أصبح من الواضح أن تخبط المسئولون في إدارة أوباما بشأن المأزق الأفغاني لا يخفى على أحد، وإن المستنقع الذي أوقع بوش فيه الأميركان لن يخرجوا منه بسهولة، فقد دخلت أميركا الحرب في أفغانستان، وهي تظن أنها قادرة على أن تحسم الأمر بالقوة العسكرية وبسرعة. ولكن الآن وقد مرت ثمانية أعوام على الحرب العشوائية على طالبان، وعلى القرى الأفغانية الفقيرة والمعدمة، ومازال كل شيء يبدو وكأن الحرب لا تزال فى المربع الأول.
إن التقرير المزور الذي بثته المخابرات الأميركية بأن أعداد مقاتلي طالبان قد تضاعف عددها، الى أكثر من 25 ألف مقاتل، بعد أن كانوا سبعة آلاف فقط في العام 2006، لهو ينم عن إستخفاف فاضح من قبل الإدارة الأميركية بعقليه الشعوب العربية والإسلامية. فأي إحصاء استندت إليه أميركا، هل ذهبت الى طالبان في الجبال والكهوف وقامت بعمل إحصاء، أم أنها أحصت الأعداد المفقودة من البشتون، واعتبرت ان المفقود انضم الى طالبان.
ان التقرير كشف عن هزيمة النمر الاميركي ومعه أذنابه من حلف الناتو، وهم يبحثون عن تبرير الفشل فاخترعوا كدبة جديدة لكي يخدعوا شعوبهم بانهم مازالوا هم الأقوى في العالم.
أما التخبط الواضح والأراء المتصارعة داخل الإدارة الأميركية فلا تحتاج الى دليل، ففي حين يقترح الجنرال ستانلي مكريستال قائد القوات الأميركية وقوات حلف شمال الأطلسي في أفغانستان إرسال أربعين ألف جندي إضافي خلال العام المقبل، ويحذر من هزيمة محققة إذا لم يتم إرسال الجنود، يدعو جوزيف بايدن نائب الرئيس الأميركي إلى عدم إرسال مزيد من الجنود، والاقتصار على استهداف وضرب القاعدة في باكستان لإنهاء الحرب لصالح أميركا بأقل الخسائر على حد تقديره. فيما ترى وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون أن واشنطن الآن تدرس خيار التحدث إلى عناصر من طالبان.
وأما الرئيس أوباما ومعه وزير دفاعه روبرت غيتس فيميلان إلى رأي بعض المستشارين في البيت الأبيض الذي بات يعرف بخيار "باكستان أولاً"، حيث يعتمد هذا الخيار على توظيف الجيش الباكستاني في حراسة الحدود مع أفغانستان، وقيامه بالاستمرار في حرب طالبان باكستان في المناطق الحدودية لضبط الحدود ومنع التهريب بشكل كامل. ويبرر المستشارون رأيهم هذا بقولهم: إن هناك فرقاً بين طالبان أفغانستان وبين تنظيم القاعدة من جهة أخرى، فهم يرون أن تنظيم القاعدة له أيديولوجية عالمية بينما طالبان أفغانستان هي جماعة من البشتون تريد السيطرة على البلاد استناداً إلى منظور إسلامي.
ويعزز هذا التوجه لدى الإدارة أمران:
الأول: ما أعلنته حركة طالبان في رسالة بعثت بها إلى الدول الغربية عبر مواقعها على شبكة الانترنت يوم الأربعاء الماضي من "أنها لا تنوي القيام بأعمال حربية ضد الغرب خارج الأراضي الأفغانية، وأن هدفها هو الحصول على الاستقلال وإقامة نظام إسلامي في أفغانستان".
والثاني: أن أميركا في الأيام القلائل الأخيرة رصدت مليارات الدولارات لدعم باكستان من أجل قيامها بمهمة حفظ الحدود وملاحقة طالبان والقاعدة على الأراضي الباكستانية بالتنسيق الكامل مع القوات الأميركية وهو الأمر الذي أوجد نوعاً من الامتعاض لدى قادة الجيش الباكستاني.
ويبدو أن إدارة أوباما تُريد الاستفادة من القدرات والإمكانات المتوفرة لدى إيران وروسيا والدول الأوروبية لمساعدة أميركا في حربها الخاسرة في أفغانستان من أجل الخروج من المستنقع الأفغاني بأقل قدر من الخسائر.
محمود طرشوبي