مع اقتراب موعد معرض دولي للكتاب في أي دولة عربية، إلا ويترافق الموعد مع حملة إعلامية شرسة، تتورط فيها جهات أصبحت معروفة، ترفع شعار منع كتب معينة من دخول هذه المعارض، بحجة أنها كتب تهدد الأمن القومي لذلك البلد، وتنحصر القائمة عادة في الكتب الدينية، وتنتهي الحملة بانتهاء المعرض.
وفي غمرة تكرار هذه الحملات، وتطابق أطرافها وتشابه ألفاظها، نجد أنفسنا أمام بعض الحقائق الميدانية التالية:
ـ الكتب التي يتم منعها في المعرض الدولية العربية للكتاب، تحقق في فترة قياسية أرقاما خيالية من الأرباح، وتذهب دور النشر إلى إعادة طبعها مرارات عديدة، نتيجة الحملة التي ترفع مستوى استهلاكها، وتقود إلى نفاذها من السوق.
ـ يتحول كتاب هذه الكتب إلى نجوم ساطعة، تتسابق إليهم عقود القنوات الفضائية الثقيلة، وتتوسع مجالات التعامل الإعلامي معهم بشكل غير مسبوق.
ـ أجور هؤلاء في عقودهم مع القنوات الفضائية، تفوق أربع أو خمس مرات من أجور أكبر من نجوم السينما والغناء وغيرهم.
ومن الحقائق الميدانية الأخرى:
ـ الأطراف التي تقف وراء قرارات منع بعض الكتب من المشاركة في المعارض الدولية العربية للكتاب متعددة الجهات، متفقة على القرار، ومختلفة على المصالح، ومتباينة في الأهداف.
ـ أجهزة تابعة للنخب الحاكمة في الوطن العربي، ما تزال تؤمن بأن مواجهة التيارات الدينية، يكمن في الصدام بمختلف أساليبه وأنواعه، تظهر في لجان قراءة تتشكل مرة في السنة، من عدة شخصيات ميزتها الأساسية الخضوع للتقارير الإدارية، ولا علاقة لها بالقراءة.
ـ دور نشر معينة ومحترفة، تقوم إستراتيجية تسويقها للكتب على صناعة أزمات، وافتعال حكاية خطورة كتاب أو كتب معينة، وبأساليب معروفة وأثمان معقولة تندلع هذه المعارك، وتنتهي على المشهد الذي تريده هذه الشركات المتعاظمة سنويا.
ـ العديد من الشخصيات التي تقف وراء هذه القرارات، يظهر عليها الثراء الفاحش وفي فترة وجيزة، لاستفادتها من عضوية هذه اللجان، وتؤكد المؤشرات أن هذه الشخصيات تكون وراء قرارات المنع.
ـ تؤكد الإحصائيات أن الكتب الدينية تحقق أرباحا خيالية سنويا، وأنها تتصدر مبيعات الكتب، وأن دور النشر المتخصصة في الكتاب الديني أصبحت إمبراطوريات مالية حقيقية، والكل يعلم الرقم القياسي من الأرباح الذي حققه كتاب "لا تحزن" على سبيل المثال، وفي سنة واحدة فقط.
ـ انخراط بعض المؤسسات الإعلامية في الترويج للحملة، والتأجيج لسعيرها، وبالتثبت تظهر علاقة هذه المؤسسة بطرف من أطراف الموضوع.
ومن الحقائق الميدانية أيضا:
ـ الكتب التي تمنع في المعارض الدولية العربية للكتاب، كلها متوفرة على شبكات الانترنت ويسهل الوصول إليها وبكل سهولة، واستهلاك الكتاب عبر الانترنت يعادل أضعاف ما يستهلك عن الطريق العادي.
ـ يمكن للكتب الممنوعة الدخول إلى ذلك البلد، خاصة إذا كان محمول من طرف شخص، وقد دخل كتاب ممنوع من المشاركة في معرض دولي للكتاب في السنوات الأخيرة، إلى دولة عربية أكثر من العدد الذي كان مبرمجا من طرف دار النشر الممنوعة من المشاركة في معرض تلك الدولة.
ـ الكتب الممنوعة قديمة في الصدور، وحتى مضمونها أنتج منذ قرون، والكثير منها مختصر وأجزاء من مجلدات قديمة، موجودة في ذلك البلد منذ أزمنة بعيدة.
ـ عادة ما تكون تلك الكتب تتناول مواضيع الجهاد مثلا، وبالتحديد حركات معينة، مثل حزب الله أو القاعدة أو الإخوان أو تيارات أخرى، والكل يعلم أن وسائل الإعلام الحديثة، تخصص اغلب أوقات بثها لتغطية نشاطات هذه الجماعات والتيارات، وتتصدر أخبارها العناوين الأولى لوسائل الإعلام.
لقد أثبتت التجربة أن هذه الإستراتيجية تظهر كل سنة وفي كل الأقطار العربية، وتنتج عنها نفس النتائج، ولكن تتزايد كل سنة الأطراف المشاركة فيها، وفي كل معرض يحقق الكتاب الديني الرقم القياسي في المبيعات، وينتصر على غيره من الكتب الأخرى.
إن هذا الملف بحاجة إلى اهتمام جاد من طرف المهتمين وبالذات ما يتعلق بالمناقشة المسؤولة والتي تتناول القضايا الحقيقية والتي لها آثراها الميدانية في حياتنا اليومية.