إليها لاحقا جمهورية جنوب إفريقيا، والتي تقوم الصين بدور القاطرة والقيادة لها. فهذا الموقف سيحدد بصورة أو بأخرى دور هذه الدولة العربية أو تلك في إصلاح النظام الاقتصادي الدولي، أو تشكيل كتلة اقتصادية دولية عملاقة تقوم العلاقات بين دولها على قاعدة التعاون السلمي والعادل والمتكافئ المستند لميراث طريق الحرير القديم الذي نهض التعاون الاقتصادي السلمي بين دوله المتفاوتة القوة على قواعد الاختيار الحر والعدالة والتكافؤ.

وشدد على أن تناقضات النظام الاقتصادي الدولي ستفرض تغييره حتميا، وستكون الصين كأكبر قوة اقتصادية على وجه الأرض فاعلا رئيسيا في قيادة التحولات التي سيشهدها النظام الاقتصادي الدولي. ومن المهم أن يكون لمصر والدول العربية عموما والرئيسية خصوصا دورا فاعلا في إصلاح النظام الاقتصادي الدولي وفي المشاركة في المبادرات الدولية لهذا الإصلاح وعلى رأسها مبادرة "الحزام والطريق" ومجموعة "بريكس"، وأيضا في وضع قيود على انفراد وهيمنة أي دولة على النظام الاقتصادي الدولي واستغلاله لمصلحتها بصورة انتهازية ولصوصية كما تفعل الولايات المتحدة التي تنهب العالم عبر استغلالها لوضعية الدولار كعملة احتياط دولية.

لكن ذلك يعتمد بصورة أساسية على مدى استقلال إرادة وقرارات كل دولة عربية ووجود رؤية لديها فيما يتعلق بصورة النظام الاقتصادي الدولي وتكافؤه وعدالته، وهو أمر معقد في ظل تبعية غالبية الدول العربية الرئيسية للولايات المتحدة ولروشتات صندوق النقد الدولي.

لكن وعلى أي حال فإن الدولة أو الدول العربية التي ستشارك بشكل فاعل مبادرات إصلاح النظام الاقتصادي الدولي ستساهم بشكل أو بآخر في منع صعود قوة مهيمنة جديدة تعمل بنفس قواعد الاستغلال والنهب الأميركية القديمة، وفي إرساء قواعد العدالة والتكافؤ كأسس حاكمة للنظام الاقتصادي الدولي المنشود والذي يمكنه أن يدعم النمو الاقتصادي الجماعي والمتواصل ويخلق بيئة اقتصادية دولية داعمة للتعاون والإخاء والسلام العالمي.

 

محمد الحمامصي

 
محمد الحمامصي
 
أرشيف الكاتب
باحث صيني: التاريخ والصين والعالم زوايا القيادة الجماعية لصين المستقبل
2017-12-11
أوروبيون يقرأون حضور عرب وعثمانيين في الأدب الأوروبي
2017-12-10
قراصنة المتوسط: تاريخ الأوروبيين في المنطقة مصدر مهم لسياساتهم المعاصرة
2017-12-09
في رواية 'حياة' .. الحياة أكثر تعقيداً من الموت
2017-12-08
أحمد السيد النجار: هناك تناقض موضوعي بين قوة الاقتصاد الصيني ودوره العالمي فعليا
2017-12-06
لور كاتسارو: عزوبية الفنان الحداثي الملاذ الوحيد المضاد لفكرة المستقبل
2017-12-04
يمنى طريف الخولي: هل يفترض التحرر من الموروث للبحث عن موروث آخر؟
2017-12-03
مهند النداوي يحذر: إسرائيل تعمل إلى إقامة دولتها العظمى في المنطقة العربية - النيلية
2017-12-01
خبير صيني يؤكد أن الإصلاحات الكبرى ساعدت على رفع مستوى معيشة الشعب
2017-11-30
باحث يمني يرصد دينامية التحولات البنيوية ومستوياتها في حركة التنوير الأوروبية
2017-11-28
المزيد

 
>>