الجزائر ولندن ـ أعرب سياسيون جزائريون معارضون عن أسفهم لعودة النقاش هذه الأيام عن امكانية منح الجنسية الفرنسية لأبناء الجزائريين الذين رفضوها في استفتاء عام 1962، وحملوا الحكومة الجزائرية مسؤولية انجرار فئات كبيرة من الشباب الجزائري وراء حلم الحصول على الجنسية الفرنسية بسبب انسداد آفاق الفعل والعيش الكريم في بلادهم.
وأكد مرشح الرئاسيات السابق والأستاذ الجامعي الدكتور أحمد بن محمد أن ولاء الشباب الجزائري لوطنه وهويته لا شك فيه، وأن دافعه الأساسي للهروب إلى الجنسية الفرنسية هو نظام الحكم القائم في البلاد، وقال: "مما يؤسف له أن الجزائريين الذين كانوا من أشد المسلمين تمسكا بالأرض وبالعرض وبالتاريخ وبالدين وباللسان، أصبحوا يلهثون وراء الجنسية الفرنسية. هناك ظاهرة وقعت بعد الاستقلال المزيف، بعد انتقال الجزائر من الكولونيالية إلى أشباه الجنرالات الذين جعلوا الشباب الجزائري يبغض بلاده وأمته، بل إن الشباب المؤمن أصبح يبغض نفسه إلى درجة أنه يلقي بنفسه في البحر فرارا من واقعه".
وأضاف "إن الذين يفرحون بالجنسية الفرنسية هم أشباه الحكام الذين يملكون نصف البطاقة، والنصف ولكنهم يملكون ثروات هائلة في الغرب، أقول لو كان هناك نظام شرعي يحب الشعب ويحبه الشعب لبقي الشعب الجزائري كله هنا، ولو أدى به الحال إلى أن يكتفي بالثوم والبصل، لقد جعلوه يكره نفسه ويكره وطنه ويكره من يحكمه".
واستبعد بن محمد أن يقبل الشباب الجزائري على الرغم من سوء أوضاع بلاده بسبب السياسة المتبعة، أن يتنازل عن هويته وولائه لبلاده مقابل الجنسية الفرنسية، وقال: "حال الشباب الجزائري هذه الأيام كحال ذلك الولد الذي فقد أمه ووضع أمام زوجة أبيه وسئل عما إذا كان يحب زوجة أبيه أملا، فقال: أحب زوجة أبي والذي في القلب في القلب، والشباب الجزائري يحب شعبه ويحب بلاده ولا يرضى عنها بديلا، إلا مكة أو المدينة المنورة أو القدس الشريف، لكن هذا النظام هو الذي يحب فرنسا، وجعل الناس يتمنون الموت في فرنسا عن الحياة في الجزائر"، على حد تعبيره.
وفي العاصمة البريطانية لندن قلل الناشط السياسي الجزائري المعارض الديبلوماسي السابق محمد العربي زيتوت من أهمية العودة للحديث عن الجنسية الفرنسية، وقال: "حتى الآن النقاشات الدائرة كلها لا تزال في الإعلام لا أكثر ولا أقل، وليست هنالك خطوات عملية باتجاه وضع تصورات فرنسية محددة لمنح الجزائريين الذين عاشوا أيام الاستعمار الفرنسي للجزائر الجنسية، ولا الشباب الجزائري المنتسب إليهم، والحديث عن وجود توجه لمنع الفرنسيين من ازدواجية الجنسية في سياق الإعداد لشباب جزائري يتخلى عن انتمائه الأصلي لصالح الجنسية الفرنسية، هي أيضا من الخطوات غير الممكنة عمليا على اعتبار أن أمر الجنسية المزدوجة لا يخص الجزائريين فحسب وإنما يخص فئات فرنسية تنتمي لدول غربية أيضا، وأقليات أخرى تعيش في فرنسا، وبالتالي الحديث عن قوانين فرنسية من هذا النوع قد لا يكون مستساغا من الناحية القانونية".
وذكر زيتوت أن التقارير الإعلامية التي تتحدث عن ضخامة أعداد الشباب الجزائري الراغب في الحصول على الجنسية الفرنسية يمثل إدانة واقعية للنظام الجزائري.
وقال: "أعتقد أن حديث بعض وسائل الإعلام الجزائرية والدولية عن رغبة فئات كبيرة من الشباب الجزائري للحصول على الجنسية الفرنسية في سياق محاولة فرنسا إعادة التوازن الديمغرافي إلى المجتمع الفرنسي الآخذ في الشيخوخة، هو إدانة للنظام الجزائري أكثر منه تعبيرا عن إعجاب جزائري بفرنسا، فالشباب الذي أغلقت أمامه جميع أبواب الأمل في التغيير والفعل، أصبح يتطلع للجنسية الفرنسية، بل وأي جنسية أخرى تؤهله للفرار من الجحيم الذي يعيشه، للخروج من حالة العجز على الفعل لا أكثر ولا أقل، وقد فاجأني جزائريون اتصلوا من جزر الكراييف ومن الأرجنتين، وإلا فالجزائريون وطنيون وعروبيون ومسلمون لا يمكنهم أن يبدلوا هويتهم بأي ثمن".
لكن زيتوت أشار إلى أن فرنسا تعمل من جهتها على إعداد شباب جزائري على مقاسها ليكون نموذجا لمن هم أهل لجنسيتها، وقال: "فرنسا تعمل على معالجة أزمتها الديمغرافية من خلال العمل على خلق شباب جزائري يشرب الخمر ويأكل لحم الخنزير ويتخلى عن هويته وانتمائه، كما قال وزير الداخلية الفرنسي نفسه وهو يخاطب أحد الشباب الجزائري المولودين فر فرنسا، وهذه فئة موجودة لكنها قليلة ولا تذكر".
وكان مصدر أكاديمي جزائري طلب الاحتفاظ باسمه قد حذر مما أسماه موجة "فرنسة" للشباب الجزائري تقودها باريس من أجل سد العجز الديمغرافي والتفكك الأسري الذي يعيشه المجتمع الفرنسي، وحذر من أن إعادة تخيير الشعب الجزائري الذي يعيش في أغلبه ظروفا اقتصادية صعبة، بين الانتماء لفرنسا وبين البقاء في الجزائر قد يكون لصالح خيار العودة إلى فرنسا بسبب سوء معاملة الحكومات الجزائرية المتعاقبة له. (قدس برس)