First Published: 2017-12-07

عندما تأكل الأفاعي بعضها

 

لا خيارات الان لإيران إلا تعميق تورطها في اليمن أملا في تكرار تجربة حزب الله في لبنان.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد أبو الفضل

النهاية المأساوية التي وصل إليها الرئيس اليمني السابق علي عبدالله صالح، تؤكد أن مقولته الشهيرة "الرقص على رؤوس الثعابين" التي مكنته من حكم البلاد 34 عاما، لا بد لها من نهاية، فلا أحد يستطيع الاستمرار في اللعب مع الثعابين دون أن يلدغه أحدهم، فما بالنا إذا كان يرقص على رؤوسهم وتحولوا إلى أفاع؟

العبارة التي درج على ترديدها صالح كدليل على براعته السياسية والأمنية، جاءت من رحم خبرة طويلة في حكم اليمن والقفز على تعقيداته وتشابكاته، في الداخل والخارج، ونجاحه في تخطي فخاخ كثيرة نصبت له. فالرجل تحالف مع الجنوبيين وأعلن وحدة اليمن عام 1990 وبعد أربع سنوات دخل حربا ضروسا معهم، لا تزال مراراتها وتداعياتها مستمرة حتى اليوم.

وخاض ستة حروب ضد الحوثيين في أقل من ثمانية أعوام (2002- 2009) ثم تحالف معهم بعد خروجه من السلطة، أملا في أن يتمكن من القفز عليها مرة أخرى، وعندما تخيل أن الفرصة مهيأة أمامه أعلن انقلابه على الحوثيين، وأصبح قريبا من السعودية التي سبق أن تحالف معها وساندته كثيرا، ثم انقلب عليها من قبل وبدا قريبا من عدوتها اللدود إيران، عبر نافذة الحوثيين.

فعل ذلك أيضا مع جماعة الإخوان والسلفيين وتنظيم القاعدة وقبائل كبيرة وصغيرة مؤثرة، واشترى ولاءات متعددة وبدل تحالفات كثيرة. وبعد فترة من الصعود والهبوط، وضع الحوثيون النهاية الدرامية لقصة علي عبدالله صالح في اليمن، والتي ستكون بداية لمسلسل أشد غموضا، فالطريقة التي جرى بها اعدامه وسحله (في 4 ديسمبر) تؤكد التشفي ليس في الرجل فقط، لكن في مجتمع بأكمله.

وإذا كان هذا المجتمع مسلحا بطبعه وتلعب فيه القبيلة دورا بارزا، سوف تكون المأساة مضاعفة، وكأن هناك من يريد إذلال الزعامات العربية عمدا، وبصرف النظر عن اتفاقنا أم اختلافنا، فالطريقة التي ألقي القبض بها على الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين، ثم محاكمته واعدامه، مهينة ولم تبارح ذهن صالح نفسه، ومع أن الرجل كان صامدا وقويا في مواجهة تنفيذ حكم الإعدام في 30 ديسمبر 2006، لكن أتباعه والعرب عموما لن ينسوا مشهد وضعه أمام المقصلة، بعد أن كان يملأ العراق والساحة العربية ضجيجا، ولن ينسوا صور صالح التي تعمد الحوثيون نشرها ليؤكدوا أن طبع الثعبان يغلب تطبعه.

لن ينسى أحد مشهد اعدام وسحل العقيد الليبي معمر القذافي في 20 أكتوبر 2011، والذي فتح الباب أمام حرب لم تنطفئ جذوتها حتى الآن في ليبيا، وكأن من دبر عمليات القتل الثلاث جهة واحدة، أو جهات مختلفة تجتمع حول هدف واحد، هو اشعال الفتن وحرمان المنطقة من أي هدوء واستقرار قد تنعم به، وتحويل الأنظار عن بعض الملفات الإقليمية، وشغل العالم بتفاصيل قضايا أخرى بديلة.

الملاحظ أن عاصفة اليمن الجديدة، جاءت وسط ظهور ملامح هدوء في العراق، تلت القضاء على أسطورة داعش في الأنبار، وفرملة نتائج الاستفتاء على مصير كردستان العراق، ودخول التسوية السياسية للأزمة السورية مرحلة متقدمة، عقب سيطرة قوات النظام على كثير من مفاصل البلاد، واتجاه قوى إقليمية ودولية للحديث عن انهاء وجود القوات الأجنبية، في إشارة واضحة إلى إيران وميلشياتها المتباينة، وتواتر الحديث عن ضرورة نأي لبنان، حزب الله تحديدا، عن التدخل في شئون دول أخرى، مثل سوريا والعراق واليمن.

من هنا، اتجهت الاتهامات على الفور إلى إيران التي يطلق عليها البعض "الأفعى الكبيرة" في المنطقة، ومشاركتها في التحريض على قتل صالح، ليس بحكم تحالفها الوثيق مع الحوثيين، لكن لأنها أمهر منه في لعبة الرقص على رؤوس الثعابين، وتريد أن تثقل هذا البلد بأزمة داخلية تخطف الأنظار منها، وتخفف الضغوط الواقعة عليها لرفع أياديها عن كل من سوريا والعراق ولبنان.

ربما يكون اليمن نقطة ارتكاز مهمة في حسابات طهران وثعابينها وجحورهم، لكن صنعاء لا تزال محطة في طور التكوين، مقارنة بالوجود الإيراني في كل من دمشق وبغداد وبيروت، وخطة لفت الانتباه إلى صنعاء بدأت مع إطلاق الحوثيين صاروخا باليستيا نحو الرياض الشهر الماضي، وتكرار التجربة مع أبوظبي قبل أيام.

ولم تكن الطريقة التي تمت بها تصفية علي عبدالله صالح بعيدة عن منهج تكثيف الأضواء على صنعاء، بغرض ابعادها عن العواصم الثلاث الأخرى، والإيحاء بأن سموم الأفعى الأم لن يتم ابطال مفعولها بسهولة.

البيئة الداخلية في اليمن بالطبع مهيأة لتقبل هذا السيناريو، وإذا أضيفت لها البيئة الإقليمية، حيث قوات التحالف العربي، بقيادة السعودية، تحارب هناك منذ ثلاث سنوات لدعم الشرعية، سوف تزداد الأوضاع سخونة وارتباكا.

صيحة الاستنفار التي أطلقها الرئيس اليمني عبدربه هادي منصور، المدعوم من التحالف، تجاه قوات الجيش للزحف نحو صنعاء، بداية لمواجهة محتدمة، تتداخل فيها أوراق محلية وإقليمية ودولية عديدة، يمكن أن تضع نهاية سريعة للحوثيين أو تمنحهم نفوذا فوق نفوذ.

قيادة الحوثيين رأت أن التخلص من علي عبدالله صالح ربما يفت في عضد قواته ويؤدي إلى تحلل بعض العناصر التي وفرت دعما له، وقد تسعى قوى أخرى، من إخوان وقاعدة وسلفيين وقبائل، للامساك بزمام المبادرة لخلط الأوراق، وكلها عوامل تجعل البيئة مناسبة لمزيد من اتساع نفوذ الحوثيين وإيران، الذين يجدوا في الفوضى ملاذا آمنا، قد تمكنهم من توسيع رقعة حضورهم في شمال اليمن، واعادة تكرار تجربة حزب الله في جنوب لبنان.

المنهج الذي اختاره علي عبدالله صالح وأودى بحياته، لا يختلف كثيرا عن المنهج الذي يتبناه الحوثيون، ولتفادي تحالف بقايا قوات الجيش مع الحرس الجمهوري واحتمال تنصيب أحمد علي عبدالله صالح قائدا لحزب المؤتمر الشعبي وتوطيد العلاقات مع قوى يمنية مؤثرة، سوف تضطر طهران إلى توسيع نطاق الدعم لمن هم خارج نطاق الحوثيين، خاصة من الجماعات الإسلامية المتطرفة التي يعج بها اليمن، وهنا قد تأكل الأفاعي نفسها.

 

محمد أبو الفضل

الاسم هارب من أشعة الوهم
الدولة مغترب في كوكب الأرض

لم يكن اليمن قط يوما للافاعي ، بل كان للبساطة والسعادة ، دخول قوى خارجية عبر قرن كامل تجعل الحراث في الأرض الخصاب لا يرى إلا الأفاعي تركض بين الصخور ، اما الطيور فلا يراها لأن عينه على المحراث والميراث .الحراث يجمل الأرض او يدمرها.

2017-12-07

 
محمد أبو الفضل
 
أرشيف الكاتب
عندما تأكل الأفاعي بعضها
2017-12-07
الخرطوم.. غزل ومكايدات سياسية
2017-11-30
الفرار من الحرب في لبنان
2017-11-23
السعودية الجديدة
2017-11-12
البعد الغائب لحل الأزمة الليبية
2017-11-02
في معنى ترميم الدولة العراقية
2017-10-26
الرسالة الخاطئة للإرهابيين
2017-10-19
أخطر من الدفاع عن مصر
2017-10-12
نمر فلسطين أم نمور إسرائيل؟
2017-10-05
مصير الأكراد وجنوب السودان
2017-09-28
المزيد

 
>>