حظيت بزيارة الجمعية العمانية للفنون التشكيلية في مسقط، ومما زادني سعادة كان تواجدي في قاعة المحاضرات بالجمعية قد تزامن مع تقديم محاضرة في احدى القاعات من قبل د.فخرية اليحيائي المتخصصة في تدريس مادة التربية الفنية وتاريخ الفن بجامعة السلطان قابوس.
ود.فخرية هي أيضاً فنانة معروفة في عمان تخرجت من جامعات بريطانيا وحصلت على جائزة السلطان قابوس للابداع.
ومما لفت نظري خلال تلك المحاضرة التي حضرها مجموعة من الفنانين والفنانات بالجمعية هو أسلوب المحاضرة في عرض رؤياها لرسالة الفن بشكل عام م النواحي الجمالية والابداعية والاجتماعية والوجدانية بالاضافة الى تركيزها على البعد والعمق النفساني (السيكولوجي).
ورغم أن ميزات الفن هو ظاهرة التجريدية فلقد حرصت د.فخرية على الغوص في أعماق الذهن للفنان أو الفنانة والمراحل التي تمر بها العملية الخلاقة وولادة القطعة الفنية.
إلا أن أهم ما دعا إلى دهشتي بارتياح هو حرصها على تنمية وتنشيط الوعي والاحساس واليقظة الفنية خاصة بما يتعلق بالعلاقة بين الفنان المبدع والمشاهد من تواصل وتلاقح.
فعلى سبيل المثال لا الحصر قدمت لتلك الباقة من الفنانين والفنانات ارشادات جوهرية تساعدهم على تفسير وتوضيح الأبعاد الرمزية والتعبيرية والوجدانية لكل لوحة أو قطعة فنية لجمهور الزائرين خلال احياء المعارض المختلفة التي تشهدها مسقط على مدار السنة وتحظى قاعات الجمعية بنصيب الأسد فيها.
لقد كانت تلك التجربة التي أشعرتني بالارتياح والاعتزاز عندما ولجت تلك الواحة الفنية التي كانت الأغلبية الساحقة فيها من المبدعين من الشابات والسيدات يتدفقن بالثقة ويتعطشن للإبداع.
تلك التجربة التي اقنعتني بأن الفن في سلطنة عُمان بخير يتطلع المشرفون عليه الى المستقبل بلهفة زائدة وأمل يانع.
أتى اشهار الجمعية العمانية للفنون التشكيلية عام 1993م تزامناً مع عام الشباب، بتوجيهات خاصة من السلطان قابوس لتكون بمثابة البت الذي يحتضن الفنان التشكيلي والمصور الضوئي تحت سقفه.
ومن هذا المنطلق بدأت الجمعية في تكثيف جهودها وأنشطتها لتوفير المناخ المناسب وتقديم الدعم المادي والمعنوي للفنان العماني والفنانة العمانية لأخذ دور وموقع ريادي بين في بناء الصورة الفعلية الحديثة للحركة التشكيلية العمانية.
ومنذ تاريخ اشهارها سعت الجمعية جاهدة الى الوصول بأعضائها من خلال مواهبهم وإمكانياتهم الى مراتب التميز.
وقد كان لمشاركاتها في العديد من المعارض والفعاليات الدولية دور في التعريف بالفنان التشكيلي العماني.
كما تشارك الجمعية دائماً في العديد من البيناليات والتريناليات الدولية والمحافل الخارجية الأخرى باستمرار في ترجمة للتوجيهات من أجل إفساح المجال للأنامل العمانية أن تشق طريقها للعالمية.
ويتضح للمتابع لنشاطات الجمعية السنوية الداخلية والخارجية تمتاز بالشمولية والتنوع منها معرض الشباب السنوي للفن التشكيلي والمعرض السنوي للتصوير الضوئي والمعرض الدوري للفنانات.
كما تتضمن تلك النشاطات ورش ودورات فنية في مجالات الفنون التشكيلية والتصوير الضوئي يشارك فيها فنانون ونقاد متخصصون.
هذا بالاضافة الى ابتعاث مجموعة من الفنانين والمصورين الأعضاء للمشاركة في ورش العمل الخارجية من خلال الدعوات التي تتلقاها، كما تقوم الجمعية باستضافة معارض فنية للفنانين والمصورين من خارج السلطنة (فردية وجماعية) حسب البرنامج السنوي.
كما يتم اصدار مجلة دورية تعرض فيها نشاطات الجمعية وأعمالها وتزود الأعضاء والمتذوقين بكل ما هو حديث في الفن التشكيلي.
أما على المستوى العالمي فساهمت الجمعية بنشاطات فنية في بينالي الشارقة وبينالي القاهرة وبينالي بنغلادش للفنون المعاصرة، وترينالي الهند للفنون التشكيلية المعاصرة، ومهرجان المحرس الدولي للفنون التشكيلية في تونس، والمساهمة في معارض أخرى في الأردن ودبي وبغداد والقاهرة.
ولتحقيق أهدافها تسعى الجمعية لاقامة المحاضرات والندوات التدريبية واصدار نشرات ودوريات تعني بشؤون الفن التشكيلي.
هذا بالاضافة الى دعم الأعضاء وتشجيعهم على اقامة معارض فنية خاصة بهم داخل السلطنة وخارجها ومساعدتهم للاشتراك في المعارض التي تقيمها الجمعية مع تقديم جوائز للمتفوقين فيها.
وتحرص ادارة الجمعية على دعوة الفنانين المتخرجين من الخارج لاقامة معارض فنية لهم بالسلطنة.
الحركة التشكيلية في سلطنة عمان بدأت بداية متواضعة بسبب وجود العديد من المصاعب التي ما لبثت أن تلاشت مع بزوغ فجر النهضة والتنمية في البلاد حيث تم إنشاء المراكز الثقافية والأندية والهيئات التي تدعم الشباب مادياً ومعنوياً.
وقد برز في الفترة الأولى للحركة التشكيلية العمانية عدد من الفنانين الذين قاموا بدور ريادي في التعريف بالجماليات البصرية وتأسيس اللبنة الأولى للحركة التشكيلية، ومن هذه النواة كان لا بد من ايجاد صيغة عملية جديدة تفجر طاقات وطموحات الشباب الفنانين الذين حملوا على عاتقهم تطوير الحركة التشكيلية بحيث تأخذ مساحة من الانتشار التأسيسي الصحيح، فتم إنشاء مرسم الشباب عام 1980م لتأهيل الفنان العماني.
ولقد ساعدت عوامل كثيرة في انتشار الحركة التشكيلية العمانية مواكبتها للتطلعات المستقبلية لأخذ دورها الحضاري والبنائي، مستفيدة من وجود بعض الفنانين الأجانب والمتذوقين الذين قدموا الى السلطنة كخبراء في العديد من المجالات مما خلق نوعاً من الاحتكاك والتلاحم في قراءة المحيط وإضفاء جو تسوده المحبة والاحترام والاستفادة من تجارب الآخرين كما كان للمدارس التربوية دوراً آخر في تعريف المواهب الشابة بمادة التربية الفنية ودعوتهم لممارسة الفن التشكيلي وإقامة المعارض المدرسية لهم، أضف على ذلك أن الموضوعات الحياتية اليومية التي كانت في متناول الفنان قد فتحت مساحة في جذب الجمهور نحو المعارض ومشاركته في دفع العجلة قدماً نحو الأمام.
ومع زيادة المعارض وإتاحة الفرص للفنانين التشكيليين بالتواجد والتواصل مع الآخرين، أصبح لتعددية الاتجاهات والدارس والأساليب حضور ودور في خلق الصورة لملامح البناء الجديدة للحركة التشكيلية العمانية، بعدما كانت الواقعية والتعبيرية هي المسيطرة على ذاكرة الفنان العماني.
وما نشهده اليوم من معارض ومشاركات فنية وجوائز يحصدها الفنان أو المصور وما تم تكوينه وبناؤه منذ المعرض الأول الذي أقيم في عام 1976م لهو إنجاز كبير سيحسب لصالح الفنان التشكيلي العماني آجلاً.
هذا وتقدم كلاً من وزارة التراث والثقافة والهيئة العامة لأنشطة الشباب الرياضية والثقافية والنادي الثقافي الى جانب الجمعية العمانية للفنون التشكيلية، دعماً مادياً ومعنوياً للحركة التشكيلية مع توفير المستلزمات الضرورية من الخامات والأدوات الفنية وإقامة المعارض والورش الفنية للفنانين داخل وخارج السلطنة.
وقد سجلت الجمعية العمانية للفنون التشكيلية حضوراً متميزاً واستطاعت عبر مشاركتها المختلفة في البيناليات والتريناليات والمعراض والملتقيات الفنية التشكيلية داخل وخارج السلطنة أن تؤكد على مدى ما وصل إليه الفنان التشكيلي العماني.
وأكدت السيدة نائلة العمري احدى الفنانات التي توفق بين العمل الفني والاداري في الجمعية بأن الجمعية تعمل بانتظام على رعاية الحركة التشكيلية والارتقاء بها والعمل على تنمية الوعي الفني التشكيلي بالمجتمع.
كما تقوم الجمعية بحماية الفن التشكيلي بالسلطنة واثرائه بالموجودات الحضارية النابعة من التراث العماني والعربي والقيم الفكرية والجمالية للمجتمع.
وتعتقد نائلة العمري بأن ابراز القيمة المعنوية للفنانين التشكيليين والمصورين في أعمالهم الابداعية والمحافظة على حقوقهم وتطوير انتاجهم الفني والسعي نحو تذليل أية صعوبة تواجههم على رأس قائمة الأولويات للجمعية.
وتحرص الجمعية على توثيق أواصر التعاون بين أعضاء الجمعية وأعضاء الجمعيات الأخرى العربية والأجنبية.
وفي مجال آخر سجلت الجمعية العمانية للفنون التشكيلية حضوراً مميزاً واستطاعت عبر مشاركتها المختلفة في البيناليات والمعارض والملتقيات الفنية التشكيلية داخل وخارج السلطنة أن تؤكد على مدى ما وصل إليه الفنان التشكيلي العماني.
ولعل الدورات المكثفة والمعارض المتوالية دليل على هذا الاهتمام وهذه الرعاية حيث حصل نادي التصوير الضوئي بالجمعية على الميدالية البرونزية في مسابقة الاتحاد الدولي للتصوير الضوئي "الفياب"، وهي المرة الأولى التي تحصل فيها دولة عربية على هذه الجائزة.
ومما تجدر الاشارة اليه أنه في اطار تحديد الملامح الخاصة للتجربة التشكيلية العمانية فقد برهن المعرض التاسع للفن التشكيلي بعطاءات واعدة وابداعات متجددة حول أهداف موزعة بين الوفاء والانتماء والذاكرة والهوية يتعامل معها الفنانون بالطرق الابداعية المختلفة اضافة الى التفكير المستمر لهذا الجيل الواعد للوصول الى التميز والتفرد.
ومثل ذلك المعرض السنوي ايقاعاً صريحاً لدراسة تطورات الحركة التشكيلية العمانية بما يقدمه من تجارب متنوعة للفنانين التي تعالج الموضوعات المتقاربة اضافة الى الأسماء الشابة التي يقدمها هذا المعرض سنوياً، ويتيح للفائزين بجوائزه الذهبية الارتقاء الى المعرض السنوي للفنون التشكيلية الذي يقام في شهر نوفمبر/تشرين الثاني من كل عام.
واستمراراً لروح العطاء والتألق في مجالات الابداع التشكيلي المختلفة، ونهوضاً بالمواهب المتميزة تتواصل الجمعية العمانية للفنون التشكيلية لابراز أعمال الفنانين التشكيليين العمانيين الشباب وتضع على مساحات الابداع اطاراً عاماً يحدد تفاعل الفنان المبدع مع ما يحيط به من أحداث وتطورات على الساحتين المحلية والعالمية.
وتقام المعارض العديدة في اطار السعي الدؤوب لرعاية مواهب الفنانين وابداعاتهم وجذبها الى ادراك وحدس واع لعبور الأمثل الى عالم لا متناهي من الجمال، وتوظيف كافة المفردات البصرية المحيطة بنا من واقع بيئتنا وتراثنا الفني في عملية مزج بين الماضي والحاضر.
وبعد مرور عشر سنوات على اشهار الجمعية نجدد التواصل الحميم بين الفنان والملتقى آخذين على عاتقنا تهيئة كافة الظروف للارتقاء بالحركة التشكيلية العمانية الى مستويات متقدمة من التميز.
إن احياء تلك المعارض وعقد الندوات الدراسية التي يشترك فيها الفنانون والنقاد والباحثون والاعلاميون تنصهر جميعاً في بوتقة الابداع الواعد كما وصفه يوسف بن مبارك الفوري رئيس قسم المعارض في الجمعية.
وقال "لا يزال التسابق الزمني بين جيل الفنانين محتدماً نحو تأسيس بلاغة متوسطية زاهية بألوانها قائمة على مفردات المكان وتراهن على الدعوة المفتوحة بأحقية التناول والتجديد من عام الى عام".
إن تلك المعارض تمثل إبداع واعد يحمل الكثير من هذه المفردات والتجارب الفنية ويقدم لنا خلاصات جديدة من مدارس تشكيلية مختلفة متماشية مع لغة العصر لتنقلنا من مرحلة التأمل الى مشروع فنان له رؤيته وخصوصيته وأفكاره الثابتة".
ويتضح للزائر أن الساحة الفنية والمشهد الفني في عُمان بخير حيث أن مصدر الالهام هو تاريخ عريق وطبيعة خلابة ونهضة فتية توعد بمستقبل مشرق مطرز أفقه بمواهب واعدة يتزامن فيها اللون الحالم والرؤيا الخلاقة والعمق، وعطر التاريخ وعطاء الحاضر الغزير عبر أنامل مرهفة الإحساس.
د.حسين شحادة: مسقط