يعد الشاعر العراقي حميد سعيد أحد أهم الاسماء في المشهد الشعري العربي المعاصر، وأحد أركان "بيت" القصيدة العربية، وهو يقيم في عمان منذ أكثر من ستة أعوام، أي منذ الاحتلال الاميركي للعراق، ويملك اطلالته الواعية على خارطة الثقافة العربية، بما يؤهله لقول رأيه وكلمته التي يمكن أن يتردد صداها بعيدا في الأرض العربية.
وهذا أول حوار يجري مع الشاعر منذ إقامته في عمان، لأي منذ الاحتلال الاميركي للعراق، وهو حوار ذهب فيه إلى قول ما اختزنته ذاكرته وما أنتجه وعيه، حيال عدد من القضايا التي لا تزال تثير أسئلتها في الحياة العامة.
حميد سعيد، الذي صدرت له مؤخرا مختارات شعرية عن بيت الشعر الفلسطيني في رام الله، أصدر أربع عشرة مجموعة شعرية، منها اثنتان خلال إقامته في عمان، وله عدد آخر من الإصدارات النثرية المتنوعة.
في هذا الحوار يخرج الشاعر عن صمته ويقول:
* أنت واحد من أبرز الأسماء من جيل الستينيات، أي جيل ما بعد الرواد، ما الذي قدمه جيلكم للقصيدة العربية، وهل تعتقد أن المشهد الشعري العراقي لا يزال قادرا على التأثير في الشعرية العربية؟
ـ حين أتحدَّث عن الأجيال الشعرية، لن يذهب بي الوهم، إلى تصوّر "غيتو شعري" معزول عن محيطه، وإنما عن مرحلة شعرية، تمثلَّت كلَّ ما قبلها وتواصلت معه، وانفتحت على ما سيأتي أيضاً، فالأجيال تتداخل وتتبادل التأثير.
وإذا كان مصطلح الستينيات، قد بدأ زمنيِّاً، فإن متغيرات ذلك العقد على الصعيدين العالمي والعربي، وما كان لها من أثر على مختلف مناحي الحياة ونشاطاتها، طورّت ذلك المصطلح، ليحيل الى معنى إبداعي.
وإذا كان الرواد، في البدايات، قد انصرفوا إلى تكريس الشكل الخارجي لقصيدة التفعيلة، وهذا ما نجحوا في تحقيقه فعلاً، وهو إنجاز مهم، أتاح لجيل ما بعد الرواد، بالتكامل مع من سبقهم وليس بالتقاطع معهم، للسير قدماً بالقصيدة العربية الجديدة، والإشتغال على تطويرها من داخل الحالة الشعرية، حيث جوهر التجديد وانفتاحه.
إن هذا الإشتغال الشعري، وما فتح من آفاق وما حقق من نتائج، لم يكن يتوجّه إلى إلغاء إنجاز الرواد، بل الى تبنيه ومن ثَمَّ، تطويره وتجذيره، وهكذا هي حركات التغيير الأصيلة في تواصلها وانفتاحها، وهذا ما كان في الستينيات الشعرية، بل لقد كان الإشتغال الشعري مشتركاً بين الرواد والستينيين، بل وبعض من جاء بعدهما، على أساس إن المتغيرات الثقافية، ليست بمنأى عن المتغير العام، وإلاّ ستكون مجرد حالة شكلية، بلا جذور، وفي مثل هذه الحالة ستكون بلا مستقبل.
أما الموضوع الثاني في السؤال، المتعلق بالمشهد الشعري العراقي، وهل لا يزال قادراً على التاثير؟ فأستطيع القول، إنه مازال يتوفّر على حيوية حضوره، ليس باعتداده كتلة واحدة، أو تجمعاً قبليّاً، وإنما من خلال أصواته القوية التي شاءت الظروف أن تتوزع مكانيّاً وخيارات فنيّة، ورغم خسارة ميدانها المركزي، وارتباك وسائلها في التواصل، إلاّ أن الشعر العراقي لا يزال بخير.
* باعتبارك واحدا من أبرز الشعراء العراقيين المناهضين للاحتلال، هل يمكن القول بوجود شعر للمقاومة العراقية، وهل ترى فرقا بين ما يكتبه شعراء الداخل وشعراء المنافي؟
ـ من أجل أن نكون أقرب إلى الحقيقة، في مرحلة تكاد تفتقدها، وفي محيط ثقافي يغرق في التباسات لا حدود لها، حيث يرسم الكذب، بما فيه من ادعاءات، الكثير من ملامحها، ينبغي أن نكون أكثر دقّةً في التعامل مع مفردات هذا المحيط.
على صعيد المثال، لقد وردت في السؤال، مفردة المنافي، أليس من حق المستقبل علينا، تحديد التعامل مع هذه المفردة التي استعملت ليس بالكثير من التجوّز، بل بالكثير من الكذب، حيث صارت مدن اللهو والتجارة، بوجهيها المادي والمعنوي، منافيَ، وصار من أحبَّ الإقامة فيها، منفيّاً!
أما الفرق بين ما يكتبه شعراء الداخل وشعراء المهاجر، فهو ليس نتيجة اختلاف المكان، وإنما اختلاف المواقف التي تعبِّر عن وعي مختلف، لذا لا اجد حرجاً من تكرار مقولة، قلتها منذ وقت بعيد، وهي إن الإنتماء الى الوطن، ليس بالسكن فيه، وإنما حين يسكن الوطن الإنسانَ.
أما الحديث عن شعر المقاومة، فهو الآخر يحتاج إلى تدقيق، حتى لا يضيع في متاهات الحماسة والإدعاءات والتهريج، لأن شعر المقاومة الحقيقي، نتاج الفعل المقاوم، ولعلك تتذكر أن هذا الرأي، قلته قبل أكثر من ربع قرن، في حوار معك، عن الشعر الفلسطيني.
أما ما يكتبه الشعراء العراقيون، وأنا واحد منهم، فهو تعبير عن وعي مقاوم وليس شعر مقاومة، والفرق كبير بينهما. والوعي المقاوم ينتسب إلى الوعي الوطني غير المكبّل بالشعارات وضيق الأفق النظري، الذي يظهر في مراحل تاريخية من حياة الآمم والشعوب.
* على الصعيد الشخصي، هل تشعر بخيبة أمل تجاه المشهد الثقافي العربي؟
ـ تأتي خيبة الأمل، حين يسبقها توقع فعلٍ، يتأخر أو لا يأتي، ثم إن توقّع الفعل لا بد أن يؤسس على معطيات مؤكدَّة أو متوقعةٍ.
في ضوء ما أشرت إليه، يتحدد رد الفعل من المشهد الثقافي العربي الذي تشكِّله أساساً، النخبة الثقافيَّة العربية.
إن النخب عموماً، في جميع المجتمعات والمراحل الإنسانية، ومنها النخبة الثقافية العربية، تبدو مهمومة بالواقع، تفكر به حيناً، وتتحدَّث عنه في جميع الأحيان، ويتلبسها الوهمُ، بأنها في كلامها، تؤدي دورها الثقافي والإجتماعي، بل يتصرَّف البعض من المنتمين إلى هذه النخبة، تصرف المدِّل المتفضِّل على الآخرين والمتميز فيهم.
ولطالما كان، حين يتطلّب الأمرُ، مواجهةً، تتطلَّب تضحيةً ما، يستعمل عدَّته – الكلامية - في تبرير الإنسحاب والإبتعاد عن عقابيل المواجهة، وتكييف الواقع ومن ثَمَّ التظاهر بالرضا عنه.
مما تقدّم .. لا أشعر بخيبة أمل، تجاه المشهد الثقافي العربي، ولا أتوقّع منه ما ليس عنده، ولا أصنِّف نفسي في موضع مختلف، وإن كنت احاول تحقيق بعض هذا الإختلاف.
* الوردية تلك المحلة التي ما تزال تجلس على شاطئ النهر قريبا من آثار حمورابي ونبوخذ نصر، ما الذي بقي منها داخلك بعد أن بنيت علاقتك مع مدن وعواصم كثيرة؟
ـ بمرور الزمن، والإبتعاد عن "الوردية" التي تبقى حاضرةً، في حنيني الى مدينتي "الحلة" مكاناً، في صورتها البابلية حيناً والمعاصرة حينا آخر.
إن "الوردية" كما هو المكان الأوّل، يتجاوز الحدود الواقعية للمكان، ليأخذ معناه الرمزي، بل الأسطوري أحياناً.
حين قرأت كتابك "بير الرصاص" عن قريتك" كفل حارس، رأيت فيها الكثير مما في "الورديّة" ومن قبل، لطالما رأيتها في "جيكور" السياب و"كرخ" سامي مهدي.
بعد تجربة مع السفر، طويلة وعريضة، وعلاقات متباينة بالمدن والعواصم، وإقامات غير قصيرة في أكثر من مكان، أدركت المعنى العميق للمفارقة، التي اقترنت بالإنسان، الذي طالما كان له فردوسه المفقود، الذي لا يعوَّض، وليس سوى الإنسان، من يفارق الفردوس، مكاناً أو حالاً، ويظلّ يحلم بالعودة إليه.
* من يتابع مسيرتك الشعرية قد يتوقف عند محطات يمكن تسميتها "بالأندلسية" أو الإسبانية، ما مدى صحة مثل هذه القراءة؟
ـ منذ عقود، وهذا السؤال يلاحقني، إذ كلّما أجري معي حوار عن تجربتي الشعرية، سئلت عن رحلتي الأندلسية، كما ان معظم الذين كتبوا عن مسار تجربتي الشعرية وتحولاّتها، أشاروا إلى أثر هذه الرحلة في شعري.
ولو أقدمت على جمع إجاباتي، حول هذا الموضوع، لكان كتاباً كبيراً، وكذلك في ما كتب عنها.
إن ما ميَّزَ، تجربتي الأندلسية عن سواي من الشعراء العرب الذين أتيحت لهم مثل هذه التجربة، إنني لم أبحث عن أندلس تاريخيّة، ولم أبك على أطلالها، وما كان موضوع قصيدتي الأندلسية، حاضراً قبل كتابتها، فتعيد استنساخ الماضي.
إن المتغيرات التي اقتحمت قصيدتي، بتأثير التجربة الإسبانية، مصدرها تمثُّل الحياة التي وجدت نفسي فيها، إذ عشتها وما اكتفيت بالتعايش معها، وقد كتب عن هذا التميّز المستعرب الإسباني الدكتور "بدرو مارتينث مونتابيث" وهو الجسر الأعظم في العلاقة بين الثقافتين العربية والإسبانية.
ولم أنظر إلى الأندلس من نافذة التاريخ، ولا من شرفة فندق سياحي، فكانت "إسبانيا الواقع وأندلس الذاكرة" كما وصفها الشاعر الكبير سامي مهدي.
* أنت واحد من الشعراء الذين لم يغادروا خيمة قصيدة التفعيلة، هل تعتقد أن الأشكال الشعرية الأخرى لم تعد قادرة على التوصيل؟
ـ منذ وقت مبكر، وقبل أن أكتب قصيدتي الأولى - الحرّة- كنت على علاقة بالعروض وعلى معرفة طيِّبَةٍ به، وحين انتسبت إلى الجامعة، وفي العام الدراسي الأول كان أستاذنا في درس العروض العلاّمة الدكتور صفاء خلوصي، وفي أول اختبار، حصلت منه على درجة كاملة، فأبدى بي اهتماماً وحاورني، غير مرة بشأن العروض خارج الفصل الدراسي، وحين صرت أنشر قصائدي، كان الراحل يمازحني كلمّا التقاني قائلاً: لقد خنتني أيّها التلميذ العاق، وغررت بي، يوم منحتك درجة كاملة في الدرس العروضي.
إن هذه المعرفة الطيِّبة بالعروض، هي التي أتاحت لي، أن أتحرر من العقدة الخليلية، وأفرِّق مبكراً بين العروض وموسيقى الشعر وبين البيت الشعري، قبل الخليل، وما آل إليه البيت الشعري بعده.
إن الإنجاز الخليلي، على أهميّته، وضع قيوداً على حرية البيت الشعري، وبخاصة حين عدَّ ما هو مختلف، تجاوزاً.
من هنا، أفدت في بداية كتابة قصيدتي، من الجوازات العروضية، واشتغلت عليها، على إنها من مصادر التنّوع وليس من قبيل الجائز، ومن ثمَّ حتى حين أكتب قصيدة، بأحد البحور الشعرية أو بإحدى التفعيلات، أستجيب لموسيقى الشعر، دون خشية من تجاوز ثوابت العروض الخليلي، وكأنني أكتبها، بالعدة الموسيقية التي كان يعمل بها الشاعر العربي، قبل أن تفرض عليه قيود الخليل الجميلة!
وحين يشتغل الشاعر المعاصر، بهذا الوعي الإيقاعي، لا يعود للتعصب معنى، وتغدو جميع الأشكال الشعرية، قادرة على التواصل، هذا، إن كانت تتوفر على مقومات الإنتساب الى الشعر.
* بعد أربع عشرة مجموعة شعرية، وغيرها من الكتب، ماهي المرجعيات الفكرية والثقافية التي استندت إليها في بلورة هذا المنجز الشعري الهام؟
ـ إن مرجعيات الإبداع، هي مرجعيات الحياة، ليس في الشعر حسب، بل في جميع عناوين الإبداع، وإن من يحاصرأفق إبداعه، بمرجعية واحدة، أو بمرجعيات محددة، سيكون بمنأى عن جوهر الإبداع.
منذ البدايات، ومازلت، أشرِّع، أبواب الحياة ونوافذها، للقصيدة، من الماضي والحاضر، من العربي والأجنبي، من الشفهي والمكتوب، من الواقعي والأسطوري، مما أسمع وما أرى، من الشعري والنثري.
من كل هذه المرجعيات أفدت، وبها كلها، حاولت إغناء تجربتي الشعرية.
* اهتم نقاد كثيرون بقراءة تجربتك الشعرية، وقدموا دراسات مهمة في هذا المجال، هل تعتقد أنهم لامسوا أسرار تجربتك من الداخل، أم أن في متنها أسرارا لم يتم الكشف عنها بعد؟
ـ لم تعد القصيدة الحديثة، مجرَّد نص أحادي ومحدد الملامح، إذ تتكون من طبقات تتوزَّع على عدد من المرجعيات، ومنها التي أشرت إليها في إجابتي على السؤال السابق، وهذه الطبقات تتداخل على أصعدة اللغة والبنى والمعاني، ولهذا، ماعاد التلقي، يمثِّل حالة استرخاء يأتي بالطرب، بل هو مشاركة، في النص، واشتغال جاد في اكتشاف تلافيف طبقاته.
وبالتالي، فما عادت القراءة النقدية الأحادية - أيّة قراءة - تستطيع الكشف، عن كامل مكوناتها، وإن تعدد الرؤى النقدية، ليس مجرد ترف فكري، بل هو استجابة، لتعدد طبقات النص الشعري.
وفي ضوء ما أشرت إليه، يمكنني القول، إن ناتج تعدد القراءات النقدية، في تكاملها وليس في تباعدها، يحقق إمكانية كشف أسرار العمل الشعري، الذي يبقى مفتوحاً على احتمالات الإضافة، ومفتوحا في الوقت ذاته، على قراءات جديدة.
هشام عودة ـ عمان