مصادمات في جنوب الأردن اثر وفاة شخص على يد الشرطة
 الإعدام لمهربي مخدرات أردنيين في مصر
 الأردن: استوردنا 3 آلاف طن من الخضار والفواكه الإسرائيلية
 مجهولون يعتدون بالضرب على معارض أردني
 قفزة كبيرة في عجز الموازنة الأردنية
 أي أفول للنجم الأميركي في المنطقة العربية؟
 أحكام قاسية على مدانين بالإرهاب في الأردن
 الاردن يحيل كاتباً يسارياً الى القضاء ويصادر كتابه
 الأردن يفجع بخمسة عسكريين في هاييتي
 البنك الدولي: تصاعد الفقر والبطالة في الشرق الاوسط عام 2010

First Published 2009-10-22, Last Updated 2009-10-22 18:14:01


المهندس القاص

ناصر الريماوي: التلفزيون سبب عزلة المبدع

 
مهندس يكتب القصة بروح الشعر واللغة المنسابة، مستفيداً من مرونتها في بناء أجواء النص.

ميدل ايست اونلاين
حوار- بسام الطعان

ناصر الريماوي قاص أردني ينشر نتاجه في الدوريات العربية وبمارس تخصصه الهندسي يتحدث عن طفولته مع كتابة القصة قائلاً:

كنتُ مُتهماً في صغري بحيازة أوراق غير مدرسية، قصاصات من صحف الملاحق الثقافية، تضج بها حقيبة الجلد الصغيرة، منحازاً لحصص التعبير في مادة اللغة العربية، القصص المتوارثة المحبوكة والتي تروى عن الغول قبيل النوم في ليالي الشتاء، كانت تثير حفيظتي، أعيدها على مسامع البعض بقليل من التصرف، ثم إعادة النسج بأحداث مختلفة للخروج بنهايات تروقني، ثم الكتابة على سطر مائل وورقة بيضاء وخاطرة لا يعاقب عليها قانون الإذاعة المدرسية، لكنها تعدُ تحدياً لخروجها عن المطلوب، ثم التماهي مع لذة الحوارات المبسطة والتي قد توقعها على ورق ثم ما تلبث أن تجد من يجسدها وينطق بها على سقالة الأداء المسرحي في أيام النشاط المدرسي، ثم كتابة الرسائل المزركشة لفتاة ما تنتظر هناك عند النافذة، والمعاناة التي تجعل من تلك الرسائل خواطر منمقة ذات لغة شعرية قابلة للنشر على صفحات الجرائد الأسبوعية تحت بند المشاركات المميزة للقراء

ثم المسابقات السنوية لأوائل المطالعين ضمن برامج وزارة التربية والتعليم، والعثور على روايات جادة عالمية وعربية ومحلية ولذة الإبحار مع أحداثها وبراعة التصوير لشخوصها وتقاطع الأقدار في نسيج لا يقوى على تكوينه سوى شخص بارع له قدرة هائلة على التحكم في تلك الشخوص وأقدارها، محاولات لذيذة لتقليد ما أقرأ تبوء بالفشل وأخرى لا تجد من يقرأها وبعضها ظل مركوناً حتى يومنا هذا، وفي النهاية توجه علمي غريب يقود إلى دراسة الهندسة الميكانيكية في جامعة دمشق، ثم العمل في ذلك المجال وأما الوقت والذي يقتات على براثن اللذة المكبوحة بنهم فقد تلاشى ولم يعد ليسمح بفسحة لتلتقي بها حصص التعبير المدرسي بالخاطرة المرسلة للصحف، ولم اعد مُتهماً بحيازة ممنوعة لتلك القصاصات ولكنني أصبحتُ مسكوناً بها كلما نظرت إليها مكدسة على أرفف المكتبة أرثي بها نفسي وما تبقى من ملامح الزمن الجميل، تخلصتُ جزئيا من حريتي مؤخراً بالوقوع فيما هو محظور حين عثرتُ على عشقيَ القديم... القصة القصيرة والتي هي الأقرب والأصعب لمسايرة الوقت وقلة التفرغ.

سوق القراءة

وعن تراجع القصة القصيرة في سوق القراءة العربي يقول المهندس القاص: "هذه المقولة تبدو جلية في ظل الترويج لمصلحة الرواية والتي نعشق كلنا كتابتها يوماً ما، أحس من خلال سؤالك بأنك تلمح لذلك، لكنني أريد التأكيد على بعض الأمور من خلال المشهد الأدبي العام في هذا الوقت والذي يعكس انتعاشا ملحوظاً في كثير من البلدان العربية لمصلحة هذا النوع المميز من الكتابة في فن القصة القصيرة، كالمغرب ومصر مثلاً، من أهمها وجوب تأصل قناعة مطلقة لدى كتاب القصة بإمكانية الوصول إلى حالة من التميز من خلال التعاطي معها لا يقل أهمية عن التعاطي مع جنس الرواية، ضرورة العمل على اختراق حاجز التجريب، للخروج بما هو أفضل للمتلقي، ضرورة العمل على التجديد في شكل القصة ومضمونها والابتعاد عن التكرار والمباشرة، الإطلاع على فن القصة القصيرة العالمية مع التأكيد على حفظ هويتنا العربية، وحين يتحقق الارتقاء لذائقة المتلقي من خلال جمالية الشكل والمضمون أولا وأخيرا فلن يكون هناك تراجعاً لا بحكم السوق ولا بحكم القراءة".

أما عن بيئته القصصية فيتحدث ناصر الريماوي بلغة الاستذكارات فيقول: "المشاهدات أو لحظات المعايشة والتي تتميز بخصوصية من خلال مدلولات نفسيه يصعب على المرء تفسيرها ببساطة لعدم تجليها بوضوح لارتباطها بعقلنا الباطن، والتي تستوقفنا بغتة ودون اللجوء لنية البحث عنها، أو الترتيب للعثورعليها، لكنها وكما قلت لك حين تمر بنا بغتة فأنها تستدعي جيوشاً من الصور العالقة في الذاكرة المختزنة والذاكرة المتخيلة على حد سواء، ليبدأ عالم حر بالتشكل من غير ملامح واضحة ومن غير نهاية محددة سلفاً، ثم يأتي دور اللغة والثقافة وتراكم التجربة في تفكيك هذا العالم إلى قصة قصيرة.

أما دور البيئة فهو هامشي من حيث الدافع للكتابة ولكنه هام وأساسي من حيث التشكيل، ما لم تساهم البيئة في تعميق تلك المشاهدات أو اللحظات التي تتم معايشتها بشكل مباشر".

هاجس لغوي

مخاض القصة عند الريماوي يتحول الى هاجس لغوي فيختصره بالاجابة بما يروق له، فيقول: "الولادة للنص القصصي تعني اكتمال الرؤية القصصية وأن البناء العام قد حقق – نسبياً – ذلك التوافق المطلوب لإبراز تلك الرؤية بكل وضوح للمتلقي كي يتقبلها.

هناك مراحل متعددة في كتابة القصة، تبدأ بإحساس ضاغط يتنامى مع الوقت حتى أصل معه إلى حالة من التسليم والبدء بتوقيع أصعب مرحلة وهي السطر الأول من القصة، ثم بناء العوالم الخاصة بكل قصة وهي مرحلة المعاناة الحقيقية والتي تصل إلى حد الهذيان اليومي والقلق المتواصل، ثم اكتمال البناء وتذيله بلافته النهاية، ثم الخروج على الفور إلى مكان يضج بالحياة والناس لتنفس الهواء تمهيداً لإسترخاء مؤقت قبل عودة ذلك الإحساس الضاغط من جديد. ثم بعد ذلك تتم عملية المراجعة والتدقيق وقلما يكون هناك حذف أو تعديل... ثم للنشر".

وعن علاقته بالقارئ يقول: "لن تظفر بكل قارئ فهناك المزاج يحكم القراءة أحياناً، ولكنني اعتقد أن التركيز على الجانب الجمالي من خلال اللغة والأسلوب وبناء عوالم شبه جديدة، ومحاولة إشراك القارئ من دون توريطه وترك هامش لحفز مخيلته وخلق حالة من التساؤل بعد الانتهاء من تناول القصة، ثم تفعيل خلاصة التجريب والذي تحدثنا عنه سابقاً، والابتعاد عن الطرح المباشر وأسلوب النصح والإنشاء والتقرير وزج القارئ في قضايا جانبية او حتى التطرق إليها، كلها عوامل قد تؤدي إلى رفع سوية القصة ومن ثم الظفر بذلك القارئ على الدوام".

وعن روح اللغة التي يتعامل بها قص الريماوي يقول: "بعد كل ما تقدم يمكنك الاستنتاج بان اللغة هي الركيزة الأساسية في القصة وأن الجانب الجمالي يعتمد عليها اعتماداً كلياً، ليس شرطاً أن تتم الكتابة بلغة شعرية او شاعرية بل أن البعض لا يحبذها، لكنني أمزج بين اللغتين اللغة النثرية والشعرية في بعض الأحيان كوني مسكوناً بإيقاعات الشعر الجميلة، أحاول أن تكون اللغة متينة، انسيابية في حلقة السرد المتوالية، مستفيداً من مرونتها في بناء أجواء القصة وإبراز بعض المشاهد التي تعتمد على الحدث، أما الجانب التوصيفي فله لغة مستقلة وجدتها تأتي اقرب إلى الشعر منها إلى النثر، هي في النهاية تأتي على هذا الشكل".

أصعب الفنون

ويقول الريماوي: "إذا افترضنا بأن القصة القصيرة من أصعب الفنون الكتابية وهو افتراض له ما يبرره، بناء عليه فان القصة القصيرة جدا هي أكثر صعوبة وتحتاج إلى موهبة أكثر عمقاً لخوض غمارها وهذا بديهي، لكن الواقع ومع كل أسف يكشف عن تجارب غير قادرة تماماً، فتأتي (القصة القصيرة جداً") شبه ممسوخة، واقرب لحكمة اليوم، أو "النكتة" الشعبية، طبعاً أنا أتحدث عن التجارب التي مررت بها شخصياً وفي الحقيقة هي قليلة، لذلك فأنا اعتقد أن التميز أو عدمه لا يكمن في جنس هذا النوع من الكتابة بل بقدرة وكفاءة من يمارس هذا النوع من الكتابة، وفي النهاية أعتقد أنها قصة قصيرة عادية ولكن بتكثيف أعلى واقتصاد لغوي كبير يصل إلى حد الانضغاط في كل عناصر القصة أو إسقاط بعضها".

وعن غياب النقد العربي الموازي للمنتج يقول الريماوي: "بسبب إقامتي خارج الأردن ولفترة تزيد عن العشر سنوات، يمكنك القول بأنني غير مطلع تماماً عما يجري على الساحة النقدية تحديداً، ولكنني على قدر لا بأس به من الإلمام من خلال الشبكة العنكبوتية بالأنشطة الثقافية وغيرها ومن خلال اللقاءات المتفرقة مع الأصدقاء والزملاء كلما سنحت الفرصة، عموماً اعتقد بأن حال النقد في الأردن لا يختلف عن بقية البلدان العربية الأخرى، فكما تعلم ويعلم الجميع بأن النقد هو الحلقة الأضعف في منظومة الإبداع الأدبي في وطننا العربي الكبير، ولن أخوض في أسباب ضعفه فهي معروفة للجميع، لكن دعنا نتحدث عن ذلك الغياب، من وجهة نظري كشخص يهوى الكتابة، علينا أن لا نحمل النقاد تبعية هذا الغياب كاملا، فلربما كان لغزارة الإنتاج الأدبي مؤخرا دور في عدم إمكانية ملاحقة هذا الكم الهائل من قبل النقاد لتغطيته".

فن الخيبة

اما عن الأدب (فن الخيبة) حسب تعبير رولاند بارت الذي لا يطعم خبزا في العالم العربي، فيقول القاص الاردني: "اعتقد بأننا أمة تولي اهتماماً أكبر بكثير لما هو مرئي ومسموع أكثر مما هو مقروء، لذا فالكتابة لقنوات التلفزة وصناعة الأفلام السينمائية والمسرح والإذاعة هي مجدية مادياً للكاتب أكثر من غيرها، في وقتنا الحاضر تأتي الشبكة العنكبوتية لتكريس هذا الأمر وإبرازه، فإنشاء موقع الكتروني أدبي أو شبه أدبي قد يدر أرباحاً مالية تفوق عائدات نشر عشرات الكتب الجادة، ثم هناك عزلة حقيقة للمبدع تفرضها وسائل الأعلام الرسمية المختلفة وخصوصاً المرئية والتي تعد الأكثر انتشارا والتي يفترض من خلالها التعريف بالإبداعات من خلال تغطية مبرمجة ودائمة، ثم دور المؤسسات الرسمية الأخرى والتي قد تعمد في كثير من الأحيان إلى منح المثقف دوراً هامشياً أو دعماً محدوداً غالباً ما يؤدي إلى إضعاف مساهمته في بناء الوعي الجماعي لحساب تكريس أولوية خروجه من حالة العوز المادي وتحصيل لقمة العيش.


طباعة شاملةطباعة مبسطة


اعلى