يقود متشددون إسلاميون في عدد من البلدان العربية من بينها مصر والسعودية حملات "تكفيرية" ضد الشعر والشعراء، هذه الحملات التي ترمي الى إهدار القيم الجمالية والفنية للشعر وتفريغه من محاولات التجديد والتطوير، بل والسعي الى تقليص حضوره المجتمعي.
وحول هذا، يقول الشاعر حلمي سالم "كم هي مخيفة ومرعبة هذه الظلامية التي يجسدها أو يصورها هؤلاء المتربصون بالإبداع: ظلامية تتسقط للعباد كل شاردة وواردة، تكمن للناس والأدباء والفنانين خلف الزوايا لتصطادهم وتوقع بهم من كلمة أو لوحة أو فيلم. اليسوا –بهذه الصورة المرعبة التي يصوّرون الدين بها– يسيئون إلى الدين ويزدرونه"؟
ويتساءل سالم "لماذا لا يرفع هؤلاء الذين عيّنوا أنفسهم نواباً دينين على الأرض قضايا ضد وزير الداخلية بسبب تعذيب ضباط الشرطة للمواطنين 'المسلمين' حتى الموت في مراكز الشرطة؟ أو على الرجل الذي تسبب في غرق 1300 مواطن في عرض البحر؟ أو على الرجل الذي يحتكر الحديد في مصر، والإسلام يحرم الاحتكار والمحتكرين؟ الجواب أن النواب الدينيين على الأرض لو رفعوا هذه القضايا سيدفعون ثمن ذلك غالياً وفي التو، وبذلك يكون موقفهم باهظاً مكلفاً، وهم يحبون الدين الذي يرفعون له القضايا التي لا ثمن لها".
ويضيف سالم "المشكلة الجوهرية في الأمر كله ليست في الشيوخ الذين يرفعون القضايا ضد الأدب والمنابر الأدبية. فمن الطبيعي أن يكون منظور الشيوخ للأدب منظوراً ضيقاً متزمتاً، يقوم على الحلال والحرام، ويرى في النص الأدبي وثيقة تقريرية مباشرة، لا رؤى مجازية تتطلب القراءة المجازية الواسعة، لكن المشكلة الجوهرية هي في الأرضية الدستورية والقضائية والقانونية التي تمنح هؤلاء الشيوخ سنداً قوياً في الاجتراء على الأدب ومحاكمته هذه المحاكمة البوليسية المترصدة. وأقصد بهذه الأرضية: الأساس الدستوري الذي يعطيهم بالمادة الثانية في الدستور (المصري) ذلك الدعم المتين للاجتراء. وأقصد قانون الحسبة الذي موّهت علينا السلطات بعد واقعة نصر حامد أبوزيد، فنقلت البت في بلاغات الحسبة إلى النيابة العامة، حتى ظننا أن الأزمة انفرجت، وكنا واهمين".
ويقول أيضا "نحن لا ندعو إلى الحرية المطلقة في الأدب، إذ ليست هناك حرية مطلقة في أي منشط من مناشط البشر في المجتمع، كل حرية مشروطة، وحرية الأدب مشروطة بالسجال الأدبي، فإذا كان ثمة نص به شبهة تجاوز أو شطط، فمواجهته لا تكون بالحبس أو البلاغات أو العقاب الجنائي، بل تكون بمساجلته ومقارعته ونقده ونقضه فكريًّا، هكذا يقول الدين الحنيف 'وجادلهم بالتي هي أحسن'".
أما الشاعرة المغربية منى وفيق، فتقول "حملات تكفير الشعر والشعراء ليست بجديدة، إنها عقلية تمتد على مدى التاريخ والجغرافيا العربيين، إنها مهمة المتزمتين الأبدية، هو دور الرقابة العمياء التي تريد ان تسيطر لتحكم. الشعر بالنسبة لهؤلاء المتزمتين فريسة دائمة يتصيدونها، وهم لا يعرفون أن الفريسة أكثر قدرة على صيد القناص".
وتضيف "مؤخرا أصبح هنالك هوس أكبر في بعض الدول العربية بإعدام دواوين الشعراء، وهذا أمر مزعج للغاية ودليل على تراجع الحريات بشكل أكبر في دول تدّعي عكس هذا".
وتوضح "هناك نقطة في غاية الأهمية، وهي كون أي ديوان به نَفَس سياسي يتم تكفير صاحبه بما معناه أن التكفير صار نوعا واحدا من الرصاص يستهدف أي شاعر، حتى وإن لم يتطرق في شعره لما هو سياسي. كل شاعر كافر بالضرورة بالنسبة لإرهابيي الوجدان، حتى لو كان شعرك ذاتيا صرفا فهو كفر وعليك أن تريحهم وتتوقف عن الكتابة".
وترى الشاعرة المغربية ان "سبيل التخلص من هذا الهوس المتطرف ضد الشعر هو الاستمرار في الكتابة.. هو المزيد من الشعر.. الكثير من الشعر.. الكتابة والإنصات للريح".
ويرى الشاعر سيد جودة أن الحملة ضد الشعر ليست مستحدثة، بل تمتد بجذورها إلى عدة قرون من الزمان، ويقول "لم تكن يوماً حملة موجهة ضد الشعراء فقط، بل هي حملة موجهة ضد كل فكر حر يواجه بالقلم السيف والرصاص، وبالحبر النار والبارود".
ويضيف "لم يطل التكفير الحلاج وابن عربي فقط، بل طال الفارابي والرازي والكندي وابن سينا وابن رشد، وفي عصرنا الحديث وجهت اتهامات الكفر لكثيرين مثل طه حسين وعلي عبد الرازق وعبد الرحمن الكواكبي وقاسم أمين ونجيب محفوظ وفرج فودة وغيرهم من المفكرين المعاصرين مثل نصر أبوزيد والقمني".
وعن أصحاب الفكر السلفي يقول جودة انهم "لا يهمهم حين يقصفون الأقلام ويكممون الأفواه أن يكون القلم أو الفم لشاعر أو روائي أو صحفي، فالغاية لديهم واحدة والوسيلة واحدة وإن تعددت أسماء وصفات الضحايا. أما سبيل التخلص من هذا التطرف الفكري فيكون بالحوار الهادئ لإنارة العقول واستثارتها وقد اعتادت الخمول، واسترجاع ما قد سبق وما قد قيل من فكر السابقين. ليس السبيل في الحوار التصادمي الذي ينتهي بمزيد من المشاحنات والخلافات، بل في ذلك الحوار السقراطي الذي يبدأ بإلقاء أسئلة تكشف عن جوانب لم يرتدها العقل من قبل، وتشجعه على ارتيادها وكشف أسبارها. هذا الحوار الذي يثير من الأسئلة أكثر مما يطرح من إجابات هو أول الخيط لتبديد ظلمات العقل".
ويوضح الناقد الدكتورمصطفي الضبع انه في ظل الأزمات التي تعانيها الأمة العربية، وفي ظل كبواتها المتوالية لم يعد سوى أن نتمسك بما تبقى من عقولنا متيقظة بفعل ما نحققه من مساحات فنية، قائلا "تلك المساحات هي الأقدر على دفعنا للأمام، فلماذا نصر على التخلي عن مكتسبات البشرية من الحرية"؟
ويتساءل الضب "في ظل الأزمات التي تعانيها الأمة العربية، هل يتبقى لها سوى إعمال الفكر فيما يطرحه الإبداع من قدرة على تجاوز التخلف، وتجاوز تبعات الماضي التي نعجز عن التخلص منها، وأعني هنا تلك المظاهر غير السوية للتقاليد والعادات التي لم تعد صالحة لعصر يتطور".
ويضيف "بالطبع يكون علينا أن نعي تماما ما نحن بصدده من محاولة الفهم الصحيح للفن دون الخلط بينه وبين الإسفاف بأي درجة من الدرجات، ومن هنا نكون مطالبين بأن نوظف الشكل الوحيد للقدرة العربية على تجاوز مشكلاتها، فلم يعد للأمة العربية غير شكل واحد من أشكال عمل العقل، أعني فعل الإبداع، وما سوى ذلك فنحن ندرك أبعاد الصورة التي أصبحنا فيها مستهلكين فحسب، ولم نعد قادرين على الإبداع في الصناعة أو الزراعة أو غيرهما من مجالات نجحت الإنسانية في تطوير ذاتها فيها".
ويقول أيضا "لم يعد لنا سوى أن نراهن على فعل الإبداع بشتى أشكاله للخروج من الأزمة أو على الأقل لنعلن لأنفسنا أولا وللآخرين ثانيا أننا مازلنا نحيا. دعوا الشعر لمن يتخذه صديقا، ودعوا فعل الإبداع لمن يسعى لرقي ذاته، ودعونا قبل كل شيء أن نكون بشرا لنا قدرتنا على التطور من خلال الإبداع".
أما الشاعر الفلسطيني نمر سعدي فيعتبر أن "الحملة على الشعر تنبع من جهل معين برسالة الأدب عندنا الداعية إلى السمو بالروح والتعالي عن كل دنيئة وتهذيب النفس وقد كان تاريخ العرب حافلا بالمواقف التي رفعت من قيمة الشاعر وبوأته مكانة عظيمة، حتى قيل أن الشعر ديوان العرب، حتى أن النبي محمدا رفع من قيمة الشاعر العربي وهذا ما رأيناه من قصته مع كعب بن زهير وتقريبهِ لحسان بن ثابت في صدر الدولة الإسلامية".
ويقول الشاعر والمترجم الدكتور طلعت شاهين "نحن نعيش في مجتمع مريض ينتظر رصاصة الرحمة، مجتمع قرر أفراده أن يمارسوا ما يرونه من مهن أو مهام باسم شيء غير محدد لا علاقة له بأي شيء ولكنه يتم تحت إرهاب الدين. فأي جاهل "تعمم" وأطال لحيته ووضع على جبهته زبيبة كبيرة قد تكون مصنوعة بفعل فاعل قد ينصب نفسه مفتيا وناقدا ادبيا او فنيا حتى لو كان يجهل القراءة والكتابة، لأنه يملك سلاح التكفير الذي يعرف مسبقا أن الجميع يخاف منه لعلمه بجهله وجهل المجتمع الذي يعيش فيه".
ويتابع "لذلك لم يقتصر هؤلاء الجهلة على الإفتاء في أمور لها علاقة بالدين بشكل صحيح أو خاطئ، بل نصبوا أنفسهم نقادا للأدب والفن وهم لا يعلمون ابسط قواعد التعامل مع الإبداع الذي هو في أساسه مجازي وله منطقه الخاص به ولا يمكن تفسيره إلا بمنطق المبدع الذي كتبه. والشعر والشعراء ليسوا أول ولا آخر ضحايا هذا الجهل المتفشي في هذا الجسد الاجتماعي المريض، ولكن الشعر والشعراء اضعف حلقات الإبداع حاليا لأنهم لم يواجهوا الخطر المحدق بهم بصراحة والدخول في معركة معه بأسلحة واضحة تجمع جمهورهم من حولهم بل قرروا الفرار من ارض المعركة إلى الغموض فلم يفهمهم أحد حتى يدافع عنهم، أصبح الشعر بلا جمهور وبالتالي أصبح الشعراء درع يحميهم خاصة في ظل نظام سياسي أصبح كل همه استثمار كل معركة لصالحه من خلال إدارة الصراع سطحيا دون الدخول في مواجهة حقيقية مع قوى الظلام التي أصابت المجتمع المصري بالجهل".
ويشير شاهين الى أن الفئة المثقفة "استنامت وعلى رأسهم الشعراء على المقاهي يجترون كلاما معادا من عشرات السنين ويتحسرون على ما أصابهم دون اهتمام حقيقي بالعمل على مواجهة الخطر المحدق بهم من كل جانب".
ويضيف "بل ان بعضهم ارتمى في أحضان النظام السياسي القائم ويعمل في خدمته تحت وهم انه يحميه من خطر الجهلة، ونسي ان هذا النظام على استعداد لتسليمه لجلاديه اذا كانت مصلحته في ذلك، واكاد اجزم ان مصلحة النظام السياسي الحالى تلتقي كثيرا مع قوى الظلام".
ويرى الشاعر شريف الشافعي ان للحياة أصدقاء بالضرورة، وللحياة أيضًا أعداء، قائلا "الشعر حياة حقيقية كاملة، ولا أقول حياة بديلة، وحياة الشعر مرهونة في الأساس بكونه شعر حياة، فبقدرة النص الحيوي على النبض الطبيعي والحركة الحرة، بدون أجهزة إعاشة وأسطوانات أوكسجين وأطراف صناعية، تُقاس عافيته وخصوبته، ويتحدد عمره الفعلي، ويمتد عمره الافتراضي خارج المكان والزمان.
"بالضرورة أيضًا، وكما هو الحال بالنسبة للحياة: هناك دائمًا أنصار للشعر، ومفتونون به، وهناك ميليشيات تتربص به، وتستلذ بعزله وتصفيته".
ويقول الشافعي ايضا "في تصوري أن كثيرًا من حملات المناهضة والتكفير، التي طالت عددًا من الشعراء، هي ليست حملات لوأد الشعر على وجه الخصوص بمعزل عما سواه، بقدر ما هي حملات لوأد الحياة وصناعها في مختلف مجالات الفكر والإبداع والفن، والقضاء على ملامح التميز الروحي والذهني والخصوبة الإنسانية، أملاً في تثبيت أوضاع تقليدية متحجرة بعينها، قائمة على تسييد المهيمنين والنخب السلطوية الرجعية في أماكنهم المحجوزة لهم، وتجميد الهمم والقوى الخلاقة والنزعات الابتكارية والحركات الثورية والإصلاحية والتنموية".
ويضيف الشافعي "في مثل هذه الأوضاع المقبضة، يصير أهم ما يجب أن يقوله الشاعر، هو أنه يقول، فالقول بحد ذاته صار معجزة في واقع نفدت كل طاقاته، وعلى رأسها: الطاقة الروحية".
ويتابع "أن يقاوم الشاعر ويبدع ويظل ينزف ـبطريقته المبتكرة الخاصة جدًّاـ دمًا ونارًا ونورًا، هو فعل إنساني بالغ المتعة والتأثير، في هذا الطقس المتبلد الأجوف. لقد زادت الأمور توحشًّا فيما يخص استلاب إنسانية الإنسان ومحو إرادته الحرة ومبادرته وقدرته على اتخاذ القرار، كذلك ترسخ منطق الاستقطاب وضرب الخصوصيات والهويات في مقتل وإعلاء شأن الأرقام والبرمجيات وقيم التسليع والقوانين المسنونة التي تحكم حركة البشر. الإنسان آلة مقهورة بالفعل، والقوة القاهرة أيضًا ماكينة عمياء".
ويختم الشافعي "أن يقول الشاعر بلسانه وروحه وعقله وعلى طريقته، هو إشعار بأنه حيّ، وبأن في الإمكان أن تكون هناك حياة مختلفة، وأحياء آخرون. هذا الإشعار الجمالي بحيوية الحياة، وهذا التفجير الإبداعي المغاير لتراكيبها ونبضاتها الجديدة ودمائها المتدفقة، هو أقصى ما يتمناه الشاعر المتطلع إلى الخلاص من الحصار عسى أن يتبعه تابعون".