اسرائيل في مرآة الجريمة
تحت عنوان اسرائيل في مرآة العرب، كتب الدكتور غاي بيخور، وهو خبير اسرائيلي في شؤون الشرق الاوسط ورجل قانون:
"اسرائيل للعرب هي كالمرآة يرون فيها انفسهم"، ويتابع "اسرائيل دولة ناجحة، واحدة من بين الـ20 دولة الغنية في العالم، اقتصادها مزدهر رغم الانتفاضة، وهو يساوي اقتصاد كل جاراتها معا. انها جزء من العالم الاول، تسودها الديمقراطية والحريات غير القائمة في اي دولة عربية. اسرائيل تجسد ما كان يريده العرب لانفسهم، لكنهم لا يستطيعون تحقيقه...".
لقد حاول بيخور في مقالته المذكورة،ازلمنشورة في صحيفة يديعوت احرونوت، تحليل الواقع العربي من وجهة نظر اسرائيلية ضيقة، فحمل الامور ما لا تحتمل وجعل العرب امة خائبة وغائبة ومغيبة بفعل تخلفها الكبير امام التقدم الاسرائيلي الكبير.
وفي المقال ايضا الكثير من التجني على هذه الامة العظيمة وشعوبها المعطاء وفيها ايضا كلام يدل على النفسية اليهودية المريضة، تلك التي يمثل بيخور قسما منها.
هو من ناحية يتهم العرب بانهم قوم عاجزون، يعيشون على احلام الماضي ويمارسون الحكم بالحديد والنار؛ يقمعون شعوبهم ويمارسون عليها انواع من القمع والذل؛ والعالم العربي نفسه يشعر بالغيرة والحسد من اسرائيل وتقدمها الكبير في مجالات الصناعة والتكنولوجيا والاقتصاد والتفوق العسكري والديمقراطي.
نستطيع الموافقة على ما يتعلق بالتقدم الديمقراطي بتحفظ. فاسرائيل دولة ديمقراطية فعلا، ولكن لمواطنيها من العرق اليهودي فقط، من اليهود المولودين من ام يهودية او من ابوين يهوديين، اي انها دولة دينية تستمد من التوراة والتلمود سنن وجودها وديناميكية عمل مؤسساتها. فاليهودي المولود من ام يهودية يعتبر مواطن اسرائيلي كامل الحقوق والواجبات وله مميزات كثيرة. اما اليهودي المولود من اب يهودي فهو "غويين" اي اجنبي وغريب. ويبقى هذا اليهودي غريب بين اهله وفي مسقط رأسه ولا ينطبق عليه ما ينطبق على ابن اليهودية.
اذكر انني في احدى المرات واثناء لقائي بالطلبة الفلسطينيين من جامعات فلسطين المحتلة في جامعة اوسلو، وتحديدا في المدرسة الصيفية، تعرفت على شخص اسرائيلي يدعى عوفر وهو من حركات السلام ويعمل في مؤسسة قانونية تعني بشؤون الدفاع عن المعتقلين والاسرى الفلسطينيين ومقرها القدس. عوفر مواطن اسرائيلي وهو من ام يهودية، تزوج من امراة من البرغواي في اميركا اللاتينية، وهي مسيحية. منذ تلك اللحظة تغيرت معاملة عوفر واصبح بنظر اليهود الاخرين انسانا اخر وشخصا شاذا، لانه سوف ينجب اطفالا غير يهود، وهذا ما حصل لاحقا له ولاطفاله.
هذه هي الديمقراطية الاسرائيلية الزائفة، تتظاهر فقط بالممارسة والحياة الديمقراطية، لكن فعليا، هي نظام ديني مريض، تم بنائه وانشائه على اساس ديني اثني، اساس يجمع يهود العالم في دولة تكون لهم فقط، وبفعل التامر العالمي وراس المال اليهودي وتأنيب الضمير الاوروبي لما حل باليهود ابان الحرب العالمية الثانية، تمت الموافقة وتم دعم انشاء الوطن اليهودي في فلسطين العربية، برغم ارادة السكان الفلسطينيين، وبقوة النار والحديد، وبفعل الارهاب اليهودي، الذي وجد نفسه معكوسا في مرآة النازية الهمجية. فهو ارهابي في الفكر والتفكير وانعزالي النشأة والمسكن، وغيتووات اوروبا في وارسو وغيرها من المدن الاوروبية كانت شاهدا على انعزالية المجتمعات اليهودية وانغلاقها وانعزالها عن محيطها بفعل التربية الدينية اليهودية التي ترى في الآخرين غير اليهود، انهم ليسوا بشر ولا يستحقوا الحياة. فالحياة فقط وجدت لشعب الله المختار كما يدعون، والتاريخ مليئ بالامثلة التي تؤكد صحة كلامنا.
هذه العوامل الانعزالية ساعدت، لا بل كانت من الاسباب التي حذت ببعض الاوروبيين لكره اليهود ومن ثم للقيام باعمال ارهابية واجرامية ومجازر بحقهم، كما كان الحال ابان الحرب العالمية الثانية وما قامت به النازية من قتل وجرائم بحقهم، كذلك بحق كل من خالفها الرأي والمنطق والموقف، من شيوعيين واشتراكيين وغيرهم. تلك المآسي جعلت اليهود قساة واسست فيهم مبدأ القتل والتعصب الاعمى وكراهية العرب وعدائهم، فاليهود برهنوا للعالم من خلال اعمالهم في بلادنا على انهم ليسوا فقط خريجي مدارس حقد وكراهية وفاشية، بل طلبة نجباء في تعلم فنون الموت والقتل والتعذيب والتهجير والتدمير واقامة معسكرات الاعتقال الجماعية، تلك التي مورست فيها ولا تزال ابشع انواع التصفية والارهاب والتعذيب اليومي، هذا عداك عن سياسة العقاب الجماعي وهدم البيوت والتسفير القصري واستعمال المدنيين الفلسطينيين كدروع بشرية في عملياتهم الحربية في المناطق الفلسطينية.
نحن نعترف بان العالم العربي والانظمة العربية ليست انظمة ديمقراطية كاملة الاوصاف، كما انها تفتقد للتجربة الديمقراطية السليمة والغير خاضعة لرقابة المخابرات واجهزة الامن، كما هو الحال في كل دول العالم الثالث.
لاسرائيل والحركة الصهيونية العالمية واميركا والاستعمار العالمي الغربي ومافيات الحكم المحلي والعسكريات الحاكمة و المتشبثة بالحكم، باع طويلة في عدم تقدم الدول والشعوب العربية نحو تحقيق انجازات افضل من التي تحققت في مجالات الديمقراطية والحريات والحياة السياسية. فتبعية الانظمة وتخلف بعضها ،هو قبل كل شيء مطلب اسرائيلي ويهودي عالمي، عبرت ولازالت تعبر عنه الصهيونية العالمية من خلال سيطرتها على اصحاب القرار في المؤسسات العالمية وانظمة الحكم الغربية وعلى رأسها الحكومات الامريكية المتعاقبة من 1948 حتى جورج بوش الابن، هذا العديم الموهبة والمختل لغويا، الغير متوازن سياسيا واخلاقيا، والمرتهن يهوديا واسرائيليا.
كذلك عبر ممارسة الحصار والمقاطعة الاقتصادية على بعض تلك الدول العربية التي تعارض نهج وسياسة اميركا. ان بعض الحكام في بلادنا للاسف هم وتلك الحكومات وبعض الذين يسمون زعماء، هم بضاعة ونتاج اللا ديمقراطية، هم حراس مشروعكم بقصد او عن غير قصد. لذا فان التخلف العربي مطلب صهيوني وغربي، له علاقة بالصراع حول فلسطين والسيطرة على المنطقة العربية الغنية بالثروات والتي تعتبر استراتيجية وهامة من كل النواحي. لكن هذه المعادلة لن تدم طويلا ولن تعمر مدى الدهر، فبداية نهاية المشروع الهمجي والاستيطاني الصهيوني في فلسطين والمنطقة العربية حلت ودنت الساعة التي سوف تخضع فيها اسرائيل للحساب. كما اخذت تهتز وبدأت تتزحزح اسس الكيان العبري بفعل الصمود الفلسطيني الذي فاق توقعات مؤسسي دولة اسرائيل، تلك المبنية على الاساطير التوراتية والتلمودية وعلى الخرافات والمصالح الغربية والاحتكارية لراس المال الاستعماري الغربي واليهودي. وهذا ما يخيف حكام اسرائيل من صانعي امجاد دولة الارهاب اليهودي في فلسطين المحتلة، فالمراقب للحياة السياسية الاسرائيلية يعرف بان كافة حكام اسرائيل منذ قيامها على انقاض الوطن الفلسطيني وحتى يومنا هذا، هم من الارهابيين ومجرمي الحرب الذين يجب ان يقدموا للعدالة الاممية ولمحكمة مجرمي الحرب الدولية، لمحاسبتهم على ما اقترفت اياديهم من جرائم بحق جيرانهم.
ان الملفت للنظر في واحة الحرية اليهودية وساحة الديمقراطية الصهيونية المسماة دولة اسرائيل، انه منذ قيام تلك الدولة وحتى حكومة الارهابي شارون الحالية، تتابع على الحكم جنرالات الجيش الصهيوني، صحيح انهم جاءوا عبر صناديق الاقتراع ، لكنهم جاءوا وانتخبوا على خلفية اعمالهم الارهابية وانجازاتهم الاجرامية بحق الشعب الفلسطيني الخاضع للاحتلال والقابع في مخيمات الشتات.
هؤلاء القتلة قاموا بعشرات المجازر والمذابح البشعة التي راح ضحيتها آلاف الابرياء، هؤلاء الزعماء الاسرائيليين هم مرآة الجريمة والارهاب المتأصلين في اسرائيل.
بعد كل هذه المذابح يأتي بيخور ليحدثنا عن اسرائيل العظمى وغيرة العرب وحسدهم وعن اسرائيل في مرآة العرب ، كما يتخيلها هو.
فيا دكتور بيخور لكل منا مرآته ويرى الاشياء فيها كما يحلو له، انت رايتها بأعين لم تكن في يوم من الايام تنظر لجيرانها على انهم جيران، بل قضيت العمر انت وامثالك من الذين ادعوا اختيار الله لهم تنظرون للبشر بمثل ما تنظرون.
عليكم ان تنزعوا اقنعتكم وان تنظروا جيدا في مرآتكم، حتى تروا اين انتم من الانسانية السمحاء ومن الحياة البشرية الصحية والمعافية، يجب ان تعلموا ان اقتصادكم الذي تعتبرونه مستقرا ومعافيا هو كالغيم العابر، في لحظة واحدة قد يتبخر ويتحول الى رذاذ وامطار،لانكم واقتصادكم الذي تتباهون بانه لم يتأثر ولازال قويا بالرغم من الانتفاضة لن تستمروا ولن يبقى الدعم والاسناد اليهودي قائما مدى الدهر، كما ان فيتامينات الغرب التي تجعله يقف على رجليه قد تتوقف في لحظة ما.
لقد فهم الكثيرون في العالم العربي ضرورة التغيير ومراعاة التجديد والانضمام لركب التحولات العالمية الكبيرة، فبدلوا ما بدلوا وغيروا ما غيروا، بوسائل منوعة، منها صندوق الاقتراع ومنها الوراثة او شبه الانتخاب، او الانتخابات التي تشوبها الشبهات،هذا الواقع لا يغير من حقيقة ان اسرائيل دولة استيطانية استعمارية دخيلة وغريبة. واسرائيل التي لم تتبدل ولم تتغير منذ قيامها ليست احسن حالا من جيرانها، فهي لغاية اليوم لازالت تحكم ومحكومة من قبل جنرالات الحرب وقيادات الجيش الذي انشئ على اسس ارهابية شبيهة بعصابات المافيا والارهاب في العالمين القديم والحديث. لم يكن العربي في يوم من الايام يكن اي عداء لليهودي وعاش اليهود عصرهم الذهبي واعادوا امتلاك حرياتهم وتجميع لغتهم في عهد الحكم العربي في الاندلس، هناك اعيد بناء الشخصية اليهودية التي غيبت وغابت عن الخارطة العالمية بفعل الاخرين وليس العرب.
ان ارهاب اسرائيل المنظم والمستمر والمستمد من تجارب بيغين وجيبوتنسكي ورابين وبنغريون وكذلك من تجربة و معرفة شارون وشامير وباراك ونتنياهو وبيريز وغيرهم من مجرمي الحرب، المسئولين عن سلسلة المجازر والمذابح التي تعرضت لها امتنا العربية وشعوبنا المسالمة في فلسطين والاردن وسوريا ومصر ولبنان.
التاريخ الحديث مليء بالامثلة على قسوة ولا انسانية الارهابيين من حكام اسرائيل، فعدم استقرار الدول العربية هو نتاج لارهاب اسرائيل، وتخلف الدول العربية واستبدادية بعضها هو ايضا بفعل اسرائيل ، لذا عندما تنظر اسرائيل في تلك المرآة ترى افعالها واعمالها ونتائج جرائمها ومؤامراتها.
لكن على الجهة الاخرى تبقى قضية تمسك العرب بعاداتهم وثقافتهم وتاريخهم وتقاليدهم ورفضهم لمعظم البضائع والمنتوجات الثقافية الغربية الدخيلة على المنطقة، حيث ان هذه الحضارة الغربية لم تأت من فراغ ، بل هي مشروع مكمل للمشروع الاستعلائي والاستعماري الذي تعتبر اسرائيل رأس حربته.
ليس غريبا علينا ان تنسجم اسرائيل مع تلك الحضارة الغربية لانها كما اسرائيل غريبة عن المنطقة، فإسرائيل هي نتاج لتلك الحضارة وهي صنيعة تلك الامم وقاعدتها المتقدمة في الوطن العربي وفي الشرق العصي على تلك الثقافة وتلك الحضارة التي تريد الغاء حضارة الشرق وابقاء حضارة الغرب.
ان اسرائيل اليهودية الوجه والقلب والغربية الاسس والقيم تجد نفسها يوما بعد آخر ابعد ما تكون عن الانسجام حيث اختارت العيش. ولا نعلم الى متى ستستطيع العيش مع هذا الوضع الشاذ.