قدم الموسيقار العراقي نصير شمه ألحانا للعديد من قصائد الشعراء الجواهري والسياب ومحمود درويش وأدونيس وأمل دنقل، انطلاقا من رؤية يعتبر فيها علاقته بالشعر علاقة بالحياة واختزال الوعي الثقافي، مؤكدا أن الشاعر لديه القدرة على الاختزال الكبير، وأن فهم الشعر يدعو إلى معرفة موسوعية "أنا أجد نفسي في أحسن حالاتي وكل حواسي تستمتع بنص يضيف لي، ويضيف لرصيدي العاطفي والإنساني والفكري والحسي".
وكشف نصير عن أن علاقته الشعر بدأت منذ طفولته وليس عن قراءات متأخرة، وقال على هامش مشاركته في مهرجان الشرق الاوسط السينمائي في ابوظبي " لذلك دائما ما أشجع على أن كل شيء يبدأ من الطفولة، الاهتمام بالشعر والموسيقى والثقافة عامة وكل الفنون، كل اهتمامات الحياة إذا لم تبدأ مبكرا لا يمكن أن يكون لها شأنا كبيرا في تفاصيل الحياة بعد ذلك".
واضاف "لقد بدأ مشروع تلحيني للقصائد أيضا مبكرا، فمن زمان لدي الرغبة لذلك، نصوص كثيرة أشعر بمتعة عالية وأنا أقرأها وأحب أن يشاركني الناس في هذه المتعة، ومن ثم أبدأ في تلحينها، لكني كنت تواريت عن التلحين كي أمنح فرصة للموسيقى للخروج إلى العلن، لكي أسس لذائقة موسيقية، وأرثنا الموسيقى للكلمة دور كبير، بمعنى أن كل تراثنا تراث غنائي، أما الموسيقى فليس لديها ما يذكر".
وأضاف شمه "لذا أحببت وعدد من زملائي الموسيقيين في الوطن العربي، أن نؤسس لذائقة موسيقية جديدة في علاقتها بالجمهور العربي أولا، في الغرب لا توجد مشاكل لوجود تقاليد موسيقية رصينة عمرها 500 عام من السماع، لذلك بين فترة وأخرى يتزاحم النص لأجل الخروج إلى العلن فأبدأ بإخراجه وتقديمه".
وأوضح شمة الذي يعد حاليا من بين ألمع الفنانين العرب الجادين "التجارب الأولى قدمتها في الثمانينيات مع نصوص بدر شاكر السياب، قدمتها في اتحاد الادباء والكتاب، وكانت تجربة فتحت لي المعرفة نحو الشعر والدخول إلى عالمه وتحويله إلى نص موسيقي وليس نصا غنائيا، وبعد ذلك دخلت إلى تجربة النص الغنائي، وهكذا في عام 1986 أخذت جائزة أفضل لحن لأغنية في العراق، وكنت أول مرة ألحن للعلن، لذا أعتبر عام 1986 عام تقديم أول عمل محترف".
وأوضح نصير شمه أن تجربة مارسيل خليفة مع نصوص محمود درويش تجربة جميلة، وقال: "تجربتي بعيدة كليا عن كل التجارب التي اشتغلت على محمود درويش، بدأت مع درويش في التسعينات، في تونس، ليمتد اللقاء إلى مهرجان ثقافات العالم ببرلين، وآخر حفلة قبل رحيله كانت في كانون الاول/ ديسمبر بالأردن وكانت لصالح دعم اللاجئين الفلسطينيين".
وقال شمة الذي يشرف حاليا على معهد العود في القاهرة "تجربتي كانت تحويل نصوص محمود درويش من كتاب "لماذا تركت الحصان وحيدا"، ستة نصوص حولتها إلى ستة قطع موسيقية، فكانت تجربة، لم تكن مرافقة ولا غناء، كانت نصا شعريا يقدم للشاعر بصوته ويجلس ليبدأ نص موسيقى مكتوب على هذا النص الشعري بآلة العود، فكانت تجربة جديدة كليا، تحويل النص إلى عمل موسيقي".
إن الموسيقى العربية والتي نعني بها الأغنية العربية فيها الغث والثمين في رأي نصير شمه كون الإنتاج أصبح كثيرا، والقنوات الفضائية أصبحت متلهفة لحرق كل ما يخرج، و"هذا يعطي انطباعا على سرعة الإنتاج وسرعة الذوبان للأعمال الغنائية، ما عدا بعض الاستثناءات التي يمكن أن يطول عمرها 10 أو 15 سنة، أو أعمال يمكن أن تعبر لتصبح تراثا أو أعمالا كلاسيكية مهمة".
ويؤكد شمه أن الإبداع في العمل الغنائي الآن نادر، ولايجاده لابد أن تبحث عنه بشكل جيد، باعتبار أن كل شيء أصبح خاضعا لمواصفات، ومتى تم تأطير العمل الفني بمواصفات قياسية نفيت عنه لغة الحرية والتفرد والإبداع والابتكار، "ويتحول الأمر إلى قولبة شكل غنائي تطلبه الشركات أو المطرب أو الحياة أو القنوات أو الرقص، كل شيء، الحركة التي ترافق الصورة، الأغنية، هذا كسر كثيرا من حرية الإبداع في الأغنية، وصارت الأغنية كوبليه مذهب وكوبليهين متشابهين، لم تعد هناك فرصة لأن تلون وتنوع".
ورأي شمه أن أعماله تعمل في المناخ الذي يؤمن به، مناخ الحرية، وأن الكلمة يجب أن تقود إلى اللحن لا أن يتم قولبة الكلام على حسب لحن، وأضاف: "كل كلمة لها معنى وبالتالي يجب أن تخلق لها الإطار اللحني لمعناها".
وشدد شمه على أن المواهب الموسيقية موجودة في عالمنا العربي، لكنها بحاجة إلى قناعة ودفاع عن مشروعها، وقال "عليهم أن يصبروا إلى أن يأتي أحد يطلب ألحانهم، لأنه طالما ألحانهم قوية ستدافع عن تواجدها في محليا ودوليا".
وأوضح شمه أن الإنتاج القائم سوف تحرقه الناس بسرعة كونه استهلاكيا، ليبدأ البحث عن الموسيقى الجادة، لإنقاذ الأغنية والحفلات الغنائية وسوق الكاسيت والمسارح.
وقال "هذا يحتاج من المواهب الموسيقية الثبات والصبر وحتى المعاناة، فليس بالضرورة أن يكون الفنان غنيا ويملك كافة الإمكانيات، نحن نعيش في حالة كفاف، نعيش حياة بسيطة، المهم أن تنظر كيف كان السنباطي وماذا أنجز؟ وكيف كان غيره ممن يملكون المال وأين أصبح؟ السنباطي كان زاهدا غير مهتم بالإعلام والمال، في مقابل اهتمامه بإنجاز مشروعه الفني، لذلك عاش مشروعه وسيبقى حتى مائة سنة قادمة، أما الآخرين الذين اهتموا بالنقود دون الفن، الاموال راحت برحيلهم وكذا فنهم، من الصعب جدا أن تجمع المال والفن إلا في ظرف استثنائي جدا، لكن مائة في المائة يمس طلب المال الفن".
وكشف نصير شمه إلى سعيه للنخبة في موسيقاه هو سعي إلى حالة من الكمال، وبالتالي لا يرى عيبا أن تكون الموسيقى أو الإبداع حكرا على النخبة، لكن ذلك لا يمنع الموسيقي أن يذهب لمناطق أخرى، و"هذا ما فعلته على مر السنين، والآن هناك جمهور كبير، فأمسياتنا الآن لم تعد تحضرها النخبة، النخبة في أي بلد لا يتجاوز عددهم ألف شخص، ونحن يحضر حفلاتنا ثلاثة آلاف ويزيد، هناك وجوه جديدة دائما تحضر لأول مرة، لذا لم تعد الموسيقى مقصورة على النخبة ".
وأشاد نصير شمه بالدور الذي تلعبه أبو ظبي في التنمية الثقافية وبمهرجاناتها التي تقام على مدار الأسابيع، وقال "مهرجانات كبيرة ونوعية، على مستوى الفنون التشكيلية والسينما والموسيقى الكلاسيكية وموسيقى الشعوب، وهذا ليس جديدا على أبوظبي، أول حفل أقمتها في أبو ظبي منذ 17 سنة في المجمع الثقافي، ومنذ ذلك الوقت ولدي انطباع خاص نحو أبوظبي واهتمامها الثقافي وتوقها للمعرفة والسمع وفهم الآخر، وهكذا أصبحت السنوات الماضية أرضية لأن يكون هناك جمهور يستقبل مهرجانا كمهرجان السينما، يستنفد بطاقاته في كل دور العرض، هذا ليس حالة عادية ولكنها حالة مدروسة، حفلات الموسيقى التي أقيمها تكون كاملة العدد".
وأضاف شمه "هذا ما يصنع إنسانا متوازنا، ليس المال كافيا لأن تخلق دولة، لابد من خلق قاعدة ثقافية صلبة، لذلك نحن أسسنا بيت العود فرع أبوظبي منذ عامين، وأصبح الآن هناك طلبة وطالبات من أبوظبي والدول العربية يملأون كل غرف بيت العود، وسوف نقدم الحفل الأول قريبا بطاقات هؤلاء، لذلك هناك في أبوظبي مهرجانات وهناك السعي للخلق الحقيقي من مواطني البلد أن يصبحوا مساهمين في هذه الثقافة بكل مجالات الفنون".