تحليل: بوش يعطي لافريقيا باليمين ما يأخذه باليسار
بدد الرئيس الاميركي جورج بوش خلال قمة مجموعة الثمانية للدول الصناعية الكبرى وروسيا الاسبوع الماضي، أي شك بشأن أولويات إدارته عندما يتعلق الامر بالسياسة الخارجية في مواجهة اعتبارات السياسة الداخلية.
بل أنه حتى في إعلانه عن زيادة مشروطة بنسبة 50 في المائة في المساعدات الاميركية لافريقيا خلال القمة التي عقدت في كندا، تفادى بوش ببراعة انتقادات الاوروبيين للزيادة الهائلة الاخيرة في الدعم الحكومي للمزارعين الاميركيين بالقول أن الدعم يذهب أساسا للمشاريع الزراعية الكبيرة وأنه يستقطع من المزارع التقليدية المملوكة لاسرة واحدة.
ويخصص جزء كبير من المعونات الاميركية للدول الافريقية، والتي تعادل أقل من نصف المساعدات التي ترسلها إلى إسرائيل، لبند تخفيف عبء الديون الناجم عن قروض سابقة من الحكومة الاميركية. ولا يصل سوى القليل من هذه المعونات إلى المناطق الريفية التي تعد عصب اقتصاد وثقافة أفريقيا.
وتعتمد أفريقيا بشدة على الزراعة في تشغيل المواطنين والتصدير، وذلك طبقا لما جاء في تقرير "أفريقيا 2002" الذي أصدره "المجلس المتحد من أجل أفريقيا" مؤخرا. لكن الصناعات الزراعية في أفريقيا، المتضررة بشدة جراء الجفاف وتفشي مرض نقص المناعة المكتسب (الايدز)، تواجه منافسة غير متكافئة بالمرة من صادرات المواد الغذائية الاميركية التي تباع بأسعار رخيصة نتيجة للدعم الحكومي الكبير للصناعات الزراعية الاميركية.
ولا تحظى المشروعات الزراعية الاميركية الكبيرة بجماعات ضغط قوية في واشنطن فحسب، بل أنها أيضا تغدق المال بسخاء على الحزب الجمهوري في الولايات المتحدة وعلى حملات مرشحي الرئاسة من أمثال بوش نفسه.
وجاء في تقرير "أفريقيا 2002" أن حل المشاكل الحقيقية التي تواجه أفريقيا لا يتمثل في حصولها على مزيد المساعدات ولكن في فتح الاسواق العالمية أمام السلع الافريقية ووقف الصادرات الاميركية المدعومة الرخيصة، أو بمعنى آخر تشجيع التجارة الافريقية.
وثمة بعض الامثلة التي تثبت صحة هذا الرأي: فقد شرعت كوريا الجنوبية في بناء اقتصادها بعد غانا عام 1957 إلا أن اقتصادها فاق حجم اقتصاد غانا بواقع ستة أضعاف بحلول التسعينات والفضل الرئيسي في ذلك للصادرات الكورية الجنوبية، بدءا من السيارات إلى المنسوجات. وهناك إندونيسيا التي كانت تتساوى مع نيجيريا عام 1965 إلا أنها خلال 30 عاما أصبحت تمتلك اقتصادا يفوق في حجمه اقتصاد نيجيريا بمقدار ثلاثة أضعاف بسبب سياسة التصدير واسعة النطاق التي اتبعتها جاكرتا.
وأغرقت إدارة بوش، يؤيدها في ذلك الجمهوريون والديمقراطيون في الكونجرس من منطلق حرصهم على مساعدة دوائرهم الانتخابية الزراعية، منطقة الشرق الاوسط وأفريقيا بصادرات الذرة والقمح مما جعل ثمن القمح الذي يزرع في إيوا على بعد 20.000 كيلومتر أرخص من ثمن نظيره الذي يزرع في مزرعة عائلية على بعد عشرة كيلومترات.
وكانت النتيجة هي هجر المزارعين الافارقة لحقولهم الزراعية الصغيرة والنزوح إلى المدينة حيث يصبحون أكثر اعتمادا على المساعدات الدولية مما يجعل بلادهم تنزلق بدرجة أكبر إلى مستنقع الديون.
وباتت الولايات المتحدة تتفوق الان على الاتحاد الاوروبي، الذي تعرض في السابق للانتقاد من جانب الحكومات الاميركية بسبب الدعم الهائل للمزارعين في دوله، في حجم المواد الغذائية المدعومة التي تصدرها لافريقيا.
وكتب دانيال يرجين، وهو مساعد سابق لاحد أعضاء الكونجرس اشترك في تأليف كتاب بعنوان "ذرى مسيطرة - معركة الاقتصاد العالمي"، يقول أن "التجارة هي المحرك الرئيسي للتنمية الدولية".
غير أن إدارة بوش، التي شددت منذ توليها مقاليد السلطة على حرية التجارة العالمية، تعمل في الواقع على الحد من حرية التجارة بموافقتها على تقديم دعم للمزارعين ولصناعات الطيران والدفاع وفرض قيود على واردات معينة من دول العالم النامي بما في ذلك أفريقيا.
وفي ضوء كل ذلك يمكن ان نفهم لماذا قبل بوش ان يزيد المساعدات لافريقيا. ان جزءا كبيرا من هذه المساعدات سيستخدم لسداد الديون الافريقية للمؤسسات الاميركية، أي انها ستعود لاميركا مرة اخرى في صورة اقساط الديون وفوائدها. اما الجزء الآخر فسوف يسمح لافريقيا بالاستمرار في شراء الاغذية والمنتجات الاميركية، أي انه سيعود بدوره لاميركا. اما افريقيا فليساعدها الله اذا استطاع سكانها البقاء على قيد الحياة.