جاءت زيارة السلطان قابوس بن سعيد، سلطان عُمان، الى إيران في توقيت يبدو مثاليا لإيصال رسالة مفادها أن علاقات حسن الجوار يجب ألا تتأثر بأي مشكلات داخلية قد تعانيها طهران.
فبعد يوم واحد من تنصيب الرئيس الإيراني محمود احمدي نجاد، عقب انتخابات مثيرة للجدل، بدأ السلطان قابوس زيارة رسمية، قالت بين أشياء أخرى، إن عُمان معنية بالمحافظة على مستوى عال من علاقات التعاون بين البلدين، بصرف النظر عن كل ذلك الجدل. فعدا عن انه، شأن داخلي خاص، فان عُمان لا ترغب حتى بإثارة الانطباع بأن شيئا ما يمكن أن يتغير في طبيعة هذه العلاقات، بل ربما بقول الشيء الإيجابي المضاد وهو ان زيارة رسمية سامية المستوى تقدم تلميحا ضمنيا بان عمان تنظر الى الاستقرار على انه هو الشيء الجاري، وعلى انه هو ما يجب التعويل عليه.
هذا التلميح، كان كافيا فيما يبدو ليجعل وسائل الإعلام الإيرانية تحتفي بالزيارة وبالسلطان قابوس وبالعلاقات الثنائية بين البلدين على انها نموذج يستحق أن يحتذى بين كل دول المنطقة.
وكان من الطبيعي ان تثير الحفاوة التي استقبل السلطان قابوس تمنيات اقليمية بأن تكون علاقة ايران مع جوارها العربي كعلاقتها بسلطنة عمان. ففيها من الاحترام المتبادل والرغبة بإعلاء أسس التعاون ما يكفي لجعلها نموذجا لكل وجه من وجوه علاقات حسن الجوار.
وسائل الإعلام الايرانية كتبت تعليقات انطوت على الكثير من مشاعر الإرتياح، حتى انها بلغت مستوى من الاحتفاء لم يحظ به زعيم عربي ولا أجنبي من قبل.
وكانت صحف "الوفاق" و"كيهان" و"إيران" و"عصر" و"توسعة" و"ابتكار" و"سياست" و"فارس نيوز" و"مهر" و"صبح" و"اميد" و"افرينش" و"اعتماد ملي" و"جام جم" و"اطلاعات" و"خبر" و"إيران نيوز" و"إيران ديلى" و"جمهوري إسلامي" و"مردم سالارى" وعشرات الصحف الأخرى أبرزت تفاصيل الزيارة على صدر صفحاتها الأولى، وركزت على توقيتها وأهميتها التاريخية وأهدافها السامية.
وكتب بعضها عبارات تقول "انها ليس فقط زيارة تاريخية بامتياز، بل هي تدون لحظة عبور المنطقة كلها من اللامعلوم إلى القدر المتيقن من الجوار المسكون بالصداقة والوفاء.. إنه لقاء العقلاء الذي يحلّق فوق الشأن السياسي اليومي المعلوم عندما يلتقي قائد سلطنة عمان بقائد الجمهورية الإسلامية في إيران ذلك أن اللحظة التاريخية تتطلب تضافر جهود الحكماء من أجل دفع المكروه عن بلاد العرب والعجم على السواء"، بل ان شيئا من طافحا من التأثر دفعها الى القول "إنها رسالة عمان الجارة الودودة لإيران كما لكل من له عقل سليم وقلب ينبض بالمحبة وحسن الجوار ولا ينتظر من أحد جزاء ولا شكورا".
والفضل إنما يعود الى بعد النظر الاستراتيجي للسياسة الخارجية العمانية. فإيران، شاء المرء أم أبي، قوة إقليمية مؤثرة. والتداخلات في منطقة الخليج، والشراكة الإجبارية في مضيق هرمز، يمكن ان تدفع فقط في أحد اتجاهين، أما التعاون او الإحتراب. ولا مجال لخيار ثالث بينهما. فالمسافة بين ضفتي الخليج ضيقة الى درجة انها لا تبقي مجالا للمناورة. فإما التعويل على منافع علاقات التعاون، وبالتالي توطين أجواء سياسية تجعل من التفاهم هو حجر الزاوية لخل أي خلافات محتملة. وأما الاحتراب، وهو ما يعني وضع الفُخّار حيث يتحرك فيل التوترات.
وقد اختارت عمان، بحنكة ملموسة التعويل على الخيار الأول. وهي حنكة كان من المهم للايرانيين أن يروها مجسدة في علاقات مثمرة، وفي زيارة تمت في توقيت مدروس.
فحتى إذا ما بدا أن الإيرانيين يكسرون فخارهم بينهم وبين بعض، في خلاف داخلي حول هذا الشأن او ذاك، فان عُمان قالت ما يحسن بالجميع قوله: نحن مع الاستقرار، ونحن ننظر الى الإيرانيين على انهم أدرى بشؤونهم الخاصة، ونحن نتعاون مع البلد ككل، لا مع شق أو تيار فيه.
والأمر لا يتعلق، بالأحرى، بما قد يُعتقد انه كفاية وقاية. فالحقيقة هي ان إيران كغيرها من دول العالم، تمر بمراحل صعود وهبوط، وقد تواجه أزمات او تنعم برخاء. ولكن كل ما يستطيع أن يفعله أهل الجوار هو ان يقفوا على الضفة الأخلاقية والسياسية المرتفعة. أي أن يكونوا عونا للاعتبارات الايجابية في العلاقات بين الدول، ليعينوا أنفسهم، وليحصدوا ثمار تلك الاعتبارات في السراء والضراء.
وليس للعرب، على أي حال، طموحات في ايران، لا جغرافية ولا سياسية ولا ايديولوجية. ونموذج عمان يقول ان الاستثمار في القواسم المشتركة يمكن ان يفتح الباب لعلاقات متوازنة وبناءة.
التمعن في هذا المعطى سوف يثبت ان في هذا الأمر درسا لايران أكثر منه درسا للعرب. فإيران نفسها لا تستفيد من علاقات التوتر والاحتراب والتدخل في الشؤون الداخلية، بمقدار ما تستفيد من الوجه الآخر.
فالقوى الإقليمية الكبرى تحتاج، في النهاية، الى مجالات حيوية للتحرك. وهذه المجالات يمكن ان تكون مفتوحة على علاقات تجارة وتبادلات وارساء مصالح متبادلة ثرية. بينما لا يمكن لعلاقات الإحتراب إلا أن تؤدي الى إغلاق المداخل والأبواب.
هذا هو الدرس. وهو درس صنعته حكمة التاريخ في عُمان. ومنه قالت اتفاقيات التعاون المتعددة الأوجه التي تم توقيعها خلال الزيارة، أن بيننا ما يحسن الحفاظ عليه، وما يستحق أن يكون مصدرا لثراء المصالح بدلا من خواء المخاوف والتهديدات.
وكان يوسف بن علوي بن عبدالله الوزير المسؤول عن الشؤون الخارجية، وضع إصبعه على هذا المعنى بالذات، عندما قال "ان المهم والأصل هو العمل من أجل الاستقرار والتطور والتنمية في المنطقة.. وان هذه هي المبادئ الأساسية التي يوقن صاحب الجلالة السلطان المعظم من انها أيضا في أولويات القادة الإيرانيين... وعلاقات السلطنة والجمهورية الإسلامية الإيرانية تأتي استمرارا للعلاقات التاريخية... فهذه المنطقة قد تمر بأزمات وعقبات ولكن هذه العقبات لا توقف التاريخ".
انطلاقا من هذا الأساس، أثمرت الزيارة توقيع عدة اتفاقيات، قالت للإيرانيين: هذا هو الخيار الأمثل للبلدين، لا "الشيء الآخر".
إذ تم توقيع اتفاقية للتنسيق الأمني، تتعلق بتبادل المعلومات ومكافحة التسلل والتهريب والجريمة. كما تم التوقيع على مذكرة تفاهم تتعلق بانشاء مركز لتعليم اللغة الفارسية في مسقط تحت اشراف وزارة التربية والتعليم، وعلى البرنامج التنفيذي للتعاون في المجالات الثقافية والعلمية والتعليمية والاعلامية والاجتماعية والرياضية. كما تم التوقيع على محضر اجتماع يتعلق بتبادل وثائق اتفاقية تجنب الازدواج الضريبي بشأن الضرائب المترتبة على عوائد الاستثمارات بين حكومتي السلطنة وايران.
ووقعت حكومة السلطنة ممثلة في شركة النفط العمانية والحكومية الايرانية ممثلة في شركة أن بي سي الدولية وهي شركة ايرانية مملوكة للحكومة على اتفاقية يتم بمقتضاها السير قدما في تطوير مشروع انتاج سماد اليوريا المزمع اقامته في عسلويه جنوب ايران. كما وقعت شركة النفط العمانية وشركة هيربودان الايرانية مذكرة تفاهم لبناء محطة لتوليد الطاقة الكهربائية في المنطقة الحرة فى مدينة قشم. وتنص مذكرة التفاهم على اقامة محطة حرارية تعمل على الغاز لتوليد الطاقة الكهربائية بسعة 500 ميغاوات. وستسهم المحطة الجديدة في تعزيز انتاج الطاقة الكهربائية في ايران. كما تضمنت مذكرة التفاهم تفاصيل تتعلق بحصة كل من الشركتين في المشروع بالاضافة الى الدور المناط بكل منهما في مجال البناء والتشغيل وصيانة المحطة.
وكل هذا عمل يصلح ان يكون أساسا لشراكة تجارية واقتصادية أوسع.
وفي مكان ضيق، كالمسافة بين ضفتي الخليج، فان علاقات التعاون أفعل وأكثر نفعا من أي علاقات أخرى.