يستقطب البطريرك الماروني الحركة الدبلوماسية والسياسية الجارية في لبنان، والآمال معلقة على لائحة باسماء مرشحين الى الرئاسة قد يضعها او لا يضعها، وهي ليست المرة الاولى التي يلعب فيها البطريرك مثل هذا الدور المرجعي.
وفيما لا تزال المعلومات متناقضة حول ما اذا كان البطريرك نصرالله صفير اعد اللائحة المطلوبة منه ام لا، وان كان وافق على اعدادها ام لا، توقف محللون عند هذا الاختزال للازمة والخيارات عند "رجل واحد" بدا وكانه يعود له ان يقرر مصير الرئاسة والرئيس، في ظل غياب تام للمؤسسات الدستورية.
وترى مديرة معهد العلوم السياسية في جامعة القديس يوسف فاديا كيوان ان لجوء الجميع الى "رجل واحد هو رجل دين لكي تكون له الكلمة الاخيرة" في اختيار الرئيس يدل على ان "الاقنية الديموقراطية غير سالكة".
واوضحت ان "آليات العمل الديموقراطي في البلد كلها مجمدة، وغير قادرة على تخريج نتيجة" على صعيد انتخابات الرئاسة التي بدأ العد العكسي للفترة الدستورية الاخيرة المخصصة لها الاربعاء.
واعلن وزير الخارجية الفرنسي برنار كوشنير في ختام زيارته الى بيروت الثلاثاء ان البطريرك صفير سيضع الاربعاء او الخميس لائحة باسماء مرشحين الى الرئاسة، على ان تنقل الى رئيس المجلس النيابي نبيه بري والنائب سعد الحريري (اكثرية) اللذين يعقدان اجتماعات منتظمة في محاولة للتوصل الى مرشح توافقي للرئاسة قبل انتهاء ولاية الرئيس الحالي اميل لحود في 24 تشرين الثاني/نوفمبر.
وكان بري والحريري وجها نداء الى صفير في العاشر من تشرين الثاني/نوفمبر طلب منه "ان يجمع القادة الموارنة الاساسيين بهدف التوصل الى وضع لائحة اسماء مرشحين توافقيين لرئاسة الجمهورية".
لكن صفير الذي كثف خلال الفترة الاخيرة مبادراته في محاولة للوصول الى حل للازمة، اكد مرارا لمحادثيه رفضه المبدئي الدخول في لعبة التسميات.
ويقول الكاتب انطوان سعد، واضع سيرة البطريرك صفير، ان هناك اسبابا عدة تجعل البطريرك رافضا في المبدأ لفكرة تسمية مرشحين رئاسيين بينها "حرصه على الحفاظ على هيبة البطريركية المارونية ورفضه الدخول في خصومات مع اي من القيادات، لا سيما المسيحية منها" الموزعة بين المعارضة والاكثرية.
ويضيف سعد الذي التقى البطريرك صفير اثر لقاء هذا الاخير مع كوشنير، ان صفير لا يريد ايضا ان يقدم على عمل "يعكس ضعفا في الحياة السياسية الديموقراطية".
كما ان من ابرز الاسباب التي تحول دون تسميته لمرشحين "شعوره الشديد بالمرارة" ازاء تجربة سابقة في هذا المجال في 1988.
ويربط العديد من اللبنانيين والسياسيين بين ما يجري حاليا وبين ما حصل في 1988، يوم لم يتمكن مجلس النواب في ختام عهد الرئيس السابق امين الجميل من انتخاب رئيس جديد للجمهورية.
يومها، تكثفت الضغوط الدولية على البطريرك صفير ليقدم لائحة باسماء مرشحين الى الرئاسة، فتجاوب بعد طول تردد.
ويروي انطوان سعد في كتابه "السادس والسبعون، مار نصرالله بطرس صفير"، ان صفير سلم السفير الاميركي في لبنان آنذاك جون ماكارثي لائحة تتضمن اسماء خمسة مرشحين كان بينها اسما المرشحين الحاليين الى الانتخابات ميشال عون وبطرس حرب.
وكانت آلية التفاوض تقضي بان يسلم الاميركيون اللائحة الى السعودية التي تسلمها بدورها الى سوريا، صاحبة النفوذ من دون منازع في حينه في لبنان.
ووصلت اللائحة الى دمشق التي اعلنت على لسان حلفائها في لبنان رفضها لكل الاسماء الواردة في اللائحة ورفضها كذلك لآلية الترشيح من جانب البطريرك. وتلت ذلك سنتان طويلتان من الفراغ في سدة الرئاسة ومن الحروب الداخلية.
وقال سعد ان صفير قد يكون اقتنع اليوم من الفرنسيين وقرر الاستجابة لطلب التسمية بعد ان ادرك ان البديل هو الفراغ والانقسام، مضيفا "غير ان البطريرك يطلب ضمانات لجهة ان يتخطى الدور الفرنسي دور ساعي البريد، بمعنى ان يساهم عمليا بنجاح المبادرة".
ويشدد الكاتب السياسي جهاد الزين الذي وجه اربعة نداءات من خلال صحيفة "النهار" الى البطريرك صفير، كان آخرها بعنوان "نداء اخير الى غبطة البطريرك، المجازفة الاستراتيجية لا الامان التكتيكي"، ردا على سؤال عما اذا كان التوجه نحو البطريرك لا يعني تجاوزا للمؤسسات وللآليات الدستورية، على وجوب عدم الخلط بين "الاصلاح واولوية الانقاذ".
ويضيف "نحن في زمن نحتاج فيه الى انقاذ لا الى اصلاح. ليس المطروح اليوم اصلاحا يعالج علاقة الديني والمدني، بل المطروح انقاذ الدولة اللبنانية من خطر الانهيار".
ويتابع "من جهة اخرى، في زمن تعيش المنطقة انفجار صراعات وحساسيات سنية شيعية، يبدو التطلع الى دور البطريرك والكنيسة تعبيرا عن الحاجة الى دور المسيحيين من اجل تأمين التوازن الداخلي".
الا ان سعد ينقل عن البطريرك تساؤله "من سيضمن فتح ابواب مجلس النواب لانتخاب الرئيس، اذا وضعت اللائحة؟".