ما الذي يجعلك سعيداً؟ هل بحصولك على المزيد من المال، أو باقتناء سيارة فارهة أو بإيجاد الشريك المثالي؟ لقد تبين أن الأشياء التي نركز على اعتبارها مصادر السعادة لا تتركنا في الواقع راضين لفترة طويلة.
منذ بضعة سنوات كتب الاقتصادي ريتشارد إيسترلين مقالة بعنوان "اقتصاديات السعادة"، ولفت الانتباه لنتائج مشوقة.
ففيما يبدو أن بعض الأشياء التي نعتقد أنها تجعلنا سعداء لها في الواقع تأثير بسيط على إحساسنا بالعافية وحسن الحال.
لا شك أننا جميعا نلهج بالكليشة التي تقول "لا يستطيع المال شراء السعادة".
ومع ذلك فإن الكثيرين منا يفترضون أنه لو لدينا أكثر قليلا من النقود ( أكثر بنحو 20% ) فسنكون أكثر سعادة.
لعله لو أمكننا شراء المزيد، وتسديد المزيد من الفواتير، فسنكون أقل انضغاطا بشأن المال.
بيد أن إيسترلين وجد أن ذلك ليس صحيحا.
وهو يرى أن الكثير منا ينخرط فيما يسميه "وهم المال" الذي يرشدنا إلى كيفية صرف الوقت بينما نركز على الحصول على المزيد من المال.
وهذا بالطبع يتوافق مع الاقتصاد الرأسمالي الذي يُبنى على الكفاح المتواصل من أجل المزيد.
ولكن ألن يجعلني ربح اليانصيب أكثر سعادة؟ (أخطط لأسحب ورقة غداً، رغم أن أحد الضليعين في الإحصاء قال لي إن ذلك بعيد المنال بما يورث الصداع عند التفكير ببعد الاحتمال).
غالبا ما يكون الحصول على شيك أمرا مثيرا، لكن هذا الشعور ينقضي خلال زمن قصير جدا.
و لكن يجب القول أن عدم حصول المرء على مال يكفيه لسد الحاجات اللازمة لبقائه يخلق التعاسة بلا شك.
ما نخفق في إدراكه، هو أنه كلما زاد دخلنا، زاد إنفاقنا.
فضلا عن ذلك، فإننا ونحن نصعد اقتصاديا، نعمد إلى مقارنة أنفسنا بمجموعة جديدة من الناس ممن لديهم مالا أكثر منا.
وهنا بغمرة ذلك فإننا نضحي بالأشياء التي تأتي بالسعادة: الصحة والأسرة.
ولكن هل فعلاً هذه هي الأشياء التي تأتي بالسعادة؟
وجد استطلاع بريطاني حديث أن واحدا من أصل أربعة ممن شملتهم عينة الاستطلاع، أسف لأنه تزوج من زوجته.
أعتقد أن المتزوجين يصبحون أقل رضا بزواجهم مع مرور الزمن، كما أن إنجاب الأولاد لا يجعل الناس سعداء إذا حسبنا الأمر على الأساس اليومي.
قد يكون الأمر مختلفا على المدى الطويل، ولا يعني هذا بالطبع أن الناس لا يحبون أولادهم.
لكن وجود الأولاد لا يصاحبه بالضرورة وجود السعادة.
تبدو السعادة مسألة بالغة التعقيد؛ فإذا كانت الأشياء التي غالبا ما نفكر في أنها ستجعلنا سعداء ليست كذلك، وإذا كان ما نُشجع على السعي من أجله ـ كإقامة علاقة والزواج وإنجاب الأطفال والحصول على الكثير من المال؛ لا يضمن إحضار السعادة، فما الذي يحققها؟
قد نعتقد بأن الأحداث الخارجية والإنجازات والآخرون سيحملون السعادة إلى حيواتنا، كطرد بريدي نتلقاه في لحظة.
بالطبع يجري تشجيعنا على الاستمرار في هذا التفكير، وبالتالي نواصل شراء الأشياء ويستمر الاقتصاد الاستهلاكي في دورانه (أليس من الغريب أن أغلب الأبحاث التي تتناول موضوع السعادة يجريها اقتصاديون!).
في رأيي أن السعادة تجد حلاوتها في الأشياء الصغيرة التي لا نقيم لها وزنا.
السعادة ليست شيئا نطارده، إنها في داخلنا طوال الوقت.
فقط يتعين علينا أن نكف عن النظر إلى الخارج لنتمكن من إيجادها.
د.تيسير حسون
اختصاصي في الطب النفسي