حتى فترة ليست بالطويلة كانت مصر هي المحج الاول لابناء دول الخليج العربي، للعلاج ومتابعة حتى الحالات الطبية المتوسطة والخطيرة، وساهم في ذلك ابناء مصر الذين يهيمنون على معظم المهن الطبية داخل السعودية ودول الخليج العربي، وظلت هذه الحال قائمة الى ان بدأت تتحول مهن القلوب الرحيمة الى مهنة استغلال وجشع، لا يتعامل مع مرضى هذه الدول كحالات انسانية تستدعى الرحمة، بل ينظر اليها كالدجاجة التي تبيض بترولاً، في اعشاش الاطباء والمستشفيات المصرية، فكان نتيجة ذلك ان الدول العربية الاخرى بدأت تسحب البساط من تحت مصر في السياحة العلاجية مثل لبنان وسوريا والتي لحقت بعد حين بمصر من حيث الفكرة والنتيجة!
وحتى قريباً من اقل من عشرين سنة، كانت الاردن المعروفة بتميزها بالقدرات الطبية هي الملاذ المناسب للعدد الاكبر من مرضى دول الخليج، وهو ما كنا نتباهى به اذ نعمل في هذه الدول.
لكن النتيجة على طريقة محمود درويش اذ شخّص النزاع بين فتح وحماس قائلاً: تبين اننا لسنا مثاليين ولسنا منفردين عن البقية، فأسرع ما انكشف المستور فغابت معظم الدول الخليجية وظلت السياحة العلاجية عندنا مقتصرة على فقراء العرب القادميين من اليمن وليبيا والسودان والذين بدأوا مثل غيرهم يتذمرون من الاستغلال البشع لهم حال وصولهم لمستشفيات الاردن!
في مهنة الطب هذه لا يوجد ما يحدد طبيب ما، لعمل اجراءت غير مناسبة لأي مريض إلا ضميره، فالمريض الذي يدخل لاجراء عملية ازالة اللوزتين مثلاً قد يخضع لصور اشعة وتحاليل هو بغنى عنها تصل قيمتها لعشرة اضعاف تكلفة العملية نفسها، وهو الامر الذي يكون منوطا بالطبيب المعالج.
غير ان هذا لم يعد قائماً للأسف حتى في مستشفياتنا المحترمة، حيث اصبح المناوب الاداري مثلاً او محاسب المستشفى من يلقي تعليماته على الطبيب بضرورة اجراء هذا العمل او عدمه، لتتضخم فاتورة المريض آخر الأمر حسب ما يتوافق مع "الرسالة" و"الرؤية" التي تضحك بها الكثير من المستشفيات على ذقون المرضى وتطال الذقون الى الاجساد التي تصبح منجم بترول يدر دخلاً على ارباب المستشفيات، التي يملك بعضها اطباء وبعضها يملكه مستثمرون من خارج المهنة أصلاً!
في نظام التأمينات وحيث كنت وما زلت أتمتع بها في الدول التي اعمل بها خارج الاردن، اذا كنت مؤمناً في درجة معينة يتم دخولك فيها بالمستشفى، وهذا ضمن العقد المبرم بين المريض وشركة التامين، وبين شركة التامين والمستشفى، الا في الأردن وفي فترة الصيف حيث اتمتع بتأمين اردني خاص درجة اولى لم استفد منه في اي وقت، لان مستشفيانتا المحترمة تعتذر لعدم توفر غرف بالدرجة الاولى للمؤمنين صحياً، وهي خدعة تبينت لي من احد كبار الموظفين بإحدى كبرى المستشفيات، حيث تعطى تعليمات بحجز الغرف بالدرجة الاولى للمرضى العرب، على أمل استغلالهم على اكمل وجه، فيما تقوم المستشفيات بمحاسبة شركات التامين على الدرجات المنصوص عليها ببطاقات التامين، فاذا كنت انا كاردني من القطاع الطبي تعرضت للنصب من كبرى مسشتفيانا الراقية بالاماكن الراقية مرتين، بدخولي ومن اعيل بالدرجة غير المبرمة بعقد التامين خلال الصيف ورغم تأكدي بالهاتف من المستشفى نفسها ان غرف الدرجة المؤمن عليها متوفرة، اذا كان يحدث كل هذا لي كأردني، لا اعرف ما هو حال المريض الوافد الذي يدخل البلد ليعود مكسوراً مديوناً، ربما يقسم ألف مرة أن لا يعود للبلد!
وعلى القائمين على هذه المهنة ان يعلموا ان الخدمة الفندقية المرفقة مع الخدمة الطبية ليست هي هدف المريض، لان هناك مستشفيات خليجية اعرفها جيداً تقدم خدمات فندقية غير قادريين عليها في الاردن، لكن المستوى الطبي الاردني هو هدف المرضى العرب.
واليوم مع وجود مستشفيات خليجية عملاقة ميزانياتها فوق تصور وامكانات المستشفيات الاردنية مثل الحرس الوطني السعودي وفيصل التخصصي وتوام في الامارات وحمد في قطر ومستشفيات الكويت العتيدة ايضا، لم تعد امامنا نوافذ للتنافس الا بالقدرات الطبية والموضوعية والاخلاق التي يفترض ان تحكم اول ما تحكم هذه المهنة!
اذا اردت ان اتطرف اكثر، فاقول ان القطاع الطبي والسياحة العلاجية من الاولى ان تضبط بواسطة مؤسسة حكومية تمنع الجشع الذي سيقوضها خلال سنوات، وقوض اكثرها فيما مضى، ليست مؤسسة على غرار المؤسسة الطبية العلاجية التي حاربها اول ما حاربها الاطباء ففشلت بامتياز.
ولكن مؤسسة على غرار مكاتب الارتباط تضبط التكلفة العلاجية لاي حالة مرضية مع تصنيف مستوى الخدمة باي مستشفى، وتحديد الاجرات الطبية المرافقة بلجان متخصصة، تحول دون اي استغلال يذكر، وهو للاسف غير متبع الا بالمستشفيات الحكومية او شبه الحكومية التي لا تفرض عليها اجراءات غير مهنية لجني الارباح، وهو ما يستحق الاشادة.
وقد شاهدت موقفاً يستحق التسجيل من نبل هذه المستشفيات وهو مركز الحسين للسرطان، عندما رافقت صديقا عربياً بمنصب حكومي كان يريد لوالده ان يدخل هذا المركز، فتم عمل لجنة لدراسة حالته التي كانت في مراحلها النهائية وتم نصح المريض بعدم تكبد خسائر اضافية لان عمر المريض ووضعه لا يستدعى الخضوع للعلاج الكيماوي المرهق والمكلف، فكان من الزائر ان غادر الاردن وهو يثني على وجود قيم نبيلة تحكم هذه المستشفى خلاف الربح والجشع.
وهذا ما حصل مع مريض اخر اردني مقيم بالسعودية، نصحته بعمل فحوصات باحدى مستشفيانتا الخاصة وكان ابنه الطفل تظهر عليه ملامح القصر، فكتب له طبيب الاطفال هرمون النمو المكلف جداً وطلب منه شراءه من المستشفى كل عام، وتبين لوالد المريض بعد ان ذهب لمستشفى آخر ان ابنه لا يعاني من اي نقص في هرمون النمو وان حالته قصر طبيعي في قامته.
وليست هذه الحالة بأقل من حالة الطفل الليبي التي تنصلت المستشفى عبر مستشارها القانوني من اي مسؤولية عنه بعد ان فقد مسوغات وجوده في الحياة بخطأ طبي معترف به، ونعلم كل العلم ان الاخوة في "الجماهرية العظمى" خير من يدير النزاعات بين العرب اذا ارادوا، لكن بغياب المسؤولية الطبية وضعت هذه الحالة الاردن ـ كل الاردن ـ بموقف محرج، لو كان مضبوطاً بلجنة حكومية لكنا بغنى عن ذلك، ولو حصل لكسبنا سمعتنا بين الاشقاء لان الاخطاء الطبية تحدث حتى في اميركا ومحلها دائما القضاء!
هذا الجشع الذي يدمر سياحتنا العلاجية ويضعها في يد نخبة الله اعلم بها، وقبل ان نفقد البقية الباقية من المرضى العرب الفقراء كاليمنيين، بعد ان فقدنا الاغنياء منهم، نتمنى ان يكون الدور للدولة، فتنقذ ما يمكن انقاذه من احد مصادر الدخل والسمعة والاخلاق، التي تغيب او يغيب بعضها اليوم، جعلت الاخوة العرب يكفرون باي دولة عربية تكون أمينة على علاجهم فصاروا يحجون بعد الغرب الى دول لم نكن نعلم انها ستنافسنا في السياحة العلاجية، مثل الهند والباكستان، واقع مؤلم ليس باقل من الأمراض التي تطال نفوس وجيوب النخب اصحاب المهن الانسانية هذه!
محمد حسن العمري