الأمم المتحدة تتهم ثماني دول عربية بانتهاك حقوق الانسان دون أن تسميها
 عرب الخليج والبحر الاحمر: محاربة القرصنة مسؤوليتنا
 حرية الإعلام تتنفس بصعوبة في العالم العربي
 الرئيس الجيبوتي: لا نريد حربا مع اريتريا
 مجلس الامن يطالب اريتريا بالانسحاب من أراضي جيبوتي
 إفريقيا تطالب اريتريا بالانسحاب فوراً من جيبوتي
 فرنسا تعلن دعمها العسكري لجيبوتي في النزاع مع اريتريا
 مقتل ستة جنود جيبوتيين بمعارك مع الجيش الإريتري
 نذر الفشل تطارد فرقاء الصراع الصومالي في جيبوتي
 مجلس الأمن يجتمع بأطراف الصراع الصومالي في جيبوتي

First Published 2009-11-08, Last Updated 2009-11-09 17:04:50


'الشعر عالم يستقل بذاته وينأى عن القيود'

تكفير الشعراء (1): عُدنا الى الجاهلية

 
كأننا نبحث من جديد عن سيطرة رجال الدين على الفكر والكلمة، فكيف يكفّر الشعر وهو يحمل رسالة سامية؟

ميدل ايست اونلاين
القاهرة – من محمد الحمامصي

يوما بعد الآخر تتصاعد الحملات ضد الشعر والشعراء، حملات وأد وتحجيم وتكفير ورفض، بدأت بقضايا تكفير وقمع وسلب رفعها أفراد من الأصوليين المتشددين ضد قصائد وشعراء في مصر والسعودية، وانتهت بمناهضة دولة ورفضها بل وتحريم مسابقة شعرية في حجم "شاعر المليون"، التي رفضت السعودية استكمال دورتها في مدينة جدة والتي كان مقررا أن تقام في الفترة من 16 الى 19 أكتوبر/تشرين الاول الماضي، الأمر الذي يؤكد على أن الشعر والشعراء دخلوا دائرة "الهوس المتطرف".

الشاعرة السعودية مها سراج تقول "كأننا دخلنا إلى الماضي نبحث عن ضلالات الجهل وسيطرة رجال الدين على الفكر والكلمة، كيف يكفر الشعر وهو يحمل في مضمونه رسالة تسمو بالمشاعر وتدعو للارتقاء بأفكارنا إلى ما وراء الواقع اليومي الذي يمارسه البشر، فالشاعر الذي يستخدم أدواته بكل صدق وحرفية ما هو الا كائن تلح عليه قدرات الهامية تنتقل به إلى مناطق ذهنية عابرة لا تستقر ولا تهدأ، الشاعر إنسان لا ينتمي إلى قوانين ولا إلى تشريعات بل هو عالم يستقل بذاته وينأى عن القيود".

وتضيف سراج "متى كان الشعر حبيس فكرة أو مبدأ أو تشريع، وقد اتهم سيد الخلق يوما بالشاعر المجنون، لقد كان يوصف الشعراء بالمجانين في ذاك الزمان وهو وصف متناهي السذاجة ولكنه تعبير سوقي تناسب مع فكر جاهلي ضيق. والفكرة هنا أن من لا يتبع قانونا أو تشريعا محددا فهو شاعر مجنون، وتلك دلالة بينة على أن الشاعر لا يتقيد بتشريعات محددة سواء دينية أو وضعية وهو في حقيقة الأمر أن صح التعبير لا ينتمي إلى مبدأ تطبيقي يتم من خلاله تقييد فكره، تلك حال الشعر وذاك هو الشاعر، يتمتع بحرية مطلقة كأرواح تلهو في برزخ أبدي".

وتتساءل سراج "هل لم يبق لرجال الدين شاغل آخر سوى التمحيص في القصائد والدواوين للشعراء أم أن القضية قد تكون خاضعة أيضا لمصالح شخصية وتصفية حسابات في وقت أصبحت فيه بعض مناخات النقد خالية من الحرفية التي تستند على الفكر والمنطق والمهارات".

وتتابع سراج "ما أفهمه أن رجل الدين تلقى عليه مهام إصلاح المجتمع، ومجتمعاتنا بالتأكيد بحاجة إلى إصلاح شامل ومعتدل وليس إصلاحا قاصرا ولكنه إصلاح يدخل ضمن مفهوم العدالة التشريعية، بحيث تضمن هذه العدالة وضع قوالب مثالية يتم من خلالها تطبيق القوانين الشرعية، بما يضمن الخروج بنظام اجتماعي متميز يخرج بمجتمع تسوده المحبة والرحمة والعدالة، ولكن يبدو أن البعض من هؤلاء تجذبهم الظواهر الاستثنائية ولا تهمهم النظرة الشاملة للمجتمعات الإسلامية، ورجل الدين الذي يترك المبدأ الرئيسي لمهمته، ألا وهي إصلاح المجتمع ويتوجه بكل طاقاته إلى قصيدة وجد فيها ما يخالف أفكاره ما هو إلا رجل دين لا يتمتع بسعة الأفق ولا بالمنطق الديني السليم".

وتستغرب الشاعرة السعودية "أن يدخل الشعر دائرة التطرف الديني، والتطرف في كل مناطق الحياة أمر بغيض يؤدي إلى الانغلاق والتقوقع في دائرة مغلقة تمنع دخول الهواء وتحبس الحريات وتكمم الأفواه، فكيف سيتمكن هذا التطرف الديني من النيل من شاعر او من شعر؟ في ظني أن ما يحدث هو حالات فردية تخضع لأمور شخصية قد لا تشكل ظاهرة في الوقت الحالي على الأقل ولكنها قد تلوح بتهديد ما بأن يصبح الشعر خاضعا لأمور الحلال والحرام بحيث يفقد الشاعر تلقائيته وعفويته وينشغل بقيود التفكير فيما يصح كتابته أو مالا يصح".

لكنها تقول "هي ليست دعوة لانحلال فكري في الشعر ولكنها دعوة لأن يبقى الشعر غير خاضع لتشريعات بذاتها وإلا انقلب الشعراء إلى دعاة دين وفي المقابل هي دعوة للشاعر بان يستخدم حرياته ويوظفها وفق أخلاقيات وضوابط تمليها عليه فطرته السليمة ونشأته الدينية المحافظة وليست المتطرفة".

أما الشاعر السعودي محمد خضر الغامدي فيقول "مسألة التكفير في السعودية قديمة ومنذ بدايات الحداثة وموجتها، هناك أفكار سادت وانتشرت وقتها عن الشعر الجديد خاصة، وأخذ البعض يضع لها تفسيرات ومعان واحتمالات على أنها تجاوزات دينية أو فكرية أو حتى أخلاقية كما قرأنا في بعض كتبهم".

ويرى الغامدي ان "تكفير الشعراء واحدة من السبل لعرقلة الفن والإبداع والذي ترى بعض الأفكار المتطرفة أنهما يحملان حاجزا للتوجهات المتطرفة والمتشددة. لا سبيل ولا حيلة لإيقاف هذا الهوس المتطرف، سوى أن تعاد النظرة إلى الشعر وجوهره وقراءته بمنظور آخر، ومن قبل متخصصين في النقد والأدب وبعيدا عن الكتب التي تنشر الآن وتخص التكفير بالجملة للشعراء".

ويضيف "لا سبيل ما دام هؤلاء المتشددون يعانون من نظرة أحادية للحياة أصلا، ويعانون من فكرة أنهم حماة وحراس على الناس وعلى الأفكار، وينقصهم الوعي الكافي كي يتماشوا مع جوهر الأشياء والتي يحتفي بها الشعر ويحميها".

رابطة للأدباء والكتاب

ويقترح الشاعر السعودي سعود عبد الكريم الفرج بعض الحلول، ويقول "الإسراع في تكوين رابطة للأدباء والكتاب السعوديين أسوة بدول الخليج العربية المجاورة تنضوي تحتها هذه الشريحة من الشعراء والشاعرات، والعمل على تشجيعهم ماديا ومعنويا من خلال تبني طبع نتاجهم وإعطائهم فرصة التعبير عن آرائهم مع مراعاة واقعهم المحلي، وأن تسهم وسائل الأعلام المرئية والمسموعة في إبراز دور الشعر التثقيفي وأثره الواضح في حياة الفرد والمجتمع وما له من تأثير في تهذيب الأخلاق والذائقة العامة وبث روح التسامح والعاطفة الإنسانية على مرور الزمن".

الشاعرة المصرية هدى حسين تقول "الكتابة ثم الكتابة ثم الكتابة.. أنا لا أعرف ما السبيل للدفاع والخلاص من هذا الهوس المتطرف، أعرف انني أكتب، وان الشعراء قبلي كتبوا ومن بعدي شعراء سيكتبون. وأنه من الطبيعي إذا كانت كتاباتنا تلقيها غير جماهيري أن تتم معاملتنا معاملة الأقلية ويباع ويشترى فينا بكل الطرق، ونحن نكتب بهذه الطريقة، ونعرف ذلك جيدا، ونستمر في الكتابة بهذه الطريقة برغم هذه المعرفة، إنها الكتابة، إنها نحن، ذواتنا التي نعريها على الورق ونحن نعرف إنه لا مناص إذن من إنهم سيرجمونها بالحجارة".

وتؤكد الشاعرة الكويتية سعدية مفرح أنه لا حاجة للشعر الحقيقي لأحد كي يدافع عنه، قائلة "الإبداع يفرض نفسه دائما رغم كل الحملات الغبية التي قد تمارس ضده، ولا يمكن أن نصف أي حملة ضد أي تجل إبداعي إلا بالغباء، لأنها ضد منطق الإبداع وربما الخلق نفسه، لكنني سأكرر ما قلته سابقا حول سؤال مشابه عن مصير الشعر، الذي يبدو هذه الأيام وكأنه يتيم على مائدة النصوص اللئيمة، ما ذلك الهوس المتطرف ضد الشعر الذي يشير اليه السؤال إلا صورة من تلك الصور اللئيمة، فأستعين بشاعر نوبل الكبير أوكتافيو باث الذي يقول في كتابه الصغير الجميل 'الشعر ونهايات العصر': كل حديث عن الشعر يجب أن يبدأ أو ينتهي بسؤال: كم من الناس ما زالوا يقرأون كتب القصائد؟ ومن هم هؤلاء"؟

ويرى باث أن الشعر لا يلفظ أنفاسه الأخيرة، ولكنه يعطي الانطباع بأنه متعب، أو أنه يعاني حتى من نوع من الجدب، ورغم أن هذا الشاعر الكبير يعترف بعدم ظهور أي حركة شعرية ذات مجال واسع لمدة ثلاثين سنة، وذلك للمرة الأولى منذ المرحلة الرومانسية، إلا أنه يشير في الوقت نفسه إلى أن هذا ينطبق على الفنون الأخرى، وإلى أن هذه الظاهرة لم تمنع من ظهور شعراء وفنانين مجيدين، فكل جيل يطرح أعلامه.

ولذا فإن باث ليس قلقاً على صحة الشعر بل على المكانة التي يحتلها في المجتمع الذي نعيش فيه، وهذا قلق لابد أن يتشارك فيه كل الشعراء دون أن يفقدوا الأمل في تحويله إلى مجرد قلق فلسفي، لا يكون بالضرورة تعبيراً عن الشعور بالانتقاص من مكانة الشعر الإنسانية التاريخية، بقدر ما يكون تعبيراً عن الشعور بأهمية أن الشعر في التكوين البشري، وبأهمية أن تصير الدهشة، التي هي هوية الشعر الأولى حتى لا تكون الأخيرة، عنواناً للفيض البشري المتلاطم في بحر التكنولوجيا الحديثة.

وتشير الشاعرة الكويتية الى ان الشعر "بغض النظر عن تعريفاته المستحيلة وتوصيفاته التي لا يمكن رسم حدود واضحة لها، ما هو إلا دهشة، مجرد دهشة تصل بالشاعر إلى حد البكاء دائماً، وإلى حد الضحك دائماً، ليس بوصف البكاء تعبيراً عن حزن عميق، ولا بوصف الضحك تعبيراً عن فرح غامر، ولكن بوصف الممارستين تعبيراً إنسانياً راقياً عن دهشة ما تجاه شيء ما في هذا الكون اللامتناهي في تكوينه المتراكم، دهشة متسائلة، مأخوذة وآخذة في نفس الوقت".

وتضيف "ما الشعر إلا قبض عفوي وذكي على لحظة الدهشة الملتبسة تلك، أما نار الشعر المقدسة فإنها تلك البعيدة إلى حد التماس مع الروح والقريبة إلى حد التماهي مع الحقيقة الأخيرة، وعلى مدى الخطى الفاصلة بين الحدين، تغوينا شهوة الشعر وتغرينا لذته المستحيلة".
طباعة شاملةطباعة مبسطة


اعلى