كشف قرار محكمة عراقية بادانة صحيفة "الغارديان" البريطانية أثر مقال صحفي حول رئيس الوزراء نوري المالكي، عدم استقلالية القضاء وسقوطه في فخ الاحزاب الدينية الحاكمة في العراق.
وقضت محكمة في بغداد بتغريم صحيفة "الغارديان" مبلغ مائة مليون دينار عراقي "52 ألف جنيه استرليني" أثر مقال كتبه مراسل الصحيفة في بغداد غيث عبد الاحد في شهر نيسان/ ابريل يكشف فيه كيف تحول المالكي من شخص ينظر إليه ذات مرة على أنه ضعيف إلى حاكم مطلق.
ونسب عبد الاحد الحاصل على جائزة المراسلين في صحيفة "الغارديان"، لأحد ثلاثة من كبار ضباط المخابرات التقاهم بأحد مطاعم بغداد القول إن المالكي يحكم العراق حكما مطلقا مضيفا أن كل الأمور يتحكم فيها مكتبه ومستشاروه وأنه يحيط نفسه بأتباع حزبه وأبناء عشيرته.
وقال ضابط للصحيفة البريطانية الحساسة تجاه قيّم الاخبار "إنهم جميعا يشكلون دائرة مُحكمة تتولى زمام الأمور في العراق الآن، المالكي لا يبني بلدا بل دولة لحزبه ومحسوبيه".
ويعمل الضباط الثلاثة الذين اعتمد المراسل غيث عبد الأحد على شهاداتهم في تحليله للأوضاع هناك، في جهاز المخابرات الذي أسسته الولايات المتحدة بعد احتلال العراق.
وقال منتقدو المالكي إنه يركّز السلطات في مكتبه وإن مستشاريه يديرون "حكومة داخل حكومة" متجاهلين بذلك الوزراء والبرلمان. وهو بصفته قائدا عاما للقوات المسلحة يقوم بتعيين الجنرالات على رأس الوحدات العسكرية دون موافقة البرلمان.
ويضيف منتقدوه "أن أولئك الجنرالات كلهم من الموالين له وأنه أنشأ جهازا واحدا للمخابرات على الأقل يهيمن عليه أبناء عشيرته وأعضاء في حزبه وجعل وحدتين عسكريتين هما وحدة مكافحة الإرهاب ولواء بغداد تحت قيادته المباشرة. كما أنه زاد من حجم وزارة الأمن التي يشرف عليها أحد حلفائه".
ونقل المراسل عن مسؤول وصفه بأنه كبير بمجلس الوزراء القول إن العراق يدار الآن من قبل مؤسسات ليس لها سند بالقانون أو الدستور فهي تملك سجونها وجهاز مخابراتها الخاص بها، وتتصرف لصالح الحكومة وليس الدولة.
واضاف المسؤول "من الناحية الدستورية فإنه لدينا أجهزة استخبارات في وزارتي الدفاع والإعلام ولكن علاوة على ذلك لدينا وزارة الأمن الوطني التي يشرف عليها شيروان الوائلي حليف المالكي.
وذكرالمصدر نفسه أنه بموجب الدستور فإن عدد العاملين بوزارة الأمن لا ينبغي أن يتجاوز 26 فردا، لكن عددهم حاليا يفوق الألف.
ويمضي المراسل بتقريره إلى القول إن المراقبين غير العارفين بتاريخ العراق قد يستغربون من أنه بعد ست سنوات من الإطاحة بالرئيس السابق صدام حسين ومقتل مئات الآلاف من العراقيين وتريليونات الدولارات الضائعة وأكثر من أربعة آلاف جندي أميركي قتلوا هناك فإن البلد يعاد إعماره على النمط القديم القائم على تكريس السلطات وأجهزة مخابرات سرية وفساد.
واثارت تفاصيل هذا التقرير حفيظة المالكي، الامر الذي دفع المحكمة الى ادانة الصحيفة البريطانية بضغط حكومي واصدار قرار قضائي بالتعويض المالي.
وتجاهلت المحكمة شهادة ثلاثة شهود من الخبراء الصحفيين العراقيين ونقابي استدعي من قبل المحكمة نفسها، وجميعهم أكدوا ان تقرير صحيفة "الغارديان" لا ينم عن أي تشهير أو سب ولا يسبب أي أضرار للمالكي.
وبنت المحكمة المشكلة من خمسة اعضاء قراراها على على قانون لا يسمح للاجانب بنشر مقالات تنتقد رئيس الجمهورية أو رئيس الوزراء أو التدخل في الشؤون الداخلية العراقية، متجاهلة ان كاتب المقال الصحفي غيث عبد الأحد هو مواطن عراقي!.
وعبر وزير الخارجية البريطاني ديفيد ميليباند عن قلقه جدا مما سمعه عن قرار المحكمة، معتبرا "حرية التعبير امر اساسي في كل ديموقراطية".
وطالب ميليباند السلطات العراقية بضمان استقلالية المحاكم وفقاً للدستور العراقي.
وقال رئيس تحرير"الغارديان" الان روسبردجير "انه لامر مذهل، يحاول رئيس الوزراء المالكي ان يبني عراقا جديدا، حرا، الحرية تعني القليل بدون حرية التعبير وتعني ايضا اقل في حال حاول رئيس الدولة استعمال قانون القذف لادانة اي انتقاد او معارضة".
وقال الصحفي صلاح نجم المالكي "ان الشؤون القانونية حول الاعلام تبرمح من قبل الحكومة نفسها كما تفعل مع قناتها التلفزيونية الرسمية الناقلة لخطابها".
ونبه حسين الركابي الى مغادرة 12 من وسائل الاعلام العراق خشية من كبت أصواتها من قبل السلطات الحكومية.
وطالما زعم المالكي في احاديثه حول حرية الصحافة معتبرا اياها تشكل عنصرا أساسيا في جهود بناء الديمقراطية الوليدة في العراق.
وقال الصحفي روهان جاياسيكيرا "أصبح من الصعب الحصول على المعلومة في العراق بعد ان خول المالكي اجهزة الامن باستخدام اسمه في التعامل مع الصحفيين".
ووصف جاياسيكيرا تعامل رجال الامن الحكومي مع الصحفيين أشبه بالاعتداء على حرية عملهم، داعيا المالكي الى ايلاء حرية الصحافة أكثر مما متاح لها الان.
وعبر نقيب الصحفيين العراقيين مؤيد اللامي الذي كان أحد مستشاري المحكمة، عن انزعاجه من القرار، مؤكدا انه لا يوجد في نص التقرير المنشور في صحيفة "الغارديان" اي اهانة للمالكي.
وتوالت الاوامر الحكومية على وسائل الاعلام العاملة في العراق محذرة اياها من التناول الصريح للاحداث او كشف الفساد المستشري في الحكومة. الامر الذي دفع بعضها الى الخضوع متخلية عن قيّم الاخبار، أو اقفال مكاتب بعضها في بغداد.
ووصف جبار طراد أحد اعضاء منظمة حرية الصحافة الاوامر الحكومية بالتكتيك الفعال لاسكات الاصوات المعارضة والكاشفة لمواضع الخلل والفساد "الامر الذي دفع الى تناقص مؤسسات الاعلام الخاص في العراق، بعدما تعمد مجلس النواب في تأخير اصدار قانون حماية الصحفيين".
ورفع المالكي وعدد من أعضاء حكومته أربع قضايا في المحاكم ضد وسائل الاعلام العالمية العام الماضي منها صحيفتي "الغارديان" و"نيويورك تايمز" ووكالة الصحافة الفرنسية (ا ف ب)، فيما أجبرت قناة الجزيرة على الخروج من العراق بدعوى مناهضتها للحكومة.
ولا تملك وسائل الاعلام الاجنبية العاملة في العراق اي وسيلة فعالة للدفاع عن نفسها، كما لا يوجد ما يكفي من الثقة في النظام القضائي القائم في العراق حالياً.