الطيران العماني يعزز اسطوله بخمس طائرات امبرير
 سلطان عُمان يفتح أفقاً جديدا للمرأة في بلاده
 عُمان ترفع حجم إنفاقها للوفاء بمتطلبات التنمية
 عُمان ترسخ مفهوم الشراكة الديمقراطية بين مجالسها
 أجور النقل تعوق السوق الخليجية المفتوحة
 عُمان في عيدها الوطني: الإنسان أولا
 الخليج: الزلزال المالي مَر.. المشكلة في توابعه
 راسموسن: الأخطار نفسها أمام الناتو والخليج
 عُمان... دفء وسحر وكرم
 اقتصاد عمان يفوق معدل النمو بفضل تحسن أداء القطاعات

First Published 2009-10-15, Last Updated 2009-10-15 20:35:49


قلعة عصية على الغزاة

نزوى.. شقيقة الجبل الاخضر وحارسة النخيل

 
حيثما تجولت، تجد أمثلة حية على تمازج الاصالة بالحداثة والتنمية في العاصمة القديمة لعُمان.

ميدل ايست اونلاين
بقلم: د. حسين شحادة

على بعد مائة وسبعين كيلومترا شرقي مسقط تقع هذه المدينة الرائعة الخصبة والمخضرة، حيث التمازج الرائع والفريد بين البيئة الطبيعية والحداثة والتطور.

وتمتد هذه الواحة الضخمة من أشجار النخيل لمسافة ثمانية كيلومترات على طول مجرى واديين مما يضفي على المنطقة جمالاً أخاذاً جعل منها واحدة من أكثر المناطق التي تزخر بالمقومات السياحية في سلطنة عمان.

تعتبر نزوى من أكبر المدن العمانية، تحيط بها السلاسل الجبلية كالجبل الأخضر الذي يعتبر من أكثر الجبال شهرة على الاطلاق. وتعتبر نزوى من أقدم المناطق المأهولة بالسكان في سلطنة عمان، كما أنها كانت تمثل العاصمة القديمة للبلاد.

وتقع هذه المدينة في موقع وسط بين الطرق التجارية التي تربط بين كل من مسقط والبريمي ومحافظة ظفار.

وخلال القرن السادس والسابع الميلاديين عندما كانت نزوى عاصمة لسلطنة عمان كانت مركزاً مزدهراً بالعلوم والفنون. واليوم تعتبر هذه المدينة الجميلة مركزاً للحرف اليدوية، حيث ترتكز فيها العديد من الصناعات الحرفية التي تنتج في هذه الولاية بما في ذلك صناعة الخناجر العمانية التقليدية والتي يرتديها كثير من العمانيين خاصة في المناسبات الرسمية.

وأكثر ما يلفت النظر من المقومات السياحية المتوفرة في نزوى تلك المباني التاريخية، خاصة القلعة الضخمة التي تقف بشموخ في وسط مركز المدينة والتي بنيت في منتصف القرن السابع عشر من قبل الامام سلطان بن سيف اليعربي، أول إمام في حقبة اليعاربة. وقد تم بناء هذه القلعة خلال الفترة التي شهدت تطورات كبيرة في التقنيات القتالية مثل ادخال استخدام المدافع في الحروب.

تعتبر قلعة نزوى من المعالم الأثرية الوطنية المهمة التي يزورها الناس في سلطنة عمان. وتقف هذه القلعة كمعلم أثري يشهد على براعة فن العمارة العماني وتجسد البراعة الفائقة التي امتاز بها بناة القلعة منذ قرون مضت.

لقد امتد بناء هذه القلعة خلال واحد وعشرين عاماً، وخلال الثلاثمائة عام التالية كانت تمثل القصر والمركز الاداري لعدد من الأئمة اليعاربة والذين شهدت فترة حكمهم ثراءاً ثقافياً دينياً وتعليمياً مشهوداً، كما استخدمت كسجن أيضاً .

وظلت القلعة معقلاً حصيناً لا يمكن اختراقه في وجه الغزاة الذين حاولوا غزو نزوى والاستيلاء على ثرواتها الطبيعية والوافرة والسيطرة على هذا الموقع الاستراتيجي الذي يطل على الطرق الحيوية للقوافل التجارية. أما الجدران فقد كانت دائرية وقوية تم تصميمها لتقاوم القصف العنيف لنيران المدفعية.

ويقوم مدفعان بحراسة مدخل القلعة الذي يطل على شبكة من الغرف والممرات والردهات والمداخل والمصاطب والسلالم الضيقة.

ومن أكثر المميزات اللافتة لهذه القلعة البرج الدائري في وسطها وهو الأكبر في سلطنة عمان. ويرتكز البرج الذي تم تصميمه خصيصاً لعصر المدافع الجديدة على منصة بطول خمسين قدماً يرتفع عن بقية القلعة.

ويشتمل البناء الذي يبلغ قطره مائة وخمسون قدماً على شرفات وأبراج وممرات سرية وأبواب وهمية وآبار. وللوصول الى الأعلى يجب استخدام شبكة لولبية ضيقة من السلالم المغلقة بواسطة باب ثقيل من الخشب معزز بالحديد لمنع الأعداء من الوصول الى أعلى البرج.

أما الذين يحالفهم الحظ بالوصول الى الأعلى فكانوا يتعرضون للحرق بواسطة الزيت أو الماء المغليين اللذين يصبان عليهم من الشرفات التي تعلو مباشرة كل مجموعة من الأبواب. وفي حالة نفاذ الزيت والماء يتم استخدام شراب التمر الذي يرشح من أكياس التمر التي تم تخزينها في قبو خاص كبديل لهما.

تم بناء هذه القلعة التي صممت باستراتيجية عالية التقنية فوق نهر جوفي لضمان عدم حدوث أي نقص في إمداد المياه في حالات الاقامة الطويلة (الحصار على سبيل المثال). كما يوجد العديد من الآبار داخل القلعة لضمان توفير إمداد إضافي من المياه، وقباء لتخزين العتاد من الطعام والذخائر.

ويوجد حالياً على قمة القلعة أربعة مدافع من أصل اثنين وأربعين مدفعاً مع مجموعة من الذخائر المدفعية التي يعلوها الصدأ بحيث أصبحت غير واضحة المعالم. وتغطي هذه المدافع المساحة التي حولها من فتحات المدافع على مدى ثلاثمائة وستين درجة.

وتشتمل القلعة على أربعمائة وثمانين فتحة لاطلاق النيران من قبل مائتين وعشرة حراس مزودين بالبنادق. ويحيط بأعلى البرج سياج يستخدمه الحراس الذين يقومون بحراسة المدينة بيقظة تامة.

يحيط بالقلعة سوق تقليدي (سوق نزوى) يعج بالبضائع التقليدية المحلية والبضائع المستوردة. ويتمتع السوق بشهرة كبيرة لدى زوار مدينة نزوى ويحفل بتشكيلة واسعة من التذكارات والهدايا والأشياء الجميلة مثل الحلي النحاسية والفضية ودوارق القهوة والسيوف والمصنوعات الجلدية والأواني الفضية والأنتيكات والأواني المنزلية وغيرها.

وبالرغم من تناغمه مع التحديث والتطوير إلا أن السوق لا يزال متمسكاً بطابعه العربي العريق. وفي أيام الجمعة يتوافد الناس على هذا السوق من كل حدب وصوب في تلك الولاية لشراء وبيع وعرض مختلف أنواع البضائع والمنتجات وحتى الدواجن والمواشي تحت غطاء ظليل من أشجار النخيل.

ومن المميزات السياحية الأخرى الجديرة بالمشاهدة في نزوى فلج دارس الذي يعتبر من أكبر الأفلاج في سلطنة عمان الذي يمد كافة المناطق المحيطة بهذه المنطقة بالمياه الطبيعية والنقية كما يوفر الامداد الحيوي بالمياة لري أشجار النخيل.

ويعتبر مسجد السلطان قابوس في نزوى من أقدم المساجد في سلطنة عمان، ومثالاً حياً للحضارة العمانية وفن العمارة الاسلامية في هذه المدينة.

ستقودك الطرق المعبدة الى أي من المواقع السياحية المدهشة داخل أو حول نزوى. كما تتوفر وسائط المواصلات المختلفة من حافلات النقل وسيارات الأجرة. ويتم تنظيم الرحلات السياحية من قبل جهات سياحية متخصصة.

وعلى بعد بعض الكيلومترات من نزوى تقع مدينة بهلا، عاصمة سلطنة عمان في القرن الخامس عشر. وبهلا عبارة عن واحة وقلعة ضخمة يحيط بها حائط من القرميد بطول 21 كلم. وتعتبر هذه القلعة من أقدم القلاع في سلطنة عمان التي يعتقد بأن بناءها يعود الى ما قبل دخول الاسلام. وقد تم تصنيف هذا الموقع ضمن قائمة اليونسكو للمعالم الأثرية العالمية.

كما اشتهرت المدينة بصناعة الفخار والخزف والتي لا تزال تمارس فيها.

وعلى بعد مسافة قصيرة من بهلا وفي منتصف السهل يقع حصن جبرين. وقد تم بناء هذا الصرح الضخم ذي الثلاثة أدوار بواسطة بلعرب بن سلطان أحد الزعماء إبان فترة حكم اليعاربة والذي توفي في عام 1692.

ويعد هذا الحصن خير مثال على فن العمارة العماني والاسلامي ذي النقوش الجميلة من الخشب والشرفات الخشبية المقوسة ببراعة وشبك من الجص والأسقف المطلية على نسق السجاد الايراني، ولا يزال الحصن يضم قبر بانيه.

تشكل الجبال التي تحيط بمدينة نزوى من جبل الحجر الصخري الذي يرتفع 2000 متر عن المنطقة خلفية ساحرة لهذه المدينة. وتوجد في هذه البلاد شبكات من القنوات المائية والتي تشكل منظراً ساحراً في هذا الوادي الضيق المنحدر الأطراف. كما يعيش في هذه المنطقة أناس يسمون "الشواوين" وهم قبائل بدوية يتصفون بالقوة والصلابة ويحترفون الفلاحة لبعض المناطق الخصبة الى جانب الرعي.

ويمكن زيارة بعض الأماكن مثل الجبل الأخضر والمسفاة اللذين يعتبران من أكثر المناطق الجبلية جمالاً وسحراً في سلطنة عمان. وعلى قمة هذه الجبال يتنفس المرتحلون هواء نقياً وصحياً منعشاً وسط فن البناء الطبيعي الرائع من الحجارة.

وفي وادي نتوف تعتبر الشلالات الرائعة والجداول المائية دائمة الجريان في هذه المنطقة الجبلية الشاهقة منظراً رائعاً يسلب الألباب. إنه مكان مدهش يشعرك بالسعادة الغامرة إن سنحت لك الفرصة لزيارته أو قضاء اليوم فيه. وللوصول الى نتوف يمكنكم سلوك طريق بين بهلا ونزوى حيث تجدون قرية مسالمة ورائعة الجمال ونظام أفلاج متقن.

ومن الأماكن السياحية الأخرى الرائعة بين نزوى وبهلا قريتا الحمراء ومسفاة العبريين جهة الجبل.

في قرية الحمراء نجد منازل من الطين عمرها 400 عام والتي لا تزال قائمة ويسكنها الناس حتى يومنا الحاضر. وتعتبر زيارة سوق الحمراء القديم أمراً يجدر القيام به. كما تشاهد في الوادي القريب معالم أثرية منقوشة على الصخور والتي يعتقد بأن عمرها الزمني قد تجاوز الـ3000 عام. ولهواة استكشاف الكهوف فهناك كهف الهوتة الذي يوفر إثارة إستكشاف لا مثيل لها.

وتقع مسفاة العبريين داخل صدع عميق على جانب الجبل وهي عبارة عن منطقة زراعية يسكنها عدد من المزارعين والرعاة. من الصعب مشاهدة قرية مسفاة العبريين من واجهة الجرف التي هي منحوتة منه. وهي مغطاة بأشجار الليمون وبها بعض الشوارع والطرق الضيقة التي تقود الى منازل ذات مستويات مختلفة مثل الكهوف المنحوتة داخل الصخور مع سلالم لولبية تقود الى أعلى المنازل.

وإلى الغرب من الحمراء الطريق الذي يقود الى جبل شمس أعلى القمم الجبلية في سلطنة عمان الذي يبلغ ارتفاعه 3010 أمتار. هنا تجد وادي نخر الذي يعتبر واحدا من أكثر البيئات الطبيعية جمالاً في عمان، وداخل الوادي الضيق، يمكنك التفاوض ومساومة صانعي السجاد المحلي والذهاب الى منازل الجرف على طول حافة الوادي الضيق وزيارة باقي المدن التي كانت مأهولة فيما مضى. كما يعتبر جبل مشط بمثابة تحد كبير لهواة تسلق الجبال لاختبار مهاراتهم في التسلق.

وصف نزوى لا يكتمل دون التطرق الى التنوع المختلف لأنواع التمور التي تنمو في هذه الولاية المعطاءة. ومن بين 40 نوعاً مختلفاً فإن الخلاص والخنيزي من أكثر الأنواع شهرة وذلك لمذاقها الشهي ولنضارتها.

والخلاص بيضاوي الشكل ولونه أصفر فاتح وكلاهما غني بالعصارة وشهي. أما الخنيزي فلونه أحمر غامق وشهي سواء كان طازجاً أو نصف جاف. ويعتبران من المحاصيل المربحة في هذه الولاية ولذلك فهما الآن ينالان الرعاية والاهتمام. وتمثل أشجار الخلاص والخنيزي نصف إجمالي أشجار النخيل في هذه الولاية تقريبا.

نزوى مدينة غنية جداً بالأوابد التاريخية لكثرة ما تمتلك. ويمكن القول ان المدينة بأحيائها القديمة تمثل متحفاً ناطقاً بأصالة هذه المدينة العريقة وعمق جذورها في التراث العماني.

احتضنت نزوى الاحتفالات بالعيد الوطني الرابع والعشرين عام 1994 وذلك تكريماً لها واعتزازاً وتجديداً لدورها وإسهامها البارز في الحضارة العمانية وهو الدور الذي وصفه السلطان قابوس بأنه:

"لا يزال يتألق نوراً وضياء ورفعة وجلالاً. لقد كانت نزوى معقل القادة وموقع العلماء والفقهاء ومرتاد الشعراء والأدباء، فأعظم بها من مدينة في قلوب العمانيين".

د. حسين شحادة

مسقط
طباعة شاملةطباعة مبسطة


اعلى