لعبت النخبة المثقفة الجزائرية دورا بارزا في مواجهة الاستعمار الفرنسي منذ الوهلة الأولى لوطأة جنوده الغاصبين أرض الجزائر. حاربوا بالسلاح وحثوا على الجهاد كما قاوموا بالقلم والفكر حسب متطلبات كل مرحلة من مراحل النضال وحسب الإمكانيات المتاحة وتواصل الصمود.
وتوج نضال عقود باندلاع الثورة التحريرية المباركة والتي لم تعتمد كفاحها ضد المستعمر على المواجهة العسكرية فحسب بل على كل الأساليب المتاحة لتبليغ رسالتها بهدف التوعية الجماهيرية ونقل صداها إلى الرأي العام العالمي وهي المهمة التي لعب فيها المثقفون، الفنانون والرياضيون دورا أساسيا، مثلما كان للطلبة والعمال والفلاحين ومختلف الشرائح الشعبية.
فبعد تأسيس فريق جبهة التحرير الوطني أنشئت للغرض ذاته فرق مسرحية وسينمائية للتعريف بالقضية الجزائرية.
وحاول الاحتلال الفرنسي القضاء على الشخصية الجزائرية وطمس هويتها من خلال استهداف النخبة المثقفة وملاحقتها وقتل العلماء إضافة إلى مصادرة الكتب وغلق المدارس والكتاتيب. و تشجيع الدجل والخرافة.
النخبة المثقفة الجزائرية في مواجهة الاستعمار
تشير الدراسات التاريخية إلى أن النخب المثقفة الجزائرية تتابع ظهورها منذ البدايات الأولى للاحتلال، وحاولت الإدارة الاستعمارية منذ الوهلة الأولى للاحتلال تكوين نواة تتولى المناداة بالاندماج لتسهيل مهمة الاحتلال، غير أن أسلوب تغلغلها العنيف قد حال دون تشكل هذه
النواة، وكان لا بد من انتظار عقد الستينيات من القرن الـ19 لتبدأ هذه النواة في البروز، وكانت تتشكل من شيوخ جمع بعضهم بين التكوين الثقافي العربي الإسلامي والتكوين الغربي، وقد اقتصر دورهم على الدعوة إلى ''العلم'' واكتساب التكنولوجيا.
من جهة أخرى نظمت إدارة الاحتلال سنة 1938 رحلات إلى باريس للأعيان ولبعض الأطفال للتأثير على اتجاهاتهم وأفكارهم، وبالفعل ساهم ذلك في ظهور أدب الرحلات ذي الأهداف الدعائية، ومن أبرز تلك الأعمال رحلة محمد ولد القاضي المعنونة "الرحلة القاضية في مدح فرنسا وتبشير البادية".
وإلى جانب ذلك استخدمت الإدارة الفرنسية أسلوبا غريبا لتشكيل نخبة مثقفة ''مغتربة''، وقد تمثل ذلك في خطف الأطفال (1843) الذين بلغوا العاشرة من أعمارهم وحملهم إلى فرنسا وفصلهم عن ذويهم، وإدخالهم إلى مدارس مجهـولة، كحقـل تجارب للتأكد من قدرة الإدارة الاستعمارية على استمالة جزء من الشعب الجزائري، وتكوين اتباع وموالين لها.
وكانت إدارة الاحتلال تعتبر المدرسة الفرنسية أداة فاعلة لترسيخ الاحتلال على الأرض، حيث يقول أحد الفرنسيين: ''لقد تم الاحتلال الأول للجزائر بقوة السلاح، وانتهى عام 1871 بنزع سلاح القبائل والعشائر.
ويتضمن الاحتلال الثاني قبول إدارتنا وعدالتنا من قبل أهل البلد. أما الاحتلال الثالث فسيتم من خلال المدرسة. فالاحتلال سيؤكد تسلط على اللغة بمختلف لهجاتها المحلية، وإدخال الفكرة التي نحملها نحن بأنفسنا عن فرنسا ودورها في العالم إلى أذهان المسلمين، وذلك بإبدال الجهل والأحكام المسبقة المغالية بمفاهيم أولية للعمل الأوروبي الدقيق''.
ولم يدخر خريجو هذه المدرسة جهدا لدعوة أبناء جلدتهم للالتحاق بالركب الحضاري الغربي من خلال تعلم اللغة الفرنسية، لغة التمدن والتطور، فكما جاء في مقال مصطفى بن السادات (1867) المعنون (النصيحة الدرية في تأديب الذرية) اعتبر فيها اللغة الفرنسية وسيلة ليحصل لصاحبها العز.. وسار عدد كبير من المشايخ على الخط ذاته بالرغم من تكوينهم العربي الإسلامي.
غير أن سياسة التفقير والقمع ومصادرة الأراضي جعلت الكثير من هذه الدعاوى تذهب أدراج الرياح، بل إننا شهدنا بعد تسعينيات القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين ظهور جيل مثقف باللغة الفرنسية، يدافع عن الدائرة الثقافية العربية الإسلامية، ويحارب التجنيس والاندماج.
الاستعمار ورهان الاندماج
نجحت المدرسة الفرنسية خلال العشرينيات والثلاثينيات من القرن الماضي في إيجاد نخبة أخرى غير متصلة تماما بالدائرة الثقافية لمجتمعها، فقد حارب بعضهم إلى جانب الجيش الفرنسي، وبعضهم تطرف في دعوته مثل مجذوب بن قلفاط الذي دعا إلى انتزاع الأبناء من آبائهم وإرغامهم بالقوة على التعلم في المدارس الفرنسية ليصبح ''العربي إنسانا مستنيرا ومتخلقا''، ومن أبرز هؤلاء أيضا شريف بن حبيلس صاحب كتاب ''الجزائر الفرنسية من منظور أحد الأهالي'' الصادر سنة 1914 ولم يكن بعض أفراد هذه النخبة فاقدا تماما للارتباط بمجتمعه، لأن بعضهم دعا إلى إصلاح أوضاع الأهالي، وكان بالرغم من اختياره لسياسة الاندماج في أطر النظام (الكولونيالي) يتبنى مطالب ثورية تمثلت في المبادئ التي تعلموها في المدرسة التي تحمل شعارات الحرية والمساواة والإخاء.
اليقظة الثقافية وصعود الوطنية
يعتقد البعض أنه من المبالغ فيه القول أن المجتمع الجزائري لم يعرف آنذاك يقظة ثقافية مثل تلك التي رافقت صعود الوطنية وظهورها في البلدان الأخرى، وذلك بسبب ضعف ارتباط المثقفين الجزائريين بمجتمعهم، فبالعكس مما يقال فقد حاول المثقفون المحليون، على اختلاف توجهاتهم، إيقاظ الجماهير وتعبئتهم، وكما يقول مالك بن نبي فإن الفكرة الإصلاحية التي ظهرت في 1925 حرّكت المشكلة الجزائرية، وبدأت تشق الفكرة صفوفها وتتغلغل داخل الأوساط الشعبية التي كانت في أغلبها أسيرة الأوضاع المزرية والجهل المطبق.كان بعض أفراد ''النخب التقليدية'' أكثر اقترابا من الجماهير الأهلية، وبسبب خطورة الجهود الإصلاحية لهذه النخبة، وتحركاتها داخل الأوساط الشعبية صدرت القوانين التي تمنع تدريس اللغة العربية في الجزائر (1938).
وكانت فترة ما بين الحربين العالميين، والتي تصاعدت فيها المقاومة السياسية والحركات الوطنية، عرفت أبعادا جديدة للفعل الثقافي والسياسي، بعد أن انتقل الكثير من قادة الفكر والثقافة إلى العمل الحركي السياسي بعد تكوين أحزاب تترجم سياسيا مواقفهم وأطروحاتهم الفكرية ونظرتهم للاحتلال.
الثورة توحد النخب وتلم الشتات
فرضت حرب التحرير(1954-1962) القضية الوطنية على الواقع دفعت بأغلب النخب المثقفة الجزائرية، بالرغم من تباين انتماءات بعضها ''الحركية'' واختلاف خصائصها الثقافية، إلى توحيد صفوفها.وبالطبع، لم يكن من السهل على بعض النخب ''العصرية'' ذات التكوين المُفرنس، التي ينتمي أغلبها إلى البرجوازية الصغيرة الحضرية إلى الانخراط في هذا الاتجاه، فهي التي تخرجت من مدارس أنشئت لتكون أداة هيمنة وتأثير على الجماهير، وكان هدفها هو الاستقرار الاجتماعي وليس التغيير الاجتماعي وهذا لم يمنع عدد كبير من هذه الفئة من دعم الثورة والانخراط فيها.
أما النخب المفرنسة الراديكالية فقدمت نقدا لاذعا لسياسات الإدارة الفرنسية، ولممارساتها العنصرية وتوجهاتها الأيديولوجية، ودخلت في نقاش طويل مع مثقفيها حول الكثير من القضايا الثقافية والسياسية والاجتماعية. ويعتبر المفكر فرانز فانون من أبرز هذه الوجوه التي عوّلت على الطاقات المحلية، ولم تراهن أبدا على الأمميات العالمية لتحرير البلاد.
دور المسرح إبان الثورة التحريرية
ارتبط المسرح خلال فترة الاحتلال بنضال الشعب الجزائري مستمدا قضاياه من معاناته اليومية، فكان بحق مسرحا شعبيا. كما وظفت الثورة التحريرية المسرح واعتمدته جبهة التحرير الوطني، خاصة بعد مؤتمر الصومام 20اوت1956 بدعوة المؤتمر لكل المثقفين إلى الالتفاف حول الثورة، فاستجاب لها العديد من رجالات المسرح وفي مقدمتهم مصطفى كاتب وسيدعلي كويرات، وعبد الحليم رايس، علي بن مبروك وغيرهم بموجب النداء الذي وجهته جبهة التحرير في نوفمبر1957 من أجل إنشاء فرقة فنية.ظهرت أول فرقة فنية تابعة لجبهة التحرير الوطني في أفريل 1958 وتضم فرقتين: الأولى للمسرح، والثانية للغناء لعبت دورا هاما خدمة للقضية الجزائرية من خلال العروض الفنية التي كانت تقوم بها. وكشفت أهم المسرحيات الثورية التي قدمتها الفرقة الفنية لجبهة التحرير الوطني، للرأي الدولي عدالة القضية الجزائرية وشرعية الكفاح الوطني ضد الاستعمار.
السينما ودورها في معركة التحرير
منذ اندلاع الثورة أدرك قادة الثورة أهمية التعريف بالقضية الجزائرية خارج الحدود، ووظفت الصورة كوسيلة لنقل القضية الجزائرية وعلى هذا الأساس كلفت جبهة التحرير الوطني جمال شندرلي بقطاع الإعلام منذ 1955 ومع تأسيس الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية أولت أهمية كبرى لقطاع الإعلام خاصة السمعي البصري منه، فإلى جانب الإذاعة وجريدتي ''المجاهد'' و''المقاومة''، صار للثورة سينمائييها وسط المجاهدين في الجبال، ينقلون صورة المعارك وحياة الجنود بإمكانيات بسيطة ويحملونها للتحميض لتصبح صورا حية معبرة عن الثورة الجزائرية. وبرز على ساحة المعارك رجال سلاحهم الكاميرا أمثال: جمال شندرلي، ومحمد لخضر حمينة، والفرنسي روني فوتيه والدكتور شولي.