على الرغم من كل النيات الطيبة لتقديم الثقافة والفكر العربي للألمان في تلك التظاهرة الكبيرة المزمع القيام بها في فرانكفورت في أكتوبر/تشرين الاول القادم، إلا أنه من الواضح أن الإعداد لهذه التظاهرة يفتقر إلى المنهجية العامة المتصلة بالهدف المرجو منها. فالاهتمام – مثلا - بتقديم التراث الإسلامي المبهر في مجال العلم والتكنولوجيا (محاضرة الدكتور فؤاد سيزكن) لأمر طيب في ذاته، ولكنه يلقى في الوقت نفسه ظلالا لا يمكن تجاهلها من التحدي بإزاء واقع العلم والتكنولوجيا في العالم العربي اليوم.
فالاقتصار على تقديم منجزات أجدادنا قد قتله المستشرقون الألمان بحثا ودرسا، حتى أن زميلا تركيا مثل الأستاذ "سيزكن" عنى بالتأريخ لها وتقديمها للمهتمين والباحثين استمرارا لجهود الباحثين والأساتذة الألمان المعنيين بالتراث الإسلامي القديم والوسيط، وهم الذي يعرفون قدره حق المعرفة. ولكن مصدر تحفظات الألمان المعاصرين يتعلق بالإسهام الحالي للعالم العربي في مجالي العلم والتكنولوجيا. فالفكرة السائدة هناك أن العرب المحدثين مجرد معيدين لاكتشافات الغرب في هذا المجال الذي كان أجدادهم مبرزين فيه على مستوى العالم. وللأسف تذخر الساحة العربية نفسها بالكثير من هذه الأفكار نفسها عن واقعنا العلمي، وهو ربما ما حدا بواضعى برنامج المشاركة العربية لتجاهل الإسهام العربي المعاصر في مجالي العلم والتكنولوجيا، والتأكيد بدلا منه على إسهاماتنا الأدبية والفنية.
ولكن ذلك "الحل" التعويضي في برنامج المشاركة العربية لن ينحى جانبا تحفظات الألمان بإزائنا وهي التي ترى أننا لم نعد منتجين للمعرفة التخصصية في حقول العلم والتكنولوجيا بدليل أننا لا نقدم أيا منها في فرانكفورت بينما نحفل بعرض إنجازات أسلافنا في هذا المجال الحيوى الهام. وأود بداية أن أوضح أن الفكرة السائدة لدى الكثير من مثقفينا العرب بأنه لا يوجد لدينا ما يستحق أن نقدمه في فرانكفورت في هذا المجال بحاجة للمراجعة.
وسوف أضرب على ذلك بضعة أمثلة من مصر وليبيا، وهنالك بالتأكيد نماذج أخرى يمكن أن تضاف إليها من سائر الأقطار العربية الشقيقة. وأبدأ بليبيا، حيث اكتشف الأستاذ الدكتور محمد رؤوف حامد، أستاذ علم الأدوية (الفارماكولوجيا)، أن عادة استهلاك الليبيين للهريسة، وهي نوع من الشطة الحارة المحتوية على ما يعرف في علم الأدوية بمادة "الكبسايسين"، مع كل وجبة يغير من خواص امتصاص الدواء التي سبق أن عولمتها "إدارة الغذاء والدواء الأمريكية" Food and Dugs Administration - FDA ، بل أنه على العكس مما نصت عليه نصائح الإدارة الأمريكية المذكورة، توصلت أبحاث الدكتور رءوف حامد في جامعة الفاتح في أوائل الثمانينات إلى أن التعاطي المنتظم لمادة الكابسايسين التي تحتوى عليها الهريسة المذكورة بجرعات معينة يقلل من إمكان حدوث قرحة الإمعاء بدلا من أن يزيدها.
وقد ترتب على هذا الاكتشاف القائم على إعادة النظر في المعايير العلمية والتكنولوجية الأمريكية المعولمة ابتداء من اختلاف عادات الغذاء في المجتمع العربي في ليبيا عن سواه من المجتمعات لا سيما الغربية، إلى تغير مهم في علم الفارماكولوجيا على مستوى العالم أجمع بعد أن عرضت ونوقشت نتائجه في مختلف المؤتمرات العلمية الدولية من "مونترو" بسويسرا إلى طوكيو باليابان، وقد صارت الِآن تشكل جزءا لا يتجزأ من التراث الحديث لعلم الدواء.
فلم لا يدعى إذن الأستاذ الدكتور محمد رءوف حامد لتقديم إسهامه هذا في فرانكفورت، لاسيما وأنه يقوم على فلسفة هامة مفادها أنه على الباحث العربي أن يعيد النظر في تراث العلم النابع من سياقات طبيعية أولية واجتماعية ثقافية أجنبية بعامة وغربية بخاصة ابتداء من الاختلاف الموضوعي بين بيئاتنا الطبيعية والاجتماعية وليس تطبيقا متعسفا عليها لما توصل إليه الآخرون في سياقات جد مغايرة. وبناء على هذه الفلسفة العلمية الناقدة استطاع أن يصل إلى نتائجه المشار إليها أثناء إعارته للعمل في جامعة الفاتح في ليبيا في مطلع الثمانينات كما بينت.
وهو حاليا أستاذ باحث في مركز الاتاحة الحيوية بالقاهرة تخرج على يديه باحثون كبار منتشرون في مختلف أنحاء العالم، وبعضهم يعمل أستاذا في الجامعات الكندية على سبيل المثال.
على أنه لن يكون العالم المصري الوحيد في مضمار إنتاج المعرفة المتميزة في حقول العلوم الطبيعية، إذ يمكن أن ينضم إليه صديقنا الأِستاذ الدكتور أحمد مستجير، أستاذ علم الوراثة بكلية الزراعة، جامعة القاهرة، ليقدم مشروعه الذي نال عليه أكبر جوائز الدولة، وهو ري المحصولات الاستراتيجية الرئيسة بماء البحر بعد معالجة الجينات الخاصة بتلك المحصولات. وفي مجال هندسة الإنتاج يمكن أن ينضم إلى كليهما الأستاذ الدكتور حامد الموصلي، أستاذ هذه المادة في كلية الهندسة، جامعة عين شمس، وذلك من خلال تقديم مشروعه الذي سبق أن حظي بإعجاب وتشجيع الألمان، وهو تدوير البقايا الزراعية في الريف المصري، وبخاصة جريد النخل، وتوظيفه الخلاق في صناعات منزلية مفيدة تحقق دخلا جيدا لربة المنزل في الريف المصري وإنتاجا متميزا يطرح في الأسواق ويلبى الكثير من الاحتياجات العامة.
وجدير بالذكر أن مؤسسة ألمانية دعمت مشروع الدكتور الموصلي ماديا لاقتناعها بقيمته في تقديم حلول اقتصادية واجتماعية وبيئية هامة للمجتمع الريفي في مصر، فضلا عن أنه يساعد على تحرير المرأة الريفية ودفع اعتزازها بنفسها من خلال إتاحة دخل مستقل لها يمكنها من أن تدعم به نفسها وأسرتها بما تقدمه من إنتاج مفيد للمجتمع ومطلوب في آن. ولعل هذا الجانب النفسي الاجتماعى من مشروع الدكتور الموصلي من أفضل الأمثلة التي يمكن أن تساق هناك في معرض تقديم نماذج لافتة لتحرير المرأة في المجتمع الريفي في بلد عربي كمصر. أما تونس الشقيق فقد قطع أشواطا في مجال تحرير المرأة، ولعل الزميل الفاضل الأستاذ الدكتور بوحديبة سيتحدث عن جانب منه في فرانكفورت، ربما من خلال كتابه الهام "المتخيل المغربي" L'imaginaire Maghrebin الذي صدر في سياق مختلف في تونس خلال التسعينات.
على أية حال فإن تقديم الدليل على القدرة العربية المعاصرة على إنتاج المعرفة العلمية المستقلة والمضيفة لتراث الإنسانية جانب هام لا يجوز إغفاله في فرانكفورت، إن لم نشأ أن نترك لدى الألمان وسائر المترددين على المعرض من كافة أنحاء العالم انطباعا بأننا نحن معشر العرب نعيش على ذكريات ماضينا الزاهر في هذا المجال بينما ليس لدينا ما نقدمه الآن. فليس المهم هو مقدار ما توصلنا إليه، وإنما استقلالية المنهج التي يفرضها علينا اختلافنا الموضوعي عن سوانا طبيعيا، وثقافيا واجتماعيا. فذلك وحده، إن توخيناه، كفيل بأن يحقق لنا ما نصبو إليه من تميز، وأن يجلب لنا احترام وتقدير شعوب العالم أجمع. ولعل فرصة فرانكفورت لا يجب أن تضيع لتقديم الإنجازات العربية الهامة في هذا المجال.
فصحيح أن ثمة مائة كتيب ترجموا إلى الألمانية ليقدموا في فرانكفورت، ولكنها جميعا بلا استثناء تقدم إنجازات أسلافنا العرب القدامى، بينما لا تتعرض بحال لإبداعات العلماء العرب المحدثين في مجالات العلم والتكنولوجيا على النحو الذي ضربت به الأمثلة السابقة التي احتفل بها الغرب ذاته، وإن كنا لا نشهد لها أثرا في برنامج المشاركة العربية في فرانكفورت، وكأننا ننفي أنفسنا بأنفسنا في مجال إنتاج المعرفة العلمية الحديثة والحلول التطبيقية النابعة من خصوصية مجتمعاتنا العربية. ومع ذلك فإني لمقتنع بأنه في الإمكان تقديم عدد محترم من الإبداعات العربية المعاصرة في هذا المجال الهام لو خوطبت الأقطار العربية على وجه السرعة لتقدم إسهامات كل منها ابتداء من الفلسفة المنهجية العامة التي أشرت إليها.
فدون ذلك سيؤدي الاقتصار على تقديم منجزات أسلافنا في علوم الطبيعة إلى تأكيد تحفظات الألمان بإزائنا نحن العرب المحدثين، بينما أحسب أن الهدف من المشاركة العربية في فرانكفورت هو تحييد هذه التحفظات ونفيها بأدلة حقيقية.
أما بشأن ما لاحظه عن حق الأستاذ طارق الطاهر (أخبار الأدب في عددها الصادر في 11 يوليو/تموز الماضي) من تكدس عدد كبير من المتحدثين في كل جلسة مما يمكن أن يعوق فرصة الحوار مع جمهور المعرض، وهو الهدف الأساس من عقد تلك الندوات، فأقترح كحل لهذه الإشكالية أن يقدم رئيس كل جلسة في مفتتحها ملخصا لأهم القضايا المحورية التي تود الجلسة مناقشتها، وذلك بعد اتفاق مسبق مع المشاركين في الندوة من أعضاء المنصة، ثم يفتتح الحوار مع الجمهور مباشرة ليقدم كل استفساراته التي تقوم المنصة بالتعقيب عليها ومناقشتها. وغنى عن البيان أنه على رئيس الجلسة أن يحرص على تحقيق أعلى درجة ممكنة من التركيز ومن ثم التراكم المعرفي من خلال الحوار الدائر بين الجمهور والمنصة ليلخصه في نهاية الجلسة في صورة حوارية يهتم بأن يبرز فيها أفكار الجمهور في تفاعلها مع إجابات المنصة.
أما بالنسبة للمحاضرات العامة فأقترح ألا تتجاوز نصف الساعة إلى ثلاثة أرباع الساعة بحال حتى تفسح الوقت المتبقي للمناقشة مع القاعة. وفى هذا المجال كنت أتمنى أن أرى في البرنامج محاضرة موضوعها : الجهاد في الإسلام. ذلك أن الاهتمام بشئون الإسلام قد صار ظاهرة في ألمانيا بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر في نيويورك. وليس مما يقنع الألمان خطاب مباشر عن سماحة الإسلام، على الرغم من أنها حقيقة لا تحتمل الشك، ولكن محاضرة بعنوان " الجهاد في الإسلام" يمكن أن تجذب عددا كبيرا من رواد المعرض نظرا للانشغال العام هناك بهذه القضية. وهنا يمكن توضيح حقيقة مفهوم الجهاد في الإسلام، وأنه فرض كفاية وليس بفرض عين.
وليت الشيخ طنطاوي، شيخ الجامع الأزهر، كان بشخصه هناك لما يحمله ذلك من مصداقية في توضيح هذه الأمور الجوهرية لرواد المعرض. كما أنى افتقدت في البرنامج مشاركة زميل فاضل ينتمي لهيئة التدريس بجامعة الأزهر، هو الأستاذ الدكتور السيد الشاهد، الذي عينته الحكومة النمساوية مديرا للمركز الإسلامى في فينا، وهو مركز تنفق عليه الحكومة النمساوية لإزالة الالتباس بإزاء الإسلام والمسلمين هناك. فالدكتور الشاهد الذي تعرفت عليه في ندوة بحثية في مدينة "ترير" الألمانية، متمرس بأفكار الناطقين بالألمانية في حقول الإسلام، ومن ثم يمكنه مخاطبتهم على نحو يفض الكثير من الالتباس في أذهانهم في هذا المجال، وهو في تصوري قد يكون أفضل من أن يتحدث إليهم من ليس له خبرة ميدانية مباشرة بالأسئلة التي تشغلهم حول الإسلام والمسلمين المعاصرين مهما كانت مكانته الرسمية لدينا هنا في مصر والعالم العربي.
ولعل من أفضل الندوات التي ستعقد في فرانكفورت: سوء الفهم المتبادل بين العالم العربي وأوربا. ولكن تناول موضوع بهذه الأهمية يقتضى معرفة منهجية بأحد فروع الأدب المقارن غير المعروفة – للأسف – في عالمنا العربي، وهو مبحث "الإيماجولوجيا" الذي يدرس الصور السالبة عن الآخر وصلتها بصورة الذات كما تنعكس في أدبياتها.
وقد أسس لهذا الفرع من الدراسات الأدبية المقارنة "جان – مارى كاريه" الأستاذ السابق في السربون، وطوره "هوجو ديزرنك "،الأستاذ المتقاعد حاليا في جامعة آخن الألمانية. فالرجوع لهذا المدخل يمكن أن يحيل مساهمات المنصة من الخواطر الحرة إلى المناقشة المنهجية للأفكار السالبة من الطرفين العربي والألماني لا سيما المتحفظ منها بإزائنا نحن العرب المعاصرين.
وينطبق ذلك بالمثل على الندوة التي ستعقد يوم السبت 9 أكتوبر/تشرين الاول القادم في فرانكفورت، والتي موضوعها: "صورة المرأة العربية في المؤلفات الاستشراقية الألمانية"، فليت رئيس هذه الجلسة يقدم للحوار بتوضيح لمفهوم الصورة في الأدب المقارن - كما سبق أن أشرنا - حتى تهتدي به المساهمات المقدمة في هذا الموضوع الهام.
أما بشأن الأدب العربي الحديث والمعاصر، فغزارة الندوات الشعرية والقراءات السردية المدرجة في البرنامج أمر طيب في حد ذاته، وإن كان يفتقر إلى مدخل منهجي عام يضعها جميعا في سياقها الخاص من جهة، ويكشف عن علاقتها بآداب العالم من الجهة المقابلة، وذلك حتى لا يسقط عليها المتلقي الألماني بخاصة والغربي بعامة معاييره المحلية على نحو لا يفي بالغرض من تقديمها إن لم يؤدى إلى إساءة فهم ما تحويه من رؤى إبداعية نابعة من خصوصيات اجتماعية ثقافية مختلفة عن تلك التي يألفها.
فما أكثر ما كنا نسمعه من المثقفين الألمان كلما ترجمنا عن أدبنا العربي الحديث إلى الألمانية من أن الأدب الألماني قد "تجاوز ذلك منذ قرابة القرن من الزمان" الخ. وهو الأمر الذي حدا بي مؤخرا لوضع دراسة باللغة الانجليزية – نظرا لانتشارها عن الألمانية دوليا، بينما يستطيع المثقف الألماني استيعابها لغويا بلا أدنى صعوبة – عنوانها:
Contemporary Arabic Literature and World Literature:
A Methodological Introduction.
( مدخل منهجي للتعرف على علاقة الأدب العربي المعاصر بالأدب العالمي)
وتقوم هذه المحاضرة المكتوبة على خبرتي الميدانية على مدى أربعة عقود بالمواقف المسبقة المتأثرة بالمعايير النظرية التي تقاس بها من جانب الغربيين بعامة، والألمان بخاصة إنجازات أية أدب قومي غير غربي، بما فيه أدبنا العربي، على نحو لا يفي الغرض من التعرف الدقيق على إبداعاته الحقيقية. وقد سبق أن اطلع على هذه الدراسة صديقان فاضلان هما الأستاذ السيد يسن، والدكتور جابر عصفور وبهرا بها أيما انبهار. ولعل هنالك حاجة موضوعية لمدخل منهجي كهذا يساعد المتلقي الغربي عامة والألماني خاصة على تذوق وفهم أعمالنا الأدبية التي ستقدم في فرانكفورت بحيث يضعها في موضعها الصحيح بالنسبة للآداب العالمية، بدلا من أن يسقط عليها معايير آدابه الخاصة على نحومتحيز يفتقر إلى الفهم والاستيعاب المنهجي الدقيق.
وبهذه المناسبة: ألا يجدر بنا أن نبنى على ما سبق أن جرب بنجاح في مجال تقديم أدبنا المسرحي الحديث للجمهور الألماني؟ وعليه كيف تخلو جلسة يوم السبت 9 أكتوبر القادم (قراءات مسرحية للمؤلفين العرب) من نص ألفريد فرج: "على جناح التبريزي وتابعه قفة" الذي عرض في ترجمة ألمانية بنجاح فاق كل التوقعات على خشبات المسارح الناطقة بالألمانية في كل من ألمانيا وسويسرا والنمسا منذ عشرين عاما خلت، فضلا عن أن نص الترجمة الألمانية لهذه المسرحية منشور بين دفتي كتاب هناك، ولدي نسخة منه؟!
هذه ملاحظات عامة في المنهج بينما لا تتعلق بتفاصيل المشاركة العربية المزمع تقديمها حسب البرنامج المعلن على الإنترنت، بينما لو دققنا لوجدنا أنه من الأفضل – مثلا - أن يكون المتحدثين في ندوة يوم الأحد 10 أكتوبر، والتي موضوعها "التسامح في الثقافة العربية" من المستعربين الألمان المنصفين في المقام الأول، وهم الذين لا يعثر المرء على أي اسم لأحدهم في هذه الندوة، ليس فقط لأنهم الأكثر اتصالا بثقافة مواطنيهم، وإنما لأن لهم مصداقية أعلى لدى المتلقي الألماني والغربي من المتحدثين العرب في موضوع حساس كهذا، بل ومهما كانت قدرات المشاركين العرب على المحاجة والإقناع فيه.
وفى هذا الميدان أقترح دعوة الأستاذ الدكتور أودو شتاينباخ Udo Steinbach مدير معهد الشرق في هامبورج للتحدث في هذا الموضوع الهام، فقد خبرته في أكثر من ندوة في ألمانيا وكان منصفا بحق للحضارة العربية. كما أن باحثا ألمانيا شديد التعاطف العالم بالثقافة العربية، وهو الأستاذ الدكتور فرتس شتيبات Fritz Steppat من جامعة برلين الحرة، يمكن أن يدعى لكي يسهم في جلسة كهذه بما يقنع الجمهور الألماني ويحيد تحيزاته المسبقة بإزائنا التي هي مناط المشاركة العربية في معرض فرانكفورت، بحيث يقتصر دور المتحدثين العرب في هذه الجلسة على توضيح ما لا يتعرض له المتحدثون الألمان.
فالتحدث عن صفة إيجابية كالسماحة في ثقافتنا العربية من الأجدر أن يترك للمنصفين من أبناء جلدتهم من أن نقدمه نحن هناك دفاعا عن أنفسنا. وليت المستشرقة الألمانية الشهيرة "آنيمارى شيمل"، الحاصلة على جائزة السلام في معرض فرانكفورت منذ قرابة العشرة أعوام، والتي جمعتني بها صداقة حقيقية على مدى أربعين عاما، منذ أن كنا نحرر معا مجلة "فكر وفن" في بون على مدى ثمانية أعوام متصلة (1963 – 1971)، كانت على قيد الحياة (رحلت عنا للأسف في مطلع العام الماضي)، فهي أقدر من كان يمكن أن يتحدث إلى مواطنيها في موضوع هام كهذا، ولكن – كما أشرت – توجد بعض البدائل التي يمكن الاستعانة بها من بين الألمان المنصفين.
أما بالنسبة لمعرض الفنون التشكيلية في العالم العربي فنرجو أن يقدم في فرانكفورت كل ما هو مختلف في فنوننا التشكيلية عن التيارات السائدة في الغرب، وأن يتجنب كل ما يتماهى مع الحلول الغربية في رؤانا التشكيلية، وهو ما تعانى منه لشديد الأسف الحركة التشكيلية في عالمنا العربي (سبق أن تعرضت بالنقد لهذا الجانب المؤسف لدى الكثيرين من فنانينا التشكيليين العرب – أنظر على سبيل المثال مقالاتى الناقدة لهذه الظاهرة المستغربة في صفحة النقد التشكيلى بجريدة القاهرة).
وأما تقديم فنون الخط العربي فأقترح ألا يقتصر على تراثنا الزاهر أو إعادة إنتاجه في حقل كهذا يحظى بإعجاب الألمان والغربيين بعامة، وإنما أن يشتمل على إضافات عربية معاصرة، ومن ذلك على سبيل المثال ما قام به الفنان التشكيلى المصرى سعد الجرجاوى، ضيف شرف بينالى القاهرة في ديسمبر الماضى والمقيم في ألمانيا منذ 1964، حيث "ترجم" تشكيليا، بناء على اقتراح منى، مقولة شهيرة للفيلسوف الالماني "إيمانويل كانط" قمت بترجمتها للعربية مع تصور تعليق بصري عليها من وجهة نظر عربية قام هو بتنفيذه، فأسفرت هذه التجربة المشتركة بيننا عن عمل أقبل عليه الألمان بلهفة غير عادية حال نشره على الغلاف الداخلى لمجلة " فكر وفن " أثناء الفترة التي كنت أصدرها مع " شيمل" من بون ـ وذلك في مقابل النص الألماني الأصلي على الصفحة المقابلة للتشكيل العربي.
أما بالنسبة للحفلات الموسيقية التي ستقدم في فرانكفورت، فلا بأس من تقديم عزف غربي لبسمة عبد الرحيم، ابنة الدكتورة سمحة الخولى، وزوجها كامل صلاح الدين على أن تكون لأعمال مستلهمة بحق من الثقافة الشعبية العربية، كسيمفونيات الراحلين جمال عبد الرحيم وعزيز الشوان. أما أعمال الراحل أبو بكر خيرت فقد أدى تقديمها بمناسبة محاضرة عامة لي في جامعة كولونيا عن العقاد بمناسبة وفاته في عام 1964 لاستنكار الموسيقيين الألمان الذين لم يجدوا فيها ما يزيد على تداريب طلبة الموسيقى المبتدئين على نمط ألحان شوبرت وهايدن، وهى نفس الآفة التي تعانى منها أكثرأعمال فنانينا التشكيليين.
أما الموسيقى الشعبية العربية فتلقى إقبالا خاصا من الجمهور الألمانى، خاصة إذا ما عبرت عن أشواق الجماهير العربية بإزاء الواقع الذي يعيشونه في عالم اليوم. وقد حظت – على سبيل المثال – أغانى الشيخ إمام التي من بينها "شرفت يا نكسون بابا" بشعبية كبيرة في ألمانيا بخاصة وأوربا بعامة خلال السبعينات. ونرجو أن يكون حفل الموسيقى السودانية الذي ستقدمه فرقة الدكتور الفاتح حسين تأسيسا على أنغام الثقافة الشعبية في السودان وهى التي يعشقها الغربيون أيما عشق. كما أنى أفتقد في هذا السياق إنشاد يسين التهامى الذي يهواه الغربيون لما يتمتع به من إيقاعات يطربون لها حتى أنه كثيرا ما يدعونه لإحياء أمسيات موسيقية في بلادهم.
وأما الأفلام العربية المقدمة بغزارة في فرانكفورت، فإنى لأرجو ألا تكون الخبرة الضافية للناقد السينمائى المتيز سمير فريد قد غابت هي الأخرى عن منسقى برنامج المشاركة العربية في معرض فرانكفورت خاصة وأن لهذا الجانب أهمية خاصة بالنسبة لتقديم صورتنا كعرب محدثين هناك.
يتلخص تعليقى الناقد نقدا بناء لبرنامج المشاركة العربية في فرانكفورت فيما يلي:
1- ضرورة أن يرافق عرض تراثنا العلمى القديم والوسيط تقديم نماذج منتجة للمعرفة العلمية الآن في مصر وسائر أقطارالعالم العربى. أما التنكب عن ذلك فسوف ينفى الغرض الرئيس لذهابنا إلى فرانكفورت، إذ سيثبت في أذهان الألمان فكرتهم المسبقة بأننا كعرب قد خرجنا بالفعل من التاريخ في مجال إنتاج المعارف التخصصية في ميادين العلوم الطبيعية، وهو ما يتنافى مع الحقيقة كما بينت في صدر هذه الرسالة.
2- الحاجة إلى أن تركز إدارة الجلسات في فرانكفورت على البدء بطرح المحاور الرئيسة لموضوع الندوة بهدف تنشيط أسئلة الجمهور الالماني ومن ثم تهيئة الشرط اللازم للتشابك معها من جانب المنصة في حوارية تبدأ بما يطرحه الجمهور من تصورات، وليس بما تقدمه المنصة من آراء مسبقة مهما كانت مصداقيتها المجردة.
3- أن تخصص محاضرة عامة لا تزيد عن الساعة وربع الساعة يكون موضوعها المباشر: الجهاد في الإسلام. فقد صارت هذه القضية الشاغل الرئيس للألمان منذ أحداث الحادى عشر من سبتمبر في نيويورك، وأن تتاح أكبر فرصة ممكنة للمناقشات بعد انتهاء المحاضرة التي يحسن أن يقدمها فضيلة الشيخ طنطاوى، شيخ الجامع الأزهر، نظرا لما يتمتع به من مصداقية عامة، كما أنى أتصور أن إلقاء فضيلته لمحاضرة بهذا العنوان يمكن أن يكون مصدر جذب قوى لوسائل الإعلام الألمانية.
4- أهمية ربط الندوات التي ستعقد لتقديم الأدب العربي المعاصر حتى لا تبدو كأشتات متفرقة من خلال محاضرة منهجية عامة موضوعها:
"الأدب العربي المعاصر والأدب العالمى"، وذلك بهدف تحييد الإسقاطات النفسية غير الدقيقة، التي تحمل معها التحيزات المسبقة للنظم القيمية للمجتمعات لا سيما في المجتمعات الغربية، على أدبنا العربي لحديث، وهو ما سبق أن خبرناه من قبل في ألمانيا على مدى العقود الأربعة الماضية.
5- أن يستفاد من مفهوم الصورة في الأدب المقارن، وما يتصل بهذا المدخل من أبحاث تطبيقية على الصور السالبة عن الشعوب في أدبيات بعضها البعض، وذلك بهدف تحييد تلك الصور المشوهة الخاصة بالذات والآخر وإحلالها بالتعرف الدقيق على الفروق الموضوعية بين الذات والآخر، أساسا لكل تفاعل بناء بينهما.
6- أن تسعى المشاركة العربية في فرانكفورت لأن تؤسس ما تقدمه من ندوات وعروض على النجاحات التي تحققت من قبل في ألمانيا من خلال ترجمة وتقديم بعض أعمال أدبائنا العرب بالألمانية، مثل مسرحية " على جناح التبريزى " لألفريد فرج التي لاقت نجاحا كبيرا لدى الجمهور الالماني عندما ترجمت وعرضت على خشبات المسارح في ألمانيا، والنمسا، وسويسرا.
7- أن يتوخى في معارض الفنون التشكيلية العربية اختيار الأعمال التي تقف بصلابة فوق خصوصيات أرضياتها المجتمعية بعيدا عن أى صورة من التماهى مع التيارات التشكيلية الغربية.
8- أن تقدم التجارب التي سبق أن لاقت نجاحا في حقل الخط العربي كوسيلة تعبير عن منظور عربى معاصر لمقولات فكرية وفلسفية ألمانية – نموذج فكر الفيلسوف " إيمانويل كانط" من منظور تشكليى عربى.
9- أن تحرص المشاركة العربية في معرض فرانكفورت على تقديم الأنغام والأغانى الشعبية العربية نظرا للإقبال الكبير الذي تحظى به لدى المتلقى الالماني بخاصة والغربى بعامة.
وإنى لأشك كثيرا في أن شيئا من هذه الملاحظات المنهجية سيراعى في الإعداد للمشاركة العربية في فرانكفورت هذا العام بعد أن أبلغ الجانب الالماني بتفاصيل البرنامج النهائى للمشاركة، وعلى الرغم من أنى ما كللت عن محاولة لفت نظر القائمين على هذه المشاركة إلى هذه الثغرات الجسيمة منذ معرض الكتاب في القاهرة في شهر يناير الماضى، بل وكتابة منذ منتصف شهر مايو/ايار الماضى، أى منذ حوالى الشهرين والنصف، على الرغم من الحاجة الماسة لتحييد التحيزات المسبقة ضد العرب في الغرب خاصة منذ أحداث الحادى عشر من سبتمبر.
ولكن لا أذن تسمع، ولا عين تريد أن ترى !!
د. مجدي يوسف
أستاذ الأدب المقارن -الزائر- بجامعة القاهرة
ورئيس "الرابطة الدولية لدراسات التداخل الحضاري"، جامعة بريمن، ألمانيا