الحديثي: الإمارات أفادت من المشهد الثقافي العربي وأفادته
 شاعر يستحم بمهب الروح
 بن علي يرعى ختام احتفالية القيروان عاصمة للثقافة الإسلامية
 وزراء ثقافة يتحدثون عن تجاربهم في معرض الكتاب بالمغرب
 اليهودي اليمني.. تاريخ الاسى الحلو!
 القصيدة سكن وملاذ لأسماء بنت صقر القاسمي
 أبوظبي للثقافة والتراث: اربعة اعوام من النجاح المذهل
 القصيدة تفشل بالاعتداء على الموت
 جائزة الشيخ زايد للكتاب: جزائري لجائزة الآداب وإماراتي لأدب الطفل
 حاكم الشارقة يدعم الشعراء الشباب في الوطن العربي

First Published 2009-11-17, Last Updated 2009-11-17 20:22:55


الوظائف الدلالية للمدونات

استراتيجيات الواقع في المدونات العربية

 
المدونات رهان اجتماعي على وعي متلقيها قبل أن تكون كاشفة بجدارة عن وعي منتجها.

ميدل ايست اونلاين
بقلم: د. مصطفى الضبع

إشارات أولية

1- التدوين عملية تطبيع إنسان العصر الحديث مع واقعه.

2- التدوين فى بعض وجوهه نوع من فرض الشفافية وانتزاعها من الآخر.

3- يمثل التدوين فلسفة العصر الحديث التى لم تعد حكرا على الفلاسفة بالمعنى التقليدى للكلمة.

4- من الصعب إن لم يكن من المستحيل توقع ما ستفرضه المدونات من نتائج لصالح المجتمع البشرى أولا ولصالح سعي الإنسان للتحكم فى مقدراته.

5- سيكون من اللائق أن نترك عملية التدوين تفرض شروطها وتفرض نجاحاتها، وتفرض أيضا عوامل بقاء الأعمق منها.

6- على عملية التدوين أن تراجع نفسها لا على مستوى طرح القضايا والأفكار وإنما على مستوى إنتاج جمالياتها الخاصة، فإذا كانت بعض المدونات قد نجحت فى ابتكار أسلوبها الخاص فإن بعضها يعاني من مشكلات جمالية مع أهمية ما يطرح من أفكار.

أما قبل

لم تنشأ المدونة من فراغ سوى فراغ الواقع، ولم يدفعها للاستمرار سوى دوام دوافعها ذات الطابع الواقعي، فهى ابنة الواقع، وهي وثيقة عليه عبر مرورها بثلاث مراحل زمنية موازية لزمن الواقع نفسه: قبل إنتاجها (مما يشكل دافعا يكون الواقع فيه بمثابة المستفز)، أثناء إنتاجها (بما يجعل من الواقع تقنية إنتاج كاشفة عن طبيعتها الفنية)، بعد إنتاجها (بما يجعلها وثيقة على واقع عبر عن نفسه من خلال آليات إنتاج المدونة نفسها).

إجرائيا نعتمد الواقع بمفهوم بسيط بعيدا عن التعقيد، يرى الواقع: كل ما هو سابق على إنتاج المدونة شريطة أن ندرك تعددية الواقع واتساع مناحي ينشاطه فليس الواقع طرحا اجتماعيا أو سياسيا أو اقتصاديا فحسب وإنما هو طرح ثقافي، وطرح نفسي، وطرح لغوي يشكل معجمه وفق ثقافة سابقة تتجلى في صورة ثقافة آنية تعتمد الكثير من مرجعيات الواقع، فبين المدون ومتلقيه ما يمكن أن يسمى بالحلف اللغوي. المدون يعتمد لغة الواقع للتعبير عن رؤيته للواقع المشترك بينه وبين متلقيه، حيث الاثنان يعيشان اللحظة ذاتها ومع تفاوت مساحات الإدراك تتسع رؤية المدون لتكون سابقة – بقدر ما – على رؤية المتلقي، ومن ثم يكون التأويل والتفسير الناتج عن رؤية المدون محكوم بدرجة ما بوعي المتلقي فى استقبال درجة المصداقية أولا ودرجة القدرة على بث المعلومات التي قد يكون المتلقي على وعي بها أو على درجة من الإدراك، فالتدوين في أحد جوانبه ليس مساحة خبرية – وإن كان كذلك في بعض حدوده الضيقة – وإنما مساحة معرفية تراهن على تنمية وعي المتلقي أو التأثير في هذا الوعي، وهو بهذه الطريقة فعل مضاد تحرري، مضاد لفعل الواقع عبر مواجهته ومجابهة عوامل تأثيره السلبي، ومضاد للأفكار الجامدة التي قد يبثها الإعلام الرسمي في كثير من الأحيان.

تقترب المدونة من اليوميات متخلصة من الجانب الذاتي حيث تميل إلى توسيع مجال التعددية سواء تعددية الآراء للمدونات المختلفة أو تعددية الآراء داخل المدونة الواحدة في قدرتها على استيعاب مئات الأصوات.

المدونة تعبير صادق للواقع في تعدده، فالتنويعات التي تبرزها المدونات تكشف بشكل أولى عن طبيعتها وتوجهها، وربما يكون من الصعب حصر هذه التنويعات بدقة، فالمدونة تنفتح على الواقع بقدر يصعب التكهن به، وفي الوقت الذي تتحدد فيه ملامح مدونة ما بأنها ...، فإن مدونات تشمل كل ذلك: تشير مدونة د. سيد مختار (الباحث عن الحقيقة) أنها: "خاصة، سياسة وأخبار ثقافة وفن، أدب وكتب، تسلية وأفلام وتلفزيون، ديانات، الأسرة والأصدقاء، مال وأعمال، إنترنت وبرمجيات، الموضة والحياة، ألحان وأنغام، تصاميم، تكنولوجيا، رياضة، سفر وتجوال، عام، المرأة"، وتكاد تكون وعاء قادرا على استيعاب مساحات من التنوع.

التناص مع الواقع

المدونة ليست تعليقا على الواقع بقدر ما هي تناص معه، محاولة اشتباك مع واقع قريب يبدو للمتلقي أنه عند أطراف الأصابع، ولكنه مراوغ إذا ما أراد الإمساك به لذا فهو فى حاجة لتعدد من الرؤى تمنحها المدونة لاستيعاب هذا الواقع، حيث المدونات تقوم بدورين متراكبين: أولهما إخباري، وثانيهما تفسيري وتأويلي، يتجلى الأول حين لا يكون المتلقي على درجة من المعرفة بالخبر، ويتجلى الثانى حين لا يكون المتلقي على درجة من الوعى بطبيعة الخبر وما بين المعرفة والوعي تتحرك درجة من الإدراك الجزئي للواقع ربما تتشارك عدد من المدونات لاستكمال الصورة أو تعمد مدونة واحدة إلى بذل جهد أكبر لتغطية جانب معين، كما يحدث في المدونات ذات الطبيعة الاجتماعية في محاولتها تغطية الجانب الاجتماعي بقدر ما تتماس مع قضايا أخرى لها صبغة اجتماعية كما في القضايا السياسية.

الوظائف الدلالية للمدونة

تتحكم مرجعيات المدونة في تقديمها وظائفها الدلالية، فمن مدون مبدع، إلى مدون لا علاقة له بالإبداع وبينهما مثقف يتزيا بالإبداع تتشكل من هؤلاء مساحات التدوين لتكشف عن مئات الكاميرات المثبتة على الواقع من أكثر من زاوية يمكنها رصد الكثير من المساحات في حالة من العصف الذهني الفعال والمستمر دون توقف على مدار الساعة.

المدون يطرح واقعه حسب ثقافته متجاوزا حدود التخصص الضيقة مستلهما بعض أساسيات هذا التخصص المهني فهو في النهاية معبر عن ثقافته المؤطرة بمعرفته الأشياء، لذا قد يتوقف عن طرح الأفكار العامة لصالح الأفكار الأكثر تخصصا حسبما تفرضه طبيعة ظروف صاحبها: "قررت قراراً نهائياً لا رجعة فيه أن أقوم بإغلاق مدونتي الحالية لأنها لا تتناسب مع وقت فراغي، فالتدوين العام غير المتخصص يحتاج إلى شخص متفرغ بطريقه عجيبة وهو ما لم يعد متوفراً لي الآن، سأقوم بافتتاح مدونة جديدة تماماً تستهدف شريحة معينه من المواضيع والتي في الغالب ستكون تقنيه وتختص بالتصميم والـ digital art بحيث أستطيع الاهتمام بمواضيعها بوقت كافي، بينما سأجعل الكتابة الشخصية الغير مقيده التي تمسني غير منشوره على الإنترنت فكفى بها أن تختفي إلى الأبد في دفتري الأخضر الشفاف (مدونة أراك لاحقا).

1- توسيع حدود الواقع

يضيق الواقع إذا التزم الإنسان حدوده الضيقة (حدود الإنسان لا حدود الواقع ) فالواقع في ظل تقنيات العصر الحديث يتسم باللانهائية، وقد خلقت ثورة الاتصالات مجالا حيويا أوسع بكثير من حدود خيال الإنسان في عصوره السابقة، ومن ثم جاء تعدد المدونات لصالح توسيع الواقع عبر حشده بالمئات من الأفكار التي قد تبدو متشابهة على مستوى الطرح، ولكنها تطرح وجوها متعددة للحوار مع الواقع بالأساس، ويمكن للمتابع لأي عدد من المدونات أن يكتشف بسهولة هذا التنوع في الموضوعات على مستوى المدونة الواحدة، ذلك الكاشف عن عدد من التصنيفات الدالة التي تأخذ ثلاثة أشكال أساسية:

الأول: أحادية التصنيف: حيث المدونة لا تعتمد توصيفا يكشف مضمونها عن نفسه عبر العنوان: روايات محمد العشرى .

الثاني: محددة التصنيفات الداخلية: حيث يمكن بسهولة حصر عدد تصنيفاتها كما في مدونة (أراك لاحقا): سيرة ذاتية – ماذا تعني مدونة – راسلني – أرشيف المدونة – تبادل الروابط – الرحيل - صورة الأثير- دقيقة تقنية – حلال المشاكل – ثقافة – المنوعات – هذه حياتي – نص كلمة – مختارات مجهولة المصدر – مواقع هامة – مواقف شخصية – كلام كبير (مدونة أراك لاحقا).

الثالث: غير محددة التصنيفات: وتأخذ شكل التصنيفات غير المحدودة، فاتحة أفقا غير محدد كما نجد فى مدونة "الباحث عن الحقيقة" : وقائع مصرية (15) - د. طارق عباس (9) - رثاء (1) • ابتسامات (2) • إبراهيم أصلان (4) • إبراهيم حجازى (9) إبراهيم ربيع (3) إبراهيم عيسى (103)• آثار ومتاحف (27) • أسامه غريب (7) • أحداث عالمية (2) • احصائيات (2) • أحكام قضائية (26) • أحمد المسلمانى (9) • أحمد رجب (نص كلمة)... (14) • أخبار (36) • أخبار رياضية (22) • إسرائيل (19) • إسلاميات (57) • أشعار (120) • إعجاز علمى (27) أقوال مأثورة (16) • البابا شنوده (35) • ألبوم صور (18) • الرأى الآخر (7) • العظام والعمود الفقرى و الألم... • (27) العلاج الطبيعى (11) العلاج بالغذاء (130) • القلم الثائر (3) • القلم الساخر (47) • القلم الفصيح (16) • أمراض المخ والأعصاب... (12) المرأة والطفل (42) أمراض السكر (22) • أمراض جلدية (1) أمراض نساء وولادة... (74)• أمين هويدى (15)• أهل الخير (4)• إهمال (6) الأماكن (21)• برامج (4) • بسمة أمل (10) بسيونى الحلوانى (7) بلال فضل (73) (مدونة الباحث عن الحقيقة).

2- توسيع مفهوم الرؤية النقدية

لا تعيد المدونات تشكيل التاريخ وإنما تكتبه ليس بوصفه تاريخا موازيا، وإنما بوصفه تاريخا أوسع يشمل كل أنواع التأريخ، وفي اللحظة التي تهتم فيها المدونة بالأحداث تلتقي بالتاريخ، حيث تتوحد الرؤية للحدث من حيث هو: "كل تغير يطرأ على حياة البشر، وكل ما يطرأ من تغير على الأرض أو في الكون متصلا بحياة البشر، والحادث قد يكون مفاجئا كوقوع الزلازل يهدم المدن، وقد يكون عنيفا مثل قيام حرب، وقد يكون بطيئا غير محسوس كعمليات التطور البطيئة التى لا يفطن الإنسان إلى حدوثها إلا على المدى الطويل." (د. حسين مؤنس: التاريخ والمؤرخون – دار المعارف – القاهرة 1984، ص 21).

المدونة هنا تاريخ مرتبط بالحوادث والحوادث علامة على واقع أصبح – مع متغيرات الزمن – شديد التطور وسريعه في آن واحد والمدونة التي تستثمر تقنيات الاتصال هي في حقيقة الأمر حركة في الزمن ذلك السريع التغير، وإذا كان وعي المدون الحديث متجاوزا بكثير وعي المتابع القديم فإن المساحات المكانية التي نجح إنسان العصر – بفعل تقنيات الاتصال – اتسعت لدرجة كبرى ولم يعد الإنسان محصورا في نطاق مكاني يمثل شارعه أو حيه أو مدينته أو حتى وطنه بالمعنى المتعارف عليه، فقد تمنحه تقنيات الاتصال أبعادا معرفية بالعالم كله ولا تصل إلى ماهو قريب منه، وحتى عندما يدرك الأحداث القريبة فإنه يراها ممررة بوعي هؤلاء الذين تابعوها وبثوها له عبر وعيهم بها، وقد يحدث مع المواطن العادي في أي بلد من بلدان العالم الثالث أن تغلق وسائل الإعلام الرسمية في وجهه منابع المعرفة بالأحداث مما يدفعه إلى البحث عن الأحداث التي يعرفها أو يكون في حاجة لمعرفتها.

توسع المدونة من مفهوم النقد مستفيدة من وعيها بالواقع لتخرج مفهوم النقد من ارتباطه بالنص الأدبي المكتوب خالقة من الواقع نصها الحيوي الأكثر فاعلية، ومجرية عليه أفكارها، محققة نتائجها الأكثر تعبيرا عن واقعها.

وقد أظهرت الدراسات جوانب أهمية التدوين على المستوى الإجتماعي والإعلامي مما يمنح التدوين فرصة تجاوز الآلة الإعلامية التقليدية إلى الحد الذي جعل المدونة العربية مصدرا إعلاميا (اعتمد محمد حسنين هيكل في برنامجه على قناة الجزيرة على بعض المدونات المصرية بوصفها وثيقة لها قيمتها في السياق الاجتماعي، وتؤكد الدراسات ارتفاع عدد المدونين المصريين، وفي دراسة نشرها مركز بركمان للإنترنت والمجتمع في جامعة هارفارد الأميركية تحليلا لعالم المدونات العربي أظهرت نتائجها:

- احتلال مصر الموقع الأول من حيث عدد المدونين في العالم العربي، وتضم عددا من المجموعات الفرعية، مثل المدونين المنتمين إلى الإخوان المسلمين. كذلك، تضم مصر أكبر عدد من النساء المدونات، رغم أنهن يملن إلى الكتابة من دون ذكر هويتهن، بحسب الدراسة.

- ارتفاع عدد مستخدمي الإنترنت في مصر خلال العام الماضي، من 10.92 مليون إلى 13 مليون مستخدم. إلى جانب حجم عالم التدوين المصري، لعب المدونون المصريون دورا مهما في نقل المعلومات حول قضايا لا تغطيها عادة الوسائل الإعلامية المصرية التقليدية.

- تأتي المدونات السعودية في المرتبة الثانية من حيث عدد المدونين فيها. لكن في المملكة، تشير الدراسة إلى أن المدونين يميلون إلى مناقشة المواضيع التكنولوجية أكثر من السياسية (مدونة الصحافى معين شديد).

وهو ما يؤكد على تزايد عدد المدونين واتساع مساحات التدوين مع تزايد عدد المستخدمين لشبكة الانترنت، وانتقال قضايا الواقع المصري من مساحات للتداول الشفهي عبر المقاهي ووسائل المواصلات إلى الفضاء الافتراضي عبر التدوين الذي ارتفع سقفه ليسجل موقفه في كثير من القضايا، وقد ساعدت وسائل الاتصال الحديثة في توثيق هذه القضايا وقد كان للموبايل الدور الأبرز في هذا التوثيق مما ساعد على الكشف عن كثير من الجوانب المظلمة في القضايا المطروحة في الساحة الاجتماعية المصرية، وهو ما ساعد بدوره على فرض مساحة من الشفافية المنتزعة من القوى المضادة.

لقد شكل التدوين وجها آخر للحزبية الإلكترونية بعد المنتديات: "لقد خلقت شبكة الإنترنت نوعا من الأحزاب البديلة تبلور في المنتديات المتعددة التي تحتضنها، بدأ في شكل تجمعات من الشباب الباحث عن صداقات تتجاوز الحدود المحلية ثم سرعان ما انفتح المجال أمام جميع الفئات العمرية لتتشكل هذه الأحزاب، تلك التي عوضت غياب الأحزاب السياسية العربية والتي نعلم جميعا هشاشة معظمها وغياب فاعليتها وتدهور دورها مما كان له أكبر الأثر على وعي الشارع العربي وتردي أوضاع الكثير من المجتمعات العربية سياسيا واجتماعيا فضعف الأحزاب يقابله سيطرة الديكتاتورية والحكم الشمولي، وتهرأ المعارضة الحقيقة الذي دفع الأفراد إلى البحث عن واقع له طبيعته الخاصة" (مصطفى الضبع: الأحزاب الإلكترونية وثقافة العصر- مجلة الديمقراطية – مؤسسة الأهرام - القاهرة – أبريل/نيسان 2009).

وقد بدأت العملية الفردية للتدوين تأخذ طابعها الجماعي فلم يعد التدوين عملية فردية بالمعنى الذي بدأت به، وإنما تجاوزتها إلى نوع من الاشتراك في التدوين عبر مسارات متعددة منها:

- إضافة التعليقات على الأحداث المطروحة في المدونة الواحدة، حيث تستأثر القضايا ذات الاهتمام المشترك باتساع مساحات التعليق.

- تعدد طرح الموضوع الواحد في أكثر من مدونة. "ويهتم المدونون العرب بالأخبار المحلية سواء السياسية أو القضايا الحياتية، وتعد قضية فلسطين هي الاستثناء الوحيد، حيث تنتشر في كل مدونات الدول العربية تقريباً، وربما كانت الحرب على غزة أحد العوامل التي قادت لهذا، حيث جرت الدراسة أثناء الحرب على غزة." (مدونة السعادة).

- تشكيل ما يسمى بجماعات التدوين المتخذة أسماء محددة ذات دلالة تكشف عن طبيعتها: "هناك مجموعة جسر المشرق/الإنكليزي، المكونة من مدونين يقيمون في منطقة المشرق، وتضم لبنان، فلسطين، الأردن وسوريا، إضافة إلى معظم مدوني العراق. وينضم إليهم ما يسمى بـ "المدونين الجسور" من مختلف أنحاء العالم العربي ويكتبون بالإنكليزية وتقول الدراسة إن هذه المجموعة تتناول مواضيع مختلفة وتهتم بالأخص بالقضايا الدولية" (مدونة الصحافي معين شديد).

3- الذاكرة التحفيزية: في محاولتها خلق سياق تحفيزي تتسم المدونة بتشكيل ذاكرة خاصة بها سواء على مستوى ما تعيد طرحه من أفكار أو على مستوى طرحها أفكارها الجديدة يقول محمد العشري: "الزحام الذي لا مبرر له، يخنق الحياة في صدورنا، يدفعنا أن نفكر في حل للخروج من تلك المتاهة، أن نبدأ في تبني مشروع حضاري، قومي، ينهض بمصر في الوقت الراهن، يسهم في ادخار حياة كريمة للأجيال الجديدة، ولكي لا تتشتت أذهاننا في البحث عن حلول مؤقتة، مُسكنة، سرعان ما تنتهي صلاحيتها بمجرد الشروع فيها، لدينا الخطة التي رسمها، وانتهى إليها الدكتور رشدي سعيد - أبو الجيولوجيا في مصر - في كتابه الأخير (مصر المستقبل)، الصادر في (كتاب الهلال – 2004)، قبل فترة، ولم ينتبه إليها، أو يتبناها أحد حتى الآن." (مدونة روايات محمد العشري) طارحا مشروعا ينهض على تحفيز الذاكرة الوطنية للخروج من مشكلاتها عبر مشروعاتها المهملة، ورؤية الروائى هنا تعتمد قدرته على استكشاف ما ليس منظورا من مساحات واقعية انشغلت عنها الجماعة البشرية.

4- الوعي الساخر: مالت بعض المدونات إلى طابع السخرية، وهو رد فعل طبيعي لمجابهة الواقع، ولم يتوقف الأمر عند المدون المصري الذي عرف بطبيعته الساخرة، وإنما تجاوزه إلى بقية المدونين على اختلاف بلدانهم العربية.

مشكلات اللغة

على الرغم من تعدد الوسائط المعتمدة بوصفها لغة توصيل في المدونات (لغة – صورة – موسيقى – رسوم متحركة – مقاطع فيديو) فإن اللغة تظل هي الأساس الأهم في طرح المدونات لأفكارها ورسالتها، والمدونات تعتمد لغة لها طبيعتها الواقعية فهي لا تسعى إلى التقعر في اللغة، وإنما تقترب من لغة السياق الاجتماعي الذي تولد فيه والذي تتلقى على أساسه الجماعة البشرية المدونة بوصفها خطابا يجمع بين عدد من المستويات الثقافية، اللغة هنا: "لا تنقل ببساطة صورة ميتة عن الواقع الخارجي بل موقفا تجاهه في الوقت نفسه وهي تفعل ذلك لأن التجربة كلها، والحياة كلها، والواقع كله يبرز على نحو واع خلال مسيرة صراع الإنسان". (كريستوفر كودويل: الوهم والواقع، دراسة في منابع الشعر – ترجمة: توفيق الأسدي – دار الفارابي – بيروت 1982، ص 165.) .

لغة المدونات تعتمد سياقا له طبيعته الفنية فهي تميل إلى لغة الحقيقة على حساب المجاز، وتكون المدونات ذات الطبيعة الشعرية أقرب إلى اعتماد لغة المجاز من المدونات مفتوحة الأفق التي لا تتحدد بهذا الإطار الأدبي، ومن ثم فإن لغة التدوين تأخذ نمطين أساسيين وفق طبيعة موضوعها:

- الشكل الأول: يميل إلى لغة مجازية على الرغم من مقاربته للواقع، ولكنه الواقع الذاتي، واقع المدون الأقرب من مجرد مقاربته مجتمعه المحلي، حيث يأخذ جانب الذات في استبطانها أفقها الخاص كما في (مدونة "الساعة العاشقة صباحا" لنسرين الصباغ)، والمجاز يطرح نفسه في منطقتين أساسيتين: منطقة التصدير، حيث يطرح المدون ما يمكن إدخاله في نطاق المقولات المستعارة من الآخرين لتصدير المدونة وتكون ذات طبيعة مجازية بالأساس "نحتاج وقتا طويلا لننطق أي شيء بالإنتية القديمة، لذا فنحن لا نقول ما لا يستحق وقته (حوليات صاحب الأشجار)، منطقة المتن حيث تأخذ المدونة شكل النص الشعرى أو ما هو أقرب لطبيعة الشعر "لم يتبق في كأس العمر سوى قطرات أيام، خطؤك، فأنت من حضر حفل حياتي متأخرا." (مدونة العاشقة صباحا).

- يميل إلى لغة الحقيقة بالدرجة التي تجعل المجاز متواريا بدرجة كبرى عبر تلك المفردات الواصفة لواقع لا يحتمل المجاز.

وهما شكلان يكشفان عن مشكلات متعددة تعانى منها لغة المجاز بالدرجة التي يمكن اكتشافها والكشف عن تأثيرها السلبي على المدونة بشكل عام، ومن أهم مشكلات لغة المدونات:

- اختيار الفنط: من أخلاقيات النص الحاسوبي ألا تستخدم فنطا ذا حجم كبير عن المعتاد (لا تفترض في متلقيك ضعف الإبصار أو عدم القدرة عليه) وقد أتاحت برمجيات الحاسوب للمتعامل معها الفرصة لتكبير الفنط أو تغييره حسب ظروفه وذائقته، ومن النماذج الصارخة استخدام فنط "Tahoma" حجم 24.

- الأخطاء الإملائية والنحوية: وتكاد تمثل النسبة العظمى في التكرار والتردد ، منها :

* "أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين كان لازاما علينا".

* "مدونون العرب في أزمة" (اتحاد المدونين العرب) والصواب: "مدونو العرب".

- مشكلة العامية: يفضي استخدام العامية وغيرها من اللهجات المحلية إلى تضييق نطاق التدوين وحصره في واقع محدود وهو ما يمثل تضادا مع مفهوم التدوين عبر الوسيط التفاعلي الذي يجعل منه نصا متسع المجال، ومن ثم فإن اعتماد مثل هذه اللهجات من شانه أن ينتهي بالمدونة إلى التوقف لغياب التفاعل مع متلقيها.

***

إن المدونات رهان اجتماعي على وعي متلقيها قبل أن تكون كاشفة بجدارة عن وعي منتجها فهي بالضرورة حالة من الحراك الفعال ضد الجمود وضد حركة التكلس التي تصيب مجتمعا لا يفرق بين الانطلاق للأمام أو الانطلاق للخلف، إنها وعي المجتمع في محاولته طرح رؤى مغايرة لرؤية المثقف التقليدي الذي ينتجه المجتمع ليدفعه إلى حظيرة التدجين لينتهي به الأمر إلى الدعوة لنفسه أكثر من دعوته لمراقبة المجتمع ومشكلاته.

د. مصطفى الضبع ـ القاهرة

(الورقة التي شارك بها الباحث في مؤتمر الإسكندرية الأول للثقافة الرقمية 27 ـ 29/10/2009).


طباعة شاملةطباعة مبسطة


اعلى