كتاب الناقد والكاتب الاردني فخري صالح "شعرية التفاصيل..اثر ريتسوس في الشعر العربي المعاصر ..دراسة ومختارات" عمل قيم دون شك وإن كان في الكتاب ما قد يسبب حيرة للقارىء.
من اهم ما انطوى عليه الكتاب من نتائج هو حديث الكاتب عن اثر الشاعر اليوناني في عدد كبير من الشعراء العرب وتشديده على بروز ما سمي شعر التفاصيل اليومية وعاديات الحياة والارتفاع بكل ذلك الى مستويات عالية وصولا بهذه التفاصيل الى الاسطوري وإلى الرمزي.
وعلى رغم ان هناك مجالا لمناقشة هذا الرأي والحديث عن ان شعرية التفاصيل قد تكون برزت احيانا بفعل عوامل لا تعود الى ريستوس.. فالواقع ان تشديد فخري صالح على اهمية هذا الشاعر في هذه المجالات امر له ما يجعله صحيحا دون شك.
اما سبب "الحيرة" فليس اساسه ادبيا اي ما يتعلق بالدراسة ومحتوياتها وآراء الكاتب واستنتاجاته. انه اثر قد يبدو شكليا لكن من شأنه أن يخلق بلبلة في ذهن القارىء الذي عليه مثلا ان يعرف تفاصيل عن اعمال فخري صالح وتواريخ صدورها قبل ان يقرأ كتابه. والواقع ان القاريء ينتظر ان يطلعه الكتاب نفسه على بعض هذه المعلومات عنه.
جاء الكتاب في 124 صفحة متوسطة القطع وصدر عن "الدار العربية للعلوم ناشرون" في بيروت وعن "منشورات الاختلاف" في الجزائر العاصمة. وفضلا عن الدراسة ضم الكتاب خمسين قصيدة من قصائد ريتسوس ترجمها الى العربية فخري صالح بشكل جميل.
نعود الى ما وصفناه بالبلبلة فننطلق من البداية خطوة خطوة. قبل قائمة المحتويات ورد عن الكتاب انه "الطبعة الاولى 1430ه- 2009م". وننتقل الى المحتويات فنقرأ بعض عناوينها. اولها "تقديم الطبعة الثانية" وننتقل الى العنوان الذي يليه فنقرأ "مقدمة الطبعة الاولى" وهنا لابد من ترك مسأله فهم ذلك للقارىء.
على الدفة الثانية من غلاف الكتاب كلام يختصر بوضوح بعض ما سعى الكاتب الى تبيانه. ومما ورد "ليست هذه الدراسة من نوع الدراسات التي تحاول تقصي شعر شاعر معين في لغة اخرى غير لغته.. محاولة بذلك ايجاد ما يسمى في النقد العربي القديم "وقع الحافر على الحافر". بل هي في الحقيقة محاولة للتعرف على الاثر العام لشاعر كبير مثل يانيس ريتسوس على اللغة والثيمات في شعر عدد من الشعراء العرب الجدد الذين كان تأثير ترجمة ريتسوس الى العربية واضحا في طريقة مقاربتهم الشعرية للعالم. ومن المدهش ان تأثير ريتسوس في الشعر العربي المعاصر كان عبر ترجمته غير المباشرة الى العربية من اللغة الانجليزية او عن طريقة قراءة ترجمته الى اللغات الاوروبية مثل الانجليزية والفرنسية".
في "تقديم الطبعة الثانية..حضور ريتسوس العربي" وقد كتب هذا التقديم في عمان نهاية اغسطس آب 2009 دون ذكر اسم الكاتب ويفترض انه المؤلف نفسه نقرأ ان الاهتمام ازداد خلال ربع القرن الماضي بالشاعر اليوناني يانيس ريتسوس (1909-1990) الذي صدرت في ذكراه المئوية ترجمات عديدة الى العربية "من اللغات اليونانية والانجليزية والفرنسية. ولم يكن الشاعر اليوناني الكبير ليلفت الانتباه بهذه الصورة المدهشة لولا الترجمة الاولى التي قام بها الشاعر العراقي سعدي يوسف عام 1979... والتي اثرت بدورها تأثيرا واضحا في شعر سعدي يوسف نفسه وشعر عدد من شعراء السبعينات والثمانينات الذين يكتبون قصيدة النثر بصورة اساسية".
وفي "مقدمة الطبعة الاولى" التي كتبت في عمان في بداية 1998 وهي للمؤلف كما يتضح من النص وإن لم يذكر اسمه قال فخري صالح "وإذا كانت المتعة والاعجاب هما ما دفعاني الى نقل بعض قصائد ريتسوس الى العربية فإن هناك سببا آخر اكثر اهمية يكمن وراء هذه المحاولة. فقد اثر ريتسوس تأثيرا عميقا في قصائد الجيل الجديد من الشعراء العرب...
"وقد كانت ارض الشعر العربي خلال اواخر السبعينات مهيأة لمثل هذا التأثير بسبب الارهاق الذي وصلت اليه القصيدة العربية في الستينات واوئل السبعينات جراء النبرة العالية والايقاع الصاخب واهمال التفاصيل لصالح الموضوعات الكبرى.
"ويهيىء شعر ريتسوس لهذا المناخ الذي يسعى الى العودة بالقصيدة الى اجوائها الحميمية.. من العناية بالتفاصيل الى تصعيد العادي واليومي الى مرتبة الاسطورة... وقد قدمت لترجمة هذه القصائد الخمسين بدراسة مقارنة لاثر ريتسوس في شعر عدد من الشعراء العرب وفي مقدمتهم سعدي يوسف... وهو امر كان له تأثيره العميق على مسار التجربة الشعرية الشابة في السبعينات".
اضاف انه "يمكن لقارىء هذا الكتاب ان يجري مقارناته الخاصة بين القصائد او المقاطع الشعرية التي اوردناها في نص الدراسة المشار اليها وقصائد ريتسوس المترجمة هنا ليتبين عمق العلامات التي تركها شعر ريتسوس على قصيدة النثر العربية...".
ومن هؤلاء الشعراء العرب الذين اشار اليهم في مجال المقارنة هذا عباس بيضون وأمجد ناصر ونوري الجراح ولينا الطيبي ووليد خازندار وغيرهم.