كانت بالفعل مفاجأة ليست بأقل من مفأجأة رحيل الكاتب نفسه!
أن يكتب من كان يسميهم جورج حداد بالصحفيين القطاريز، في رثاء ليسوا بأهل له عن رجل لا يتوافقون معه قيد (هزة غربال).
والقطاريز بلهجة اربد التي أنجبت جورج حداد هي جمع قطروز، وهو الصبي في الدرجة الدنيا من الخدمة.
جورج حداد القومي الأردني الغيور على طريقته التي لا تشبه أحدا، رحل، نعم رحل جورج حداد، جورج حداد الذي مات، لما سألته مرة عن هذه الأكوام من الصحفيين المصنفين تحت قائمة (الكتابة الساخرة)، والذين احتلوا عددا ليس بالهين من أفضل مواقع الأعمدة بالصحف المحلية، قال بالحرف الواحد:
(هؤلاء قطاريز) الصحفيين، يكتبون بناء على مواقفهم الشخصية، كان يكفي (أبو عصام) – ويقصد رئيس الوزراء السابق عبدالرؤوف الروابدة اتصالا هاتفيا بأحد هؤلاء، ويقول له: كيفك يا ابو الشباب، وينهي بذلك الحملة الموجهه من الكتاب القطاريز على حكومة الروابدة. وسترى – والكلام لجورج حداد – في اليوم التالي كل قطاريز الصحافة يمتدحون أبا عصام ويتغزلون بتواضعه!
تذكرت هذه العبارة وأنا اقرأ لعدد من هؤلاء المنعوتين بقطاريز الصحافة يكتبون الرثاء بجورج حداد، وتذكرت المشهد ذاته لأن أحدهم بالفعل يتغزل بوزير أو رئيس وزراء لمجرد أنه دعاه لمشاركته الشيشة أو بادره في السلام خلال لقاء عام، ينسى كل الملف السياسي وأداء وزارته أو حكومته!
كان بالفعل من غير اللائق أن يكتب الصحفيون القطاريز في رثاء جورج حداد ويتركوا الأمر لأصدقائه من المنتميين لذات الفكر والموقف الذي يفتقروه. لم يكن لائقا في عرب الجاهلية أن يمتدح هرمَ بن سنان وحاتمَ الطائي شاعرٌ صعلوك مثل عروة بن الورد أو تأبط شرا، كان هذا يليق بشاعر نبيل على طريقتهم كزهير مثلا.
***
من الساعة التاسعة صباحا وحتى الساعة الثالثة بعد الظهر، كانت فترة كافية لتعطي فكرة موسعة عن جورج حداد الكاتب المدرسة، الذي لا يخفي توجهه الفكري والسياسي عن أي متلقٍ، لكنه يخفيه بعض الشيء في كتاباته لظروف الرقابة أحيانا وليس في كل المرات.
كان هذا قبل نحو 16 عاما بالضبط، وكان برفقتي أحد الزملاء لإعداد مقابلة شاملة مع جورج حداد لمجلة "منبر الطلاب" في الجامعة الأردنية، والتي ختمها جورج حداد بدعوتنا للغداء على (حوسة) من البيت على حد تعبيره الذي لا أنساه.
عندما قرأت نعيه بالفعل ارتابني شعور عميق بفقدان قلم ورقة ثقافية أردنية من نسخة مختلفة، وشعرت بأني قدمت رسالة للرجل بعد أن توفي إذ قرأت كل التعريفات التي وردت فيه مع النعي منقوله عن الموسوعة الحرة – ويكيبيديا – التي كان لي شرف إضافتها قبل نحو خمس سنوات، وقلت فيها إن جورج حداد خالف القوميين العرب في آرائهم بالرئيس الراحل وصفي التل، رغم انتمائه للاتجاه القومي المعني بالقومية السورية والتي تشمل أيضا وحدة الهلال الخصيب كذلك.
وكتبت ما كنت قد قرأته سعوديا من أن الراحل الملك السعودي القومي الاتجاه فيصل بن عبدالعزيز كان يطلب نسخ مقالات جورج حداد، تصله باستمرار ومما كنت أضفته على تعريف الرجل ونقل بعدها على المواقع أن جورج حداد يتحدث العامية بعفوية رغم إتقانه الفصحى بامتياز واقتصار كتابته على الفصحى لاحترامه الحرف المكتوب.
***
كان لجورج حداد في مقابلتي معه آراءٌ بعضها استفزازي في حكم ما جبل عليه جيلنا من التربية القومية المسيسة، فجميع الذين يعرفون جورج حداد اليوم، ولم يكتب أحد ذلك أن جورج حداد كان له موقفٌ سلبيٌ من عبدالناصر، ومفهوم الناصرية الجديد، وأذكر أنني سألته عن جريدة "المجد" التي أصدرها الكاتب المعروف أيضا بناصريته فهد الريماوي، فقال فهد الريماوي كاتب راقٍ إلا عندما يتحدث عن عبدالناصر.
قال جورج حداد بالحرف الواحد "إن عبدالناصر قد قوض المملكات العربية التي كانت في طور التنمية وأغرقها في انقلابات ثورية تعاني منها إلى اليوم."
وسرد أيضا "تخيل أن دولة مثل مصر والعراق وليبيا واليمن بثرواتها العملاقة لو بقيت على نظامها السياسي المستقر، كيف كانت ستصير اليوم."، لما تحدث عن هذا الموضوع قال بالحرف وهو معروف فوق قوميته بوطنيته الصادقة:
"ربك ستر أن عبدالناصر لم يتمكن من الأردن ولو صار ذلك، كان كل هالشباب اللي ظل فيها غيرة عالبلد راحت مثل ما اختفت رموز الوطنية المصرية التي كانت تقود الأحزاب السياسية في العهد الملكي المصري وانتهت إلى اليوم!"
***
الشاعر الفلسطيني الأسطورة والذي رحل أخيرا، محمود درويش، كان لجورج حداد فيه رائي نوعي، قال إن محمود درويش هو شاعر فلسطين الأوحد حتى بُدئ مؤتمر السلام، قال في تبرير منطقي أيضا إن درويش ظل يحمل الهم الفلسطيني حتى المؤتمر، وبعدها صار يبحث عن عالميته عن طريق مؤتمرات مع يهود تعطيه شرعية المنافسة على جائزة نوبل كما فعل أدونيس من قبله!
***
جورج حداد كاتب، يعصر ذاته إذ يكتب، أعرف ويعرف الذين كانوا يتصلون به على هاتف منزله أن أحدا من العائلة أو غيرهم يعتذر عن الرد لأن جورج حداد، مقفل غرفته ويكتب. بينما القطاريز يكتبون وهم يلعبون الشدة في شارع الصحافة!
جورج حداد كاتب نوعي فوق الهم السياسي، مثقف على طريقة ما يقود للسياسية، أديب وناقد كان يكتب عن إلياس أبوشبكة وبشارة الخوري، تنهمر من عمق ثقافته الطويلة على عكس قطاريز الصحافة الذي يطلع على رواية يوسف زيدان أو الأسواني ليضمنها مقالة، في (كولاج) استعراضي أحمق.
***
في انتخابات عام 1993 ترشح جورج حداد لمجلس النواب، واعتمد على شعارات معينة لإيصالها، ولم يكن يهدف للوصول إلى المجلس، وسأله صديق شخصي يومها، لماذ لا تطلب دعم الحركة الإسلامية كما فعل فخري قعوار وبسام حدادين من المرشحيين المسيحيين، فقال إنه لا يسعى للنجاح مثل قعوار وحدادين، وإنما يسعى لوصول كتاباته إلى الذين لا يقرأون الصحف، هذا رغم أن جورج حداد هو الأقرب إلى الحركة الإسلامية في مقالاته من الآخرين، فقد سبقها بمقال امتدح فيه الشيح أحمد ياسين واصفا إياه بسنديانة فلسطين القديمة، وهو أول من انتقد الاختراق الصهيوني للبابوية التي تعتذر لليهود بعد ألفي سنة من (رحيل) السيد المسيح.
***
أكثر ما كان يعنيني في كتابات جورج حداد أنه يفاجئك بآرائه بواحا في قضايا قد تبدو جد صغيرة، ومثيرة ويقصدها على الوجه الذي يعنيه بتفاصيله. عندما فازت المغنية الأردنية التي وصفها بمتعددة المنابت ديانا كرزون، بفعل الترويج الأردني لها أكثر من الخامات الفنية، كان له رأي غريب أيضا، وبرغم ما يمكن تسميته بقوميته السورية فقد كتب في الدستور إن من أسباب فوز المغنية الأردنية هو معرفته بالإخوة السوريين وأنهم لا يدفعون ليرة واحدة من غير أن يعرفوا مردودها، في إشارة إلى أن السوريين لم يصوتوا لمغنيتهم المنافسة بسبب الشح وارتفاع كلفة التصويت عبر أجهزة الخلوي، وقال هذا معروف لدي ولدى أصدقائي السوريين!
***
اتصل أحد المذيعيين عقب اعتقال علي حتر في قضية التطبيع والنقابات يسأل جورج حداد عنه، فقال جورج حداد: على حتر ابن الوطن ورضع من حليب بقرتنا التي لا يمكن لها أن تخرج غير الوطنيين.
***
شفيت غليلي بعض الشيء في تذكر جورج حداد على غير طريقة من كان يسميهم بالقطاريز وجاؤوا اليوم يكتبون الرثاء وجاؤوا عشاءً يبكون.
محمد حسن العمري