لماذا التصعيد الجزائري المتجدد في قضية الصحراء الغربية؟
 بعد معاقبة مديرها بالسجن، المغرب يعلق صدور 'المشعل'
 ماريوت تبدأ خطوة التوسع الافريقي بعد انحسار الأزمة
 الجزائر: سجن ثلاثة مغاربة بتهمة التخطيط للانضمام الى قاعدة
 الرباط: وضع أولى لبنات القطب التقدمي الحداثي
 لهجة متشددة للعاهل المغربي ازاء بوليساريي الصحراء
 بوادر أزمة دبلوماسية بين المغرب والسويد بسبب بوليساريو
 هيلاري تريد ان تلجم تصريحات الوزراء العرب
 من أبوظبي الى القدس الى مراكش.. واشنطن 'تضغط' ولكن بلا جديد
 المغرب: مراسلون بلا حدود تطمس الحقائق

First Published 2009-10-25, Last Updated 2009-10-25 11:04:55


الشعر يجب أن يكون مزعجا

ناقد مغربي يعترف بالعلاقة الشائكة بين الشعري والنثري

 
رشيد يحياوي: العلاقة بين الشعري والنثري علاقة شائكة حتى وإن بدت في الظاهر عكس ذلك.

ميدل ايست اونلاين
حوار أجراه: عبداللّطيف الوراري

رشيد يحياوي كاتب وأكاديمي مغربي. ولد سنة 1961 بابن سليمان [وسط المغرب]، تابع دراسته العليا بفاس حيث حصل على الإجازة في اللغة العربية وآدابها سنة 1984، ثم التحق بكلية الآداب - جامعة عين شمس بالقاهرة حيث حصل على الماجستير سنة 1988. يشتغل الآن أستاذاً بكلية الآداب بأغادير. له دراسات نقدية متنوّعة في مجال الأدب، كان آخرها "قصيدة النثر العربية، أو خطاب الأرض المحروقة"، وحولها دار الحوار.

* يأتي كتابك الجديد "قصيدة النثر العربية، أو خطاب الأرض المحروقة" تتمة لمشروع متواصل، يتعرف فيه القارئ على مدى الجهد الذي بذلته في سوق الإشكالات والمواقف وبرامج التحليل من أجل خطاب عالم للقصيدة، وإن كنا نلمس فيه وجهة نظر مزعجة وقاسية موجَهة لطرفي الصراع معا؟

ـ قصيدة النثر مزعجة أصلا. مزعجة لأعدائها أولا، ومزعجة لقرائها ثانيا، بوصفها مخالفة لما راكموه من معرفة بالأنماط الشعرية المرسخة، ومزعجة لبعض شعرائها ثالثا، حين تستميلهم بجاهزيتها الخادعة وتوقعهم في شرك السهولة، ومزعجة لتاريخ الذائقة الشعرية رابعا، لاعتيادها على نمط الإيقاع العروضي. ولأنها مزعجة على حد فهمي هذا، فكيف تكون الكتابة عنها غير مزعجة؟

أعتقد أن الشعر يجب أن يكون مزعجا، وإلا توقف عن إحداث المغايرة في تاريخه وفي الذائقات الجمالية. والإزعاج، بهذا المعنى، ليس إحداث الضجيج، وإصدار الأصوات المنفرة. ولكن خلخلة الاطمئنان الواثق، وزرع القلق الباحث، بما يبعث على التساؤل المنتج، والتلقي الباني، والتذوق الجمالي المغتني بإضافة البدائل.

* تزامن صدور كتابك عن قصيدة النثر مع كتاب الشاعر أحمد عبدالمعطي حجازي عن قصيدة النثر الخرساء حسب تعبيره. ألست مثله تسهم في حرق أرض هذه القصيدة، ثم كيف تقيم موقف حجازي منها؟

ـ أنا لا أحرق هذه القصيدة ولو بالمعنى الإيجابي. أنا من عائلة فلاحين، وكان والدي، قبل فصل الحرث، يعمد لحرق الحصيدة، لأن حرق الأرض يقتل بذور الأعشاب الطفيلية، كما أن رماد التبن يمثل نوعا من السماد. النار هنا تطهر وتغني. لكني لا آخذ بهذا التصور في الأدب، لقد قصدت الخطاب النقدي الرائج حول قصيدة النثر، فهو خطاب حارق، يكاد الكل فيه يحمل مشاعل ملتهبة كما لو كنا في طقس ديني أو أسطوري. يستوي في ذلك خصوم هذه القصيدة مع شريحة واسعة من أنصارها.

أما قصيدة النثر في ذاتها، فكأنها تجد في الخطاب الحارق بردا وسلاما، لأنها تمضي وتشق طرقها المتشعبة.

والشاعر الكبير أحمد عبدالمعطي حجازي من حملة المشاعل الملتهبة. لا بد من التأكيد أن حملة المشاعل في هذا السياق، لا يحملونها للإنارة، ولكن لإلقائها على "حطب جهنم" الذي تمثله قصيدة النثر عند بعضهم. ومع أني لم أقرأ كتاب حجازي، إلا أني أعرف رأيه في قصيدة النثر، وهو رأي قديم عبر عنه منذ مدة طويلة حين أبدى رأيه في قصيدة النثر المصرية وشعرائها واعتبرهم ناثرين لا شعراء.

ومهما كان رأي حجازي، فأنا أحترمه من موقع الاختلاف معه كليا. لكني لا أتصور أن تكون قصيدة النثر خرساء، فالخرس يعني عدم القدرة على النطق والكلام، ونحن نعرف أن الثقافة العربية الإسلامية تعتبر أن كل شيء ناطق حتى الجماد.

* يعني الشاعر حجازي بالخرس، في اعتقادي، غياب الصوت، أو بالأحرى الإيقاع؟

ـ إذا كان حجازي يعني أنها لا تُحدث صوتا يمكن سماعه، فإن هذا ليس ضروريا في الشعر، فحتى في الشعر القديم هناك أغراض شعرية لا تتطلب رفع الصوت بها في الإلقاء. إن الخطابة مثلا، وهي ليست شعرا، قد تتفوق على الشعر العروضي من جهة رفع الصوت بها إلى درجة الإرغاء والإزباد وانتفاخ الأوداج. وإذا كان هناك سياق للحديث عن الخرس، فأولى أن نصف به بعض الشعراء حين يخرسون ولا يعودون قادرين على قول الشعر. أما القصيدة، ومهما كان نوعها، فإنها تظل ناطقة بطريقتها، بل إنها تستمر في النطق حتى حين يصيب الخرس شاعرها، أو يتوارى عن الوجود.

* ولكن ألا تنتبه مثلي لغياب دراسات في النقد والتأويل تقارب المنجز النصي والإبداعي لقصيدة النثر بمختلف شعرياتها الملتبسة، مثل تلك التي قدمتها خالدة سعيد وعبدالكريم حسن وسواهما، إذ ما يُلاحظ في الغالب سوى متابعات صحفية أو قراءات متسرعة ومبتسرة لدواوين تنتسب لهذه القصيدة، وهو ما يؤزم سياق تلقي القصيدة، ويقوي فرضيات تشك بشعريتها؟

ـ قلة أو غياب دراسات كالتي أشرت إليها قد يكون راجعا إلى كون النقد لم يستطع بعد اللحاق بشعرية قصيدة النثر التي يبدو أنها خلفته وراءها، أو ربما لشكه في نفسه وفي منظوراته وأدواته بعد كل هذه السجالات والمواقف المتباينة من قصيدة النثر. هذا على الرغم من أن تجارب بعض شعراء هذه القصيدة حققت تراكُما لا يمكن لطريق النقد أن تخطئ اتجاهها نحوه إن شاءت. ومع ذلك فإن ما يُسمى بالنقد الصحُفي له أهمية لا تنكر، من حيث كونه يُواكب الإصدارات، ويُغني الحوار حول بعض القضايا التي تستأثر بالنقاش في فترة من الفترات، كما أنه يُلقي الأضواء على بعض الأعمال الشعرية، خاصة أن عددا من مُمارسيه شعراء وجربوا معنى أن تدخل لمضايق قصيدة النثر.

* في ظل اختلاط المفاهيم وعدم اتضاح الرؤية، إلى أي حد ـ في نظرك ـ تفيدنا نظرية الأنواع الأدبية، أو بالأحرى أنواعية الشعر في تمييز الشعري والنثري والتفكير في العلاقة الملتبسة بينهما؟

ـ العلاقة بين الشعري والنثري علاقة شائكة حتى وإن بدت في الظاهر كأنها تجعل من تمايزهما عن بعضهما البعض مُسلمة من المسلمات، وهذا منذ القدم، فكيف بالأدب المعاصر والحديث حيث برزت دعوات هدم الحدود بينهما بصورة أكثر حدة. وكلما تَساءلنا مثلا: هل هذا شعر أم نَثر؟ هل هذه قصة قصيرة أم قصيدة؟ هل هذه رواية شعرية أم شعر سردي؟ ظهرت الحاجة لدراسة أنواعية لأشكال التعبير الأدبي، إلا أن غاية هذا النوع من البحث الأنواعي ليست بالضرورة العمل على فصل الشعر عن النثر، ولكن وصف ورصد تمثلات الإبداع العربي المعاصر لطرائق الاستخدام الشعري والنثري للغة وبناء النص وتشكيل الدلالات وتحقيق المقاصد، في صلة بأنماط التلقي الكامن منها والظاهر، السائد منها والهامشي.

وأظن أن قصيدة النثر أحوج للمُقاربة الأنواعية نظرا لتداوُلها الغامض. لقد قارنتُ في كتابي "قصيدة النثر العربية، أو خطاب الأرض المحروقة" بين قصيدة النثر وطابع البريد، حيث بدا لي وجود من يتعامل مع مقولة النوع كما لو كان يضع طابعا بريديا على غلاف الرسالة، دون أن ينتبه إلى أنه رُبما يلصق الهواء على الغلاف، أو يلصق الغلاف على الهواء، أو يلصق الطابع على الهواء، ولعله يلصق الهواء على الهواء.


طباعة شاملةطباعة مبسطة


اعلى