الطيران العماني يعزز اسطوله بخمس طائرات امبرير
 سلطان عُمان يفتح أفقاً جديدا للمرأة في بلاده
 عُمان ترفع حجم إنفاقها للوفاء بمتطلبات التنمية
 عُمان ترسخ مفهوم الشراكة الديمقراطية بين مجالسها
 أجور النقل تعوق السوق الخليجية المفتوحة
 عُمان في عيدها الوطني: الإنسان أولا
 الخليج: الزلزال المالي مَر.. المشكلة في توابعه
 راسموسن: الأخطار نفسها أمام الناتو والخليج
 عُمان... دفء وسحر وكرم
 اقتصاد عمان يفوق معدل النمو بفضل تحسن أداء القطاعات

First Published 2009-10-27, Last Updated 2009-10-27 13:38:37


خصوصية عُمانية

عُمان: نصف رأيك مع أخيك، فاستشره

 
المكتسبات الديمقراطية تترسخ في عُمان وتنتقل بهدوء من مرحلة المنحة الى مرحلة الحق.

ميدل ايست اونلاين
بقلم: د. حسين شحادة

بالرغم من كل الظروف التي صاحبت انطلاق مسيرة النهضة العمانية الحديثة في عام 1970 وفي مقدمتها الحاجة الى اعداد المواطن والمجتمع العماني ليتمكن من مواكبة التطور المتسارع من حوله، ومن الاسهام المباشر والملموس في بناء حاضره ومستقبله، فإن مما له دلالة عميقة أن القائد حرص ومنذ البداية على الأخذ بيد المواطن وعلى غرس مبدأ مشاركة المواطنين مع الحكومة جنبا الى جنب و"كأعضاء الجسد الواحد" في العمل من أجل البناء والتنمية وذلك منذ الأيام الأولى لانطلاق المسيرة.

وبينما تحدث السلطان عن "تثبيت" حكم ديمقراطي عادل في البلاد في اطار واقع عمان العربي وحسب تقاليد وعادات المجتمع وذلك في العام الأول لمسيرة التنمية والبناء، فقد تعددت صيغ المشاركة وطورت مؤسسات الشورى العمانية في اطار تجربة عمانية خاصة في ميدان العمل الديمقراطي ومشاركة المواطنين في صنع القرارات الوطنية بعيدا عن اساليب القفز او حرق المراحل او استيراد تجارب الآخرين.

وانطلاقا من تقاليد عمانية راسخة وفي اطار ما يتميز به المجتمع العماني من ترابط وتماسك وتعاضد من ناحية، مع الأخذ بأفضل معطيات العصر وما تتطلبه مرحلة التقدم التي يمر بها المجتمع من ناحية ثانية، تطورت مؤسسات الشورى العمانية منذ انشاء المجلس الاستشاري للدولة في عام 1981، ثم انشاء مجلس الدولة ومجلس عمان في عام 1997 وفق ما نص عليه النظام الأساسي للدولة.

الشورى وبحسب ما عرفتها كتب اللغة هي: اسم بمعنى التشاور أو الاسم من أشار عليه، وقولهم "ترك عمر الخلافة شورى"، اي متشاوراً فيها. ومجلس الشورى هو المجلس المؤلف لاستماع الدعاوى حسب العرف أو للتداول في شؤون البلاد، والمشورة هي النصيحة.

وتستمد الممارسة قوتها من الأمر الالهي الوارد في الآية القرآنية رقم 159 من سورة آل عمران "فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر": أي الأمور التي تحتاج الى استشارة ونظر وفكر وبما يجلب المصالح الدينية والدنيوية، ففي الاستشارة فوائد جمة: تنوير للأفكار واطمئنان للنفوس وجبر للخواطر ونظر شامل لمصالح الأمة.

وكذلك من الوصف الالهي للمؤمنين في الآية القرآنية رقم 38 من سورة الشورى "وأمرهم شورى بينهم"، والتي أصبحت شعاراً لعدد من المؤسسات الشورية في البلاد الاسلامية، والمعنى المأخوذ من الآية يفيد بأنه لا يستبد أحد منهم برأيه في أي أمر من الأمور المشتركة بينهم أيا كان موقعه.

ويقوم منهج الشورى على مبدأ التشاور في الرأي بين أكبر قدر من المتخصصين وأصحاب الرأي والخبرة للخروج من ذلك التشاور برأي حصيف يخدم الموضوع المطروح ويعزز قيمته.

وتقوم ثقافة العرب في بيئاتهم المختلفة على التشاور في معظم الأمور وتبادل الرأي في المصالح العامة وحتى الخاصة منها، فقلما يتخذ الانسان العربي قراراً أو يبت في أمر دون أن يشاور فيه من يتوسم فيه الرأي والحنكة. فالمنهج الشوري راسخ في ثقافتهم وفي تراثهم وفي امثالهم، فالمثل العربي يقول "المشورة عين الهداية" و "رأيان خير من رأي واحد". ويقول الزمخشري: "نصف رأيك مع أخيك فاستشره".

وقد شكلت مجالس العرب التي لا تخلوا منها قبيلة من القبائل ولا مدينة من المدن الحضرية قاعدة للشورى، ففيها يلتقي أهل الرأي والاختصاص لبحث كافة المسائل والتشاور في القضايا ودراسة المواضيع المطروحة اخلاصا واجتهادا بإعمال الفكر وتبيان المصالح والأخذ بالرأي الأرجح الذي يحمل دلالات الخير. ففي تلك القاعدة كمال العقول وسداد الرأي وصلاح المجتمع بحسب ما تتضمنه الثقافة السائدة.

ولم يكن لزعيم قبيلة ولا سيد في كرسي الزعامة ولا لأمير المؤمنين في الحاضرة الاسلامية أن يبت في أمر أو يتخذ قرارا عاماً إلا ويعرضه قبل ذلك على مجلس شورى ينظر في شؤون المجتمع ويتناقش هموم الناس ومشاكلهم وفيه تتخذ القرارات المرتبطة بالحرب والمسائل المهمة، فهكذا كانت سيرة الرسول صلي الله عليه وسلم وخلفاؤه من بعده، فلم يكن يقدم على امر الا ويعرضه على اصحابه ويشاور فيه اهل الرأي والحكمة الا ان يكون ذلك الأمر قد حسم أمره إلهيا ولا مجال للتشاور والاجتهاد فيه، ففي الحديث "ما تشاور قوم إلا هداهم الله لأرشد أمرهم".

واستند مجلس "أهل الحل والحقد" في سلطاته التي اختلفت تعريفاتها ومفاهيمها ومصدر شرعيتها وتعددت اختصاصاتها في التاريخ الاسلامي الى مبادئ الشورى، ولا يختلف حال المجتمع العماني في ممارسة المنهج الشوري عن محيطه العربي، فقد كانت "السبلة" العمانية نموذجا مشرقا في تطبيق الشورى، حيث تمر عبرها معظم القرارات التي تهم المجتمع المحلي في مختلف القضايا التي ترتبط بالحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والتعليمية والتي تخضع للحوار وتعرض للرأي قبل ان تتخذ بشأنها القرارات المناسبة.

إن ما تقدم يتناغم مع ما صرح به السلطان قابوس بن سعيد بهذا الصدد في احدى دورات مجلس عمان حيث قال:

"استمدت مسيرة الشورى العمانية جوهرها من مرتكزات راسخة في عمق التاريخ العماني تتمثل في التراث والدين والقيم، في الوقت الذي نبعت فيه التجربة من صميم الواقع ومتطلبات الدولة العصرية لتأخذ بالمفيد مما توصلت إليه الحضارة الانسانية في مضمار مشاركة المواطن في الشأن العام وتقديم الرأي والمشورة للحكومة".

وقد أكد السلطان "نحن على يقين من أن ذلك النهج قد أرسى قاعدة قوية صلبة تقوى على تحمل مراحل التطور القادمة بإذن الله فكريا وعملياً. وتؤكد التجربة على اكتمال البناء التنظيمي لمؤسسات الشورى العمانية بما يكفل مشاركة فعالة في بناء الحاضر وصياغة الغد، كما تؤكد على خصوصيتها من حيث النظرية والتطبيق".

يقوم مفهوم الدولة الحديثة على مقاييس ومواصفات واسعة التطور والتقدم، لعل أهمها مبدأ المشاركة السياسية المبنية على تنمية سياسية شاملة وواعية ومدركة لابعاد الحق والواجب ومحيطة بسلامة العلاقة بين الأطر والكوادر الرسمية والمواطن. وحتى يتحقق ذلك من الضروري الأخذ بكل أسباب الانفتاح والتواصل وإحاطة قنواتها بكل الاهتمام والحرص والجدية.

لقد فهم السلطان قابوس كل ذلك وأدركه، ولكنها ولعل هذا ما يميزها عن الكثير من التجارب الراهنة أنها استطاعت أن تدرس الامكانات والمقدرات والمعطيات والواقع ثم زاوجت بينها وبين التحرك نحو الحداثة فجاء الأمر على نسق عماني خاص، ارتكز على الأمل في تحقيق الأهداف والتعاطي مع الحاضر والمستقبل بسلاسة ونجاح، ولكن دون انتزاع الذات من حقائق الدين والموروث وثوابت التاريخ ومحددات الجغرافيا والاقتصاد ودون الابتعاد – بحجة التطوير – عن التقاليد والعادات والأعراف الاجتماعية والفكرية السليمة.

ولعل التجربة التي تعيشها السلطنة تمثل انموذجا يكاد يكون منفرداً، حيث استطاعت أن تؤدي المطلوب والمرتجى من خلال سياقات ونماذج وحدود ملآت الدولة بالمفاهيم والمظاهر والممارسات الحديثة القائمة على الايمان بأن لكل مجتمع مواصفاته وشخصيته وثقافته والتي بدورها تضع الدولة على مسارات معينة ومحدودة، أقامت أسسا لبناء دولة عصرية تقوم على مفاهيم المشاركة الفعلية بن السلطة والمواطن منطلقة من احترام قيم العدالة والمساواة ومن الرضى والتراضي والاطمئنان.

وقد توج ذلك بتثبيت مبدأ الشورى وبانتقاله من مرحلة المنحة الى مرحلة الحق بضمانة النظام الأساسي للدولة.

وحتى يتحقق ذلك اعتمدت القيادة أسلوب التوازن بين الامكانات والطموح بشكل واع وبقراءة هادئة ومعمقة لكل ما يدور ويحدث محلياً وإقليميا ودولياً. وبالتالي فإنها سبرت واحترمت كل حقائق التطور والنماء بمستلزماتها واستحقاقاتها.

لذا فقد تبلورت رؤية شديدة الوضوح فيما يتصل ببناء الدولة الحديثة وفق خطة متكاملة توفر للشعب الحياة الكريمة ومعتمدة في الوقت نفسه على سياسة المراحل واعطاء كل مرحلة حقها من الدراسة واتمامها على خير وجه ثم الانتقال الى المرحلة التالية.

وفي ظل الحكم الذي يسوس الحياة العامة في السلطنة نرى محاولة جادة وناجحة في تثبيت حكم ديمقراطي عادل رغم تعدد المكونات الاجتماعية والفكرية. أي أن العمانيون قد تجاوزوا توزيع قيم السلطة على الطريقة التقليدية.

لذا فقد احتلت الشورى باستيعاباتها الديمقراطية جزءاً كبيراً من توجهات الدولة بقيادة قابوس الذي بنى قنوات اتصال سجلت تميزا غير مسبوق على مستوى المنطقة وأجزاء كثيرة من العالم.

ولعل المثل الأوضح هو ما يقوم به السلطان من جولات سنوية تكاد تغطي كل أرجاء السلطنة، وعبرها يلتقي بكل قطاعات المجتمع غير الرسمية اذ أنه ينشىء اتصالا مباشراً مع المواطن العادي، الأمر الذي يشكل نوعا من أنواع البرلمان المفتوح وهي صيغة فيها مكونات واسعة من مكونات الديمقراطية المباشرة.

هذا على مستوى السلطان شخصيا أما على مستوى اقامة المؤسسات الشورية فقد حرص قابوس على اقامة هذه المؤسسات ضمن مراحل تستكمل الواحدة تلو الأخرى، مع التنبه الواعي والادراك العميقين بأن القوانين يجب أن تتسم بالعقلانية وألا تصدر عن العاطفة غير المنضبطة.

وهذا ما قاد أعضاء مجلس الدولة وأعضاء مجلس الشورى الى الحرص على تحاشي التسرع أو الاندفاع وسوء التقدير وهم بصدد قيامهم بوظيفتهم، إذ أن المطلوب منهم التفكير السديد والرؤية الثاقبة والقراءة المعمقة والابتعاد عن الجدل في شتى مراحل العمل في المجلسين، هذا من جهة ومن جهة أخرى بما أن القوانين والقرارات تسري على أفراد الشعب فلا بد وأن يشاركوا بصورة أو بأخرى وبمختلف أطيافهم في صياغتها، حتى تجيء القوانين تعبيرا صادقاً عنهم.

إن وظيفة الدولة الحديثة تقتضي تحقيق قدر كبير من التوافق والانسجام بين أجزائها ابتداء من تكوين المؤسسات مروراً بتنظيم صلاحيات هذه المؤسسات وانتهاء بالمخرجات الى أهدافها النهائية والمخطط لها والمرجوة في الوقت نفسه.

وهنا لا بد من الاشارة الى المفاهيم السياسية الحديثة والمدارس الفكرية المعاصرة التي ترى أنه كلما ارتفع مستوى المشاركة الشعبية في القرارات العامة للدولة قرب النظام السياسي من الديمقراطية التي أصبحت تنشدها كل المجتمعات والدول والشعوب. وهذا ما ركزت عليه السياسة العامة للسلطنة منذ تولي قابوس مقاليد الحكم في البلاد، حيث تجسد ذلك أول ما تجسد في انشاء المجلس الاستشاري للدولة عام 1981 عقبه بعشرة أعوام مجلس الشورى وما رافق ذلك من خطط تنموية طويلة الأجل ثم اصدار النظام الأساسي للدولة في نوفمبر عام 1996 الذي تميز بتوسع المشاركة السياسية لكل مكونات المجتمع.

وهكذا فقد أجادت القيادة فهم الديمقراطية الحديثة بل وقد ذهبت في فهمها وممارستها أشواطاً أكثر في العديد من الممارسات والاجتهادات. فلقد شكل البرلمان المفتوح الذي عمل به السلطان منذ توليه مقاليد الحكم في البلاد صورة متقدمة لمعنى التواصل بين السلطة والمواطنين، وبذلك بدلاً من أن يذهب المواطن الى ولي الأمر فإن القيادة نفسها هي التي ذهبت في اتجاهه، وانتقلت من مكاتب الادارة القائمة على الأساليب التقليدية الى الادارة القائمة على أرض الواقع.

إن اهتمام السلطان الدائم ومتابعته لنمو وازدهار الديمقراطية في بلاده هما على قائمة اولوياته حين يقول:

"تابعنا بكل اهتمام هذه المسيرة المباركة وراقبنا تطوراتها بكل عناية ونحن ننظر بارتياح للكيفية التي تتقدم بها هذه التجربة على درب النمو المتلاحق الذي يقوي بنيانها ويدعم اركانها ويوطد قواعدها ويثبت القيم والمبادئ التي انشئت من اجلها وايمانا منا بما تشهده السلطنة ولله الحمد من تطور مستمر في شتى المجالات ومواكبة مدروسة لمعطيات العصر واستشراف دائم لافاق المستقبل فاننا نتطلع الى ان يقوم مجلس عمان بشكل عام ومجلس الشورى على وجه الخصوص بمهام ومسوؤليات اكثر شمولا في مجالات التنمية الاقتصادية والاجتماعية املين ان تكون الخبرات المكتسبة دافعا لتقديم المزيد من العطاء المفيد البناء خدمة لهذا الوطن العزيز الذي يبني بكل عزم وثبات حاضره ويتطلع الى مستقبله في ضوء متطلبات عصره المتنامية وثوابته الراسخة. ومن هذا المنطلق سوف نحث حكومتنا على رفع مستوى التواصل وتكثيفه مع مجلس عمان بما يمكنه من القيام بواجباته واداء مهامه على افضل وجه."

يقوم مفهوم "الدولة" الحديثة على مقاييس ومواصفات واسعة التطور والتقدم، لعل أهمها مبدأ المشاركة السياسية المبنية على تنمية سياسية شاملة وواعية ومدركة لأبعاد الحق والواجب، ومحيطة بسلامة العلاقة بين الأطر والكوادر الرسمية وبين المواطن. وحتى يتحقق ذلك من الضروري الأخذ بكل أسباب الانفتاح والتواصل واحاطة قنواتها بكل الاهتمام والحرص والجدية.

د. حسين شحادة

مسقط
طباعة شاملةطباعة مبسطة


اعلى