في "عانقت امرأة تنتظر" مجموعة خاتون سلمى الشعرية ما يبدو حالة نفسية - فكرية واحدة في شكل عام.. وإذا بدت ذات تفاصيل متباينة هنا وهناك فسرعان ما تنسج هذه التفاصيل صورة كبيرة للانسان وللمسيرة البشرية في ازمنتها وامكنتها كافة.
عالم المجموعة يشعر القارىء بأن في قصائدها عامة نواحا حزينا خفيض الصوت وبنفاذ مؤثر وموح على العمر والاحلام الوردية التي يجدها الانسان الان اذا سمحت له الحياة بتذكرها كأنها مجموعة من الزهور الذابلة التي ترافقه خفية في الطريق.
وتبدو الشاعرة اللبنانية خاتون سلمى في هذه المجموعة كمن استعد - وإن مكرها حزينا مفجوعا- وقبع في انتظار الذي يأتي ولا يخلف موعدا لا شأن لنا في تقرير ساعته.
وقبل ان يأتي الذي يأتي دائما تبدأ رسله وتباشير اقترابه في اغلب حالات الانسان بالظهور فينا.. نفسا وجسدا. وقد تفرغ الخيبات والاحزان وأخواتها وأشباهها الانسان من تلك اللوعة الحارقة والرعب القتال مما سيأتي فتحولهما الى حزن بارد مهادن.
وربما شكّل "اكتهال" الامال وشيبها عند كثير من الناس رفقة لازمة لتقدم الانسان في السن وقرعه باب الشيخوخة او حتى دخوله في "رحابها" لكن اشد انواع هذا الاكتهال وهذا الشيب هو ذاك الذي نجده مقيما عند من لا يزالون في اعمار الشباب المختلفة. ومن هؤلاء خاتون سلمى.
المجموعة التي اشتملت على ما لا يقل عن 25 قصيدة في 78 صفحة متوسطة القطع صدرت عن "دار الجديد" بلوحة غلاف لاماديو مودلياني.
تستهل خاتون المجموعة بشبه مقدمة شعرية فتقول "يوم استحضرني صغار الجان/ وأمراء الكلام في فراشي غافون/ ارتديت حكاياتي/ طرحت السحاب على وجهي/ عانقت امرأة تنتظر".
الا ان طرح السحاب على الوجه او امتطاءه لا يجعلنا نبتعد عن واقع الحياة على الارض بل ربما جعلها هذا الاتفاع تبدو اكثر مرارة.
تحفل قصائد خاتون بالصور الرمزية والمجازية الموحية وإن تراءى لنا ان قليلا منها يصل احيانا الى حد ما يبدو خلقا متعمدا للغرابة. الا ان ذلك وتلك الموسيقى النابضة بحزن والمحبوكة بتلك الصور المتداخلة معها في نسيج متجانس يخلق شعرا يحمل الى النفس حالات من المتعة والعدوى في نقله الافكار والمشاعر حتى ولو كانت اشبه بمثلث برمودا الذي يبتلع السفن.
في قصيدة "لنغفو دون عناق" نقرأ خاتون حيث تقول "وراء الاجفان الموصدة/ تمائم خوفنا/ ضوء ارواحنا/ مثلث غيب/ تعبره سفن بلا عيون...".
في ختام قصيدة "نرحل وتبقى الحكاية" مثلا صورة جميلة برمزها وغرابتها. تقول "لن تتسلقني بعد اليوم/ قصصت ضفائري/ وأيقظت النوم".
تصوير جميل اخر في قصيدة "هي والعالم هذا المساء" حيث تعبر عن العادي اليومي او ما يبدو لنا روتينيا مملا بتصوير رمزي ممتع يرتفع به وبإحساس القارىء. تقول "كأس اخيرة/ لتخلع رأسها/ في زوايا المساء/ ترمي الصور/ بقايا الايام/ نشرة الاخبار/ فرشاة شعرها.
"تلامس عيناها الاحداق/ تلامس الصخر/ مرارة التبغ/ مذاق الصداع/ افواه تتحرك/ كهوف تبتلعها/ ظلال تصافحها/ مقعد يهوي/ الصحة جيدة؟/ ذاك الفراغ".
في قصيدة "اعيدوا الاشياء كما كانت" انتقال مما يبدو مرتبطا بأحداث وآلام يومية عبر حنين الى "ما كان" وربما الى الايام الافلة وإلى ما نسميه " لاحقا" الفردوس المفقود وتمني التغيير قبل انقضاء "الرحلة القصيرة".
تقول "يعيد النهار/ ترتيب النهار/ وأنا على قارعة اليوم/ أردد اغنية على شفاه امي/ انتظر مشاوير الاطفال/ عودة الريح بالعصافير/ بطائرات الورق/ بماس العيون/ بمعاطف صغيرة./ دثروني../ تصطك الذكريات على الاسرّة الفارغة.../ .
"اصحو على كف فارغة/ اشباح تعيد ترتيب الاشياء/ لوحة الجدار المائلة/ مقاعد الزائرين المغادرين/ قبلات تمسح عن عتبة المدخل/ اعيدوا الاشياء كما كانت/ مشواري قصير/ لن اتأخر".