منذ أيام قليلة، أصدر الكاتب الصحفي الأريتري محمود أبوبكر، أول أنطولوجيا لأدب بلده المكتوب باللغة العربية، وذلك عن منشورات "أهل البيت" بالجزائر. العمل الجديد اختاره له صاحبه عنوان "مرايا الصوت"، ويعطي نظرة بانورامية على تجربة أدبية متميزة في تلك المنطقة من القرن الأفريقي، وهي جزء من أرض الحبشة التي عرفها العرب قبل قرون كثيرة، وانطلاقا من الكتاب كان هذا الحوار:
* هل كان يجب انتظار صدور هذه الأنطولوجيا، حتى يعرف القارئ العربي أن هناك أدبا في أريتريا يكتب باللغة العربية؟
ـ هذا السؤال يحمل أكثر من إجابة. وقد لا أكون موضوعيا إن أجبت عليه بنعم أو لا، فالواقع أن هذه الانطولوجيا، وإن اعتبرت الأولى بالنسبة للأدب الأريتري المكتوب بالعربية، فإن هناك أنطولوجيات صدرت لذات الأدب مترجما للغات الأجنبية، مثل الإنجليزية التي صدرت بعنوان (who need story)، وكذلك أنطولوجيا القصص الأريترية المكتوبة بالعربية والتي صدرت مترجمة للغة الفرنسية مؤخرا، وغيرها من الإصدارات فضلا عن أن هناك روايات ومجموعات قصصية ودواوين تصدر باللغة العربية من دور نشر مختلفة، إلا أن المسألة كانت دوما تتعلق بوصول تلك الإصدارات إلى الجزائر والمغرب العربي عموما. فمن النادر أن تجد في المكتبة الجزائرية إصدارات أدبية أريترية. باستثناء مثلا رواية "أحزان المطر" لأحمد عمر شيخ، "تيتانيكات أفريقية" لأبي بكر حامد.
ويعلل أبوبكر غياب الأدب الأرتيري - وإن لم يكن غياباً مطلقا في رأيه - بمبررات موضوعية، حيث إن هناك أدباء وشعراء أرتريين نالوا نصيبهم من الحضور والشهرة (أو أفلتوا من العزلة على الأقل)، سيما في المشرق العربي، إلا أن السبب الأساس في اعتقاده يتمثل في شح النتاج الأدبي المنشور، وتناول ذلك في مقدمة الانطولوجيا بالتفصيل.
ويقول: هذا الشح في النشر في حد ذاته عائد لظروف تاريخية معينة مرت بها أريتريا والتي يصعب حصرها في هذا الحوار، لكن يكفي أن نشير إلى أن البلاد لم تستقل إلا قبل 17 عاما (من الآن)، وأن ثلاثة عقود من الزمن صرفت في الكفاح المسلح من أجل الاستقلال. وهذا العامل بجانب أنه سببٌ في "الغياب المفترض" فهو أيضا عامل مؤثر في "هوية النص وإشكالياته ونمطه". وهذا ما يتضح من خلال قراءة الأنطولوجيا.
* انطلاقا من العنوان، هل للصوت الأدبي في أريتريا أكثر من مرآة، وأين يرى وجهه بشكل أوضح؟
صحيح، وربما لذلك أتى العنوان متسقا مع هذا المعطى، ولذلك تجدني أصر على القول "الأدب الأريتري المكتوب بالعربية"، لأن هناك أكثر من لغة كتابة، وأكثر من امتداد للثقافة الأريترية التي تنازعتها – تاريخيا- عدة روافد لحضارات عاشت وانصهرت في هذه البقعة من الوجود والتي تعد بمثابة قنطرة التلاقي بين أفريقيا وجزيرة العرب، وفي أقصى المضيق، حيث يضيق الفارق ويفتح بابا للتلاقي مع المحيط الهندي عبر خليج عدن. كل تلك الخصوصيات الجغرافية والتاريخية والثقافية لها حضور واضح في التشكيل الثقافي الأريتري وفي رسم خارطة "الصوت الأدبي".
فنحن ننتمي إلى القارة الأفريقية جغرافيا، ونرث منها بعضا من خصوصياتنا، ولكن في الآن نفسه نحن جزء من المحيط العربي لغةً ووجدان. وبالتالي فالأدب الأريتري في اعتقادي يعيش في هذه "التخوم الثقافية" إن صح التعبير.
إن الكتاب الأريتريين يكتبون بالعربية لأنها جزء من واقعهم ومكون أساسي من ثقافتهم، واللغة العربية هي إحدى لغات الكتابة في أريتريا وليست الوحيدة. حيث أن هناك أدبا راقيا وعالي الحساسية يكتب باللغات المحلية الثمانية بجانب العربية، وهناك أيضا اللغات الأجنبية كاللغة الإنجليزية والإيطالية لها حضورها في المشهد الأدبي الأريتري.
وعن خصوصية الأدب الأريتري المكتوب العربية مقارنة مع الآداب العربية الأخرى، قال محمود أبوبكر: لعل هذا الأمر يحتاج إلى دراسة موضوعية للمختصين والأكاديميين، لكن من البديهي التأكيد على أن هناك خصوصيات تنبع من الواقع التاريخي والجغرافي، اللذين يمثلان خلفية مهمة للأدب، فهذه الدولة الصغيرة تتمتع بتعدد لغوي – ثقافي - ديني فريد، وهو مصدر إثراء وصقل للكتابة الأدبية.
وتوظيف هذا "الموروث الهائل" من المعطيات المتعلقة بالأساطير والحكايا الشعبية القديمة، يمكن أن يبرز ويضفي جزءا من "الخصوصية" الأريترية على الأدب المكتوب بالعربية. وإن كنت أعتقد جازما – على الأقل حتى الآن - أنه لم يتم استغلال هذا الجانب وترجمته كما ينبغي في النصوص المنشورة.
وأضاف: لأسباب كثيرة كنت مهتما بإبراز النصوص الأدبية المكتوبة بالعربية، وربما هذا ناتج عن "تكويني" أو عن ما أرى أنه جزء من مسؤوليتي. أما بالنسبة للأدب المكتوب باللغات الأخرى فاحتفائي به لا يقل عن هذا الأدب، ولكن ربما إمكانياتي المحدودة لا تؤهلني أن أذهب بعيدا فيه. ولكن لا أذيع سراً إذ أقول إن أحد الناشرين العرب اقترح علي منذ فترة، إصدار انطولوجيا للأدب الأريتري المترجم للعربية، من اللغات الأخرى. وهي فكرة أضحت تراودني أكثر، خاصة بعد صدور "مرايا الصوت" والتحفيز الذي وجدته من بعض المهتمين بالمشهد الثقافي الأريتري.
الخير شوار ـ الجزائر