قبل نحو خمس سنوات وفي شارع التحلية العريق في جدة، كان ثمة موكب بثلاث سيارات فارهة.
تتوقف امام مجموعة محلات ملابس عالمية، يترجل منها مجموعة شباب بستايل اجنبي متميز بعضهم بشرتهم سوداء بالكامل، يطلق عليهم في جدة بالدكارنة او العبيد، قاموا باخلاء الطريق ونزل بعدها مايكل جاكسون مختالا محلقا في نظراته كتلك التي نشاهدها على الشاشات، لم اكن قد عرفت بان جاكسون هذا يقوم بزيارة للملكة في ذلك الحين الا بعد ان نبهني احد الاصدقاء ان هذا ليس بمايكل جاكسون الاميركي بل هذا هو النسخة السعودية له، وهو من عائلة ذات قيمة فوق الوصف سعوديا، وهو من الشخصيات التي تشاهد مرارا وتكرارا في موكبه هذا في شوارع جدة، هذه النسخة "المكربنة" عن مايكل جاكسون التي شاهدتها بام عيني لا بد خضعت لعمليات تجميلية وجها وطولا ووزنا وديكورا حتى وصلت الى هذا الشكل المسخ المومياء الذي تتهاوى منه فطرة العين اذ تشاهده.
لا اعرف ماذا حل بهذه النسخة المسخ لجاكسون، لكن النسخة الاصل قد انتقلت الى جوار ربها راضية مرضية صبيحة هذا اليوم الجمعة الموافق في الثالث من رجب لعام 1430هجرية، بعد نحو 35 سنة من النجومية التي سحقت رؤوساء دول ومنظرين ومفكرين وشخصيات رياضية، سحقت نجومية كل الرؤساء الاميركيين الذي لم تشر دراسة يوما ما ان رئيسا اميركا وصل اسمه الى 50 مليون اميركي، في الوقت الذي بيعت فيه اسطوانة واحدة لجاكسون ما ناهز 50 مليون نسخة شرعية ومثلها اضعاف من النسخ غير الشرعية، هذه النجومية التي تتناسب مع عالم فج هش، كانت تنقل جنازة الملك الاردني الراحل الحسين بن طلال عام 1999 عشرات المحطات الغربية عندما ترجل من الطائرة الاميركية للمشاركة بالجنازة اربعة رؤوساء اميركيين، فكان من معلق احد الفضائيات الغربية التي يعرف ان الوفد الاميركي يشارك فيه اربع رؤوساء ولا بد ان المذيع قد دون اسماءهم كتابة، لكنه فشل في موافقة الاسماء مع الشخصيات عندما نزلت تباعا من الطائرة، فقد اخطأ بين جيرالد فورد وكارتر لكنه لم يخطئ كلنتون الذي كان في سدة الحكم مع بوش الاب الخارج حديثا من البيت الابيض، لكن من غير الممكن ان تجد مواطنا اميركيا وليس مجرد مذيع او اعلامي معروف يخطئ صورة مايكل جاكسون مع الفيس برسلي، من غير الممكن ان يحصل هذا ربما بعد 50 سنة من ترجل مايكل جاكسون عن عرش البوب الفارغ الليلة، وقد خلاها جاكسون فيمن "يخليها"!
العالم الغربي اليوم هو الوجه المثال الذي ينظر له في احلام شباب الشرق، هو الذي يصنع الرموز ويعيشها هو الذي يروجها، هو الذي يخلق من هذا الاسود المبيض والرجل المتخنث والموسيقي المضطرب والكهل المتشبب، يصنع منه اسطورة تمتد من لوس انجلوس الى (جدة غير..) وخلالها صنعت رموزا هي الاسوأ سلوكا ومثالا لتكون وجها منظورا للجيل، كما في اسطورة الكرة الارجنتيني، مارادونا اسطورة رياضية ربما فعلا هو كذلك، لكن بوجه اخر من المخدرات والعنف والاعتداء والمواخير..!
لقى اليوم جاكسون الاسطورة وجه ربه، وهذا ليس شأننا على اي وجه لقاه، لكن هذا التسطيح العربي الغبي الذي رافق مسيرة هذا الرجل او هذا "الشيء الاخر..!"، بالفعل ما يثير الحنق والقرف، لعل اخرها الحديث الساذج عن اسلامه، وعلى رائ اصحاب البزنس ما كان يزيد للاسلام الممتد الى 14 قرنا لو اسلم شخص كمايكل جاكسون. ما كان يزيد من عمق الاسلام وانسانيته لو اسلم هو وكل فرق الروك والبوب الاميركية العاملة في اميركا الغربية واللاتينية، ما كان سيزيد الاسلام شأنا لو صح ان جنكيز خان وهولاكو قد اسلما فعلا. اشياء ومشاعر متناقضة تراودني وانا اتابع وفاة مايكل جاكسون وتابعت تفاعلاته قبل ذلك اكثر هنا في مجتمع مسلم، لعل ذروتها في النسخة المسخ في جدة التي لا تبعد اكثر من 70 كيلو مترا عن مكة حيث اشرق الاسلام ويحزن اليوم.
محمد حسن العمري