شيء لا مثيل له هذا الذي جرى ويجري في العراق.
غرائب هذا الشيء وعجائبه أكثر من أن تُحصى، يُغلف هذه العجائب والغرائب شيء يحتاج إلى فتح صفحات جديدة في علم السياسة لإدرك كنهه والإحاطة به، يسمونه العملية السياسية. هذا الشيء المُستحدث في عالم السياسة، والذي جلبه لنا طيب الذكر، المصلح الكبير السيد "بريمر" تم تقسيم العراقيين بموجبه، لا على أساس موقفهم من الإحتلال، أي من هو مع الإحتلال ومن هو ضده، وهو التقسيم الحقيقي والواقعي والجدير بالإعتبار في أي بلد يقع تحت الإحتلال، وإنما على اساس مُفبرك ومُختلق، هلامي ووهمي، مُستحدث و لا قيمة عملية له ولا ينطوي على أي معنى جوهري، تتلخص مهمة هذا الشيء المُسمى بالعملية السياسية بتقسيم العراقيين إلى فئتين، من هم مع العملية السياسية، ومن هم ضدها!
من هم مع العملية السياسية هم أولئك "المناضلون!" الذين جاءوا مع الركب المُحرر، على ظهور الدبابات أو على ظهور ذوات الأجنحة، وربما - فمن يدري- زحفاً على البطون، كما أدعى بعضهم تعبيراً عن تقديسه لتربة العراق المُحررة، أو الذين إلتحقوا بها فيما بعد و بعد أن تبين لهم الغي من الرشد، والخيط الأبيض من الأسود، هؤلاء لا شك عندهم أن ما جرى في التاسع من نيسان عام 2003 ليس إحتلالاً وإنما تحريراً، والعملية السياسية - أعاذك الله من شرورها- تُبني على هذه المُسلمة، فمن يدخلها عليه الإقرار بها دونما لبس والتأقلم معها كلياً.
وإذ تسقط مفردة الإحتلال، فإن مفردة المقاومة ستكون عملاً منافياً للتحرير ومناقضاً له، فلكي تقاوم ينبغي أن يكون بلدك محتلاً، والعراق والحمد لله "مُحرر"، تحريراً ناجزاً، تاماً وكاملاً، لذا فإن العمل المسلح في بلد حر ومستقل وسيد كعراق التاسع من نيسان، لا يعد مقاومة، وهو لن يكون في أحسن الأحوال سوى "إرهاب!" يُسلط على الشعب المُحرر السعيد بتحريره وبمحرريه.
العراق الذي أضحى بعد تحريره كامل السيادة، ديمقراطي، برلماني، شفاف، يؤمن بالتداول السلمي للسلطة، وتتميز حكومته والمسؤولين فيه بكونهم إنموذج القدرة والكفاءة والنزاهة والورع وعفة النفس، بحيث أرتضوا وفي أي موقع كان، صَغُر أم كبُر، بأقل القليل، فنائبنا لا يحصل سوى أقل مما يحصل عليه النائب في بنغلادش، والوزير يتقاضى- شأنه شأن الفقراء من الناس- المقسوم له من الحصة التموينية، وإلا لجاع هو وأسرته، إذ ليس بمكنة راتبه التافه توفير متطلبات الحياة اليومية لعائلة متواضعة المتطلبات، والسيد دولة رئيس الوزراء، وكذا فخامة الرئيس يتجولون راجلين بين أبناء الشعب، دون كبكة ولا أزلام ولا حتى "حرس شخصي". لقد عدلوا فأمنوا.
وتكريساً لمبدا القيادة الجماعية، فالعملية السياسية أفرزت واقعاً تجاوز وتخطى كل التطورات في النظم السياسية الأخرى، فعبثا تبحث عمن يحكم البلد، فالبلد يحكمه جميع فرسان العملية السياسية، وهو بعين الوقت غير محكوم من أحد!
وعبثاً البحث عن المسؤول، فالكل مسؤول في البلد، ولا أحد مسؤول على وجه التحديد عما جرى ويجري في البلد!
قادتنا "الجددط جميعهم ضد الفساد، ويزعمون أنهم يعملون على القضاء عليه، ونسبة الفساد في البلد تتجاوز التسعين بالمائة، بحيث لا توجد دائرة مهما صغرت من دون أن يكون الفساد قد فقّس وعشش فيها، ولكن كل قادة الكتل والأحزاب، وكل المنبرين للعملية السياسية، ومن دونما إستثناء هم "عنوان للنزاهة والأمانة وأضف الإستقامة إن رغبت". لذا فليس عبثاً أن يكون المتهم بالفساد والإفساد ليس حكومة دولة القانون، ولا أحزاب وتنظيمات العملية السياسية، وإنما أعداء العملية السياسية، أولئك الذين يتربصون بها ويسعون لإعادة عقارب الساعة إلى الوراء، وفي مقدمة هؤلاء رجال المقاومة ومناصريهم.
ولأن العراق ليس كباقي الدول، لأن قدره أن يكون الإنموذج في المنطقة، فقد إختط عن دراية وتبصر نهج تفكيك الدولة، فليس في العراق الجديد دولة، بل مشاريع دويلات، وليس في العراق حكومة، بل مشاريع حكومات، وليس في العرق جيش بل جيوش تحت الإعداد، وليس في العراق شرطة بل عدد غير محدود من التشكيلات المسلحة والمليشيات، طائفية وحزبية، ومناطقية وعشائرية، وليس في العراق قانون موحد ومُلزم، بل عدة قوانين، منها ما هو مُشرّع، ومنها ما هو في طور التشريع، ومنها ما هو مجرد عرف وأعراف. هناك قانون يقولون هو في طورالظهور "القانون الإتحادي" وهناك قانون الفيدرالية في كردستان، وهناك قوانين حكومات المحافظات، وهناك القوانين العشائرية، وهناك القوانين الطائفية، وقوانين الأحزاب والكتل.
العراق الجديد يعيش وبفضل محرريه ما بعد مرحلة الأوطان، وما بعد مرحلة الدول، وما بعد مرحلة الحكومات، حتى أن مفردة شعب العراق باتت تحتاج إلى توضيح، فليس ثمة شعب اسمه الشعب العراقي، وإنما هناك شعوب كثيرة، مختلفة ومتنوعة، لا يجمعها جامع، ولا تتفق على شيء، تعيش في هذه البقعة الجغرافية "بلاد ما بين النهرين".
إذن لا وطن بل أوطان، لا دولة بل دول، لا حكومة بل حكومات، وأخيراً لا شعب بل شعوب. أليس هذا شيء جديد، كلي الجدّة، و لا مثيل له؟
صباح علي الشاهر