منذ ان انهارت تجربة الوحدة بين سوريا ومصر توقف سياق تاريخي وبدأ سياق آخر، ترسخت الدولة القطرية في الواقع كأمر مفروض. ولقد كان منتظرا ان تستفيد من حالة الأمر الواقع لتبني شرعيتها عبر تأمين حماية حدودها، وعبر نهوض اقتصادي واصلاح سياسي وتوفير حد ادنى من العدالة الاجتماعية او الحماية للطبقات الاجتماعية المتوسطة والأكثر فقرا، لكن ما حدث بالفعل أن الدولة القطرية بذلت جهدا متواضعا من أجل تحقيق ما سبق.
في المقابل سرعان ما بدأ سياق آخر تمثل في ارتداد تلك الدولة وانكماشها نحو السلطة لدرجة يمكن معها القول ان الدولة قد ذابت في السلطة، مستعيدة في ذلك تاريخا مغرقا في القدم، يمتد الى ما قبل المرحلة العثمانية. وللانصاف فان الدولة العثمانية تميزت ببناء مؤسسات ذات طابع مستقل مثل مؤسسة القضاء، (يمكن العودة الى بحثنا حول القضاء في بلاد الشام في القرن السادس عشر)، كما تميزت باضطلاعها - بكفاءة مشهودة- بمهمة مواجهة النزعات الغربية لاعادة احتلال المشرق العربي ووضعت أوروبا في مركز الدفاع طيلة قرون طويلة، وليس من الصدف ان لا يتمكن الغرب من احتلال المشرق العربي وتقسيمه وخلق اسرائيل سوى بعد تفكيك الدولة العثمانية.
بالمقارنة فشلت الدولة القطرية في حماية حدودها، وفشلت في مواجهة مشاريع الهيمنة الخارجية، ومن فشل الى فشل بدأت انجازاتها الأولى المحدودة في الاصلاح الاقتصادي والاجتماعي تنتكس بفعل قدرة نظام العولمة على اختراقها وتفكيكها واحدة بعد الأخرى.
ثمة علاقة جدلية بين الفشل الوظيفي للدولة القطرية وبين تفكك بنيتها الداخلية وانفراط مؤسساتها وذوبانها في السلطة، لكن المحصلة واحدة وهي اننا نشهد بالفعل حالة تلاش لبنية الدولة القطرية كدولة، واذا كانت السلطة تبدو سعيدة بهذا الانحلال فان المجتمع يبدو على شفا الانهيار.
لنتأمل قليلا في حالة اليمن. فبعد عقود من الوحدة التي تمتلك اقوى المبررات التاريخية والجغرافية، نصحو فجأة على مؤشرات جدية تنبىء بأن تجربة الوحدة ليست بخير، واذا استمرت الأوضاع على ماهي عليه دون اصلاحات حقيقية وعميقة لا يبدو ان "الدولة اليمنية" مستعدة لها او قادرة عليها، فالأرجح ان سياق التفكك لن يتوقف بل سيتجذر بغض النظر عن مدى الاحباط الذي يتركه في قلب كل عربي، الحالة مشابهة في السودان، ولبنان، والعراق، والدول الأخرى ليست بعيدة عن ذلك السياق، حتى المجتمع الفلسطيني الصغير الذي يعاني الاحتلال استجاب للسياق ذاته وبدأ تفككه ضمن شروطه الخاصة الأكثر ايلاما.
للوهلة الأولى تظهر السلطة في ابتلاعها الدولة كحامية لها ومدافعة عنها، تماما مثلما يقوم طرف باقراض بنك لحمايته من الافلاس، لكن النظرة الأكثر عمقا تظهر ان السلطة في ابتلاعها الدولة قد جردت المجتمع من عوامل المناعة الذاتية، ووضعت الأساس لتفككه في انتظار أية هزة مفاجئة.
المسألة التي تستحق الاهتمام كون ذلك السياق ينطبق بدرجات متفاوتة وعبر شروط خاصة بكل بلد على المنطقة العربية برمتها، وذلك ليس وهما وحدويا بقدر ما هو واقع مأساوي، وتؤشر تلك الحقيقة الى ان بلوغ ذلك السياق نهايته وانعكاس اتجاهه (ان كان ذلك ممكنا ولا أحد يعرف تماما) سوف يجري ايضا على نطاق المنطقة العربية برمتها عبر شروط خاصة لكل بلد، لكننا على الأرجح مازلنا بعيدين كل البعد عن وصول قاع ذلك السياق المأساوي، فالانحدار يمتد ويتجذر، وتفكك الدولة القطرية يصحبه تفكك المجتمع أيضا.
وضمن شروط كهذه فان القوى المتبقية في مواجهة التفكك تبدو وكأنها تتآكل يوما بعد يوم.
ولكي تكون النظرة السابقة أكثر توازنا ينبغي ادخال فعل العولمة في اللوحة العامة بصورة أكثر تحديدا، فالعولمة بوصفها نظاما اقتصاديا- سياسيا عالميا تمتلك معول هدم يهوي فوق البنية الداخلية للدولة القطرية المهترئة تاريخيا فيزيد من انهيارها ويسرع ذلك الانهيار، واذا أمعنا النظر في مواقف الولايات المتحدة نجدها تكاد تتطابق مع دعم التفكك العربي في كل مكان، ولعل المثال الأكثر بروزا وحدة يتمثل في موقفها من وحدة العراق - أهي مصادفة ان يعين الرئيس الجديد للولايات المتحدة "المنقذ المنتظر" نائبه جوزيف بايدن الذي يدعو صراحة لتفكيك العراق؟
الولايات المتحدة مع انفصال جنوب السودان بوضوح وهي تدعم الحركات الانفصالية في دارفور، وهي مرتاحة للانقسام الفلسطيني، ويتأخر اعلان دعمها لانفصال جنوب اليمن فقط بسبب العلاقة الوطيدة التي تربطها بالنظام اليمني، وربما يتم ذلك الدعم حاليا بواسطة أطراف اوربية، وفي لبنان تقف الولايات المتحدة صراحة مع أحد طرفي الصراع السياسي معمقة في ذلك عوامل الانقسام، بينما يهدد أصدقاؤها التقليديون في الجانب الآخر بالفدرالية في كل مناسبة.
تمثل مدرسة المحافظين الجدد النزعة التي تؤمن باستخدام القوة العسكرية بصورة رئيسة لهدم العوائق امام نظام العولمة وقد ترافقت تلك الفكرة مع تعميم الهيمنة الأمريكية على العالم، واذا كانت نزعة استخدام القوة العسكرية على نحو مفرط قد اصيبت بانتكاسة قوية في العراق وافغانستان الا ان من المناسب ان نتذكر ان تلك النكسة لاتمثل هزيمة حاسمة لنظام العولمة بمقدار ما تمثل مناسبة لاعادة النظر في حجم استخدام القوة ونطاق ذلك الاستخدام وكذلك فرصة لهضم الفرائس التي تم سحقها في الحروب الأخيرة، لذا فمن المتوقع أن يتم استبدال التدخل العسكري الفظ بحزمة متناسقة من التدخلات الاقتصادية والديبلوماسية وأعمال التآمر التي تضطلع بها أجهزة فائقة الضخامة والقدرة كل ذلك لاستكمال الأهداف التي شنت الحروب من أجلها والتي لاتخرج عن نطاق الهيمنة وتمهيد الطريق امام العولمة الحالية بوصفها نظاما اقتصاديا – سياسيا عالميا وليس بوصفها عصرا لامتزاج الثقافات والتواصل كما يجري الترويج لها في اوساط النخب الثقافية في منطقتنا.
في حين يبدو ان سياق التفكك يجتاح المنطقة العربية كوباء لا طريقة لرده، فان هذا السياق ذاته يطرح في داخله ليس فقط عوامل مقاومته ولكن ايضا عوامل نهوض عربي شامل، وتبدو اشارات ذلك النهوض في تمكن المقاومات في العراق وفلسطين ولبنان من عرقلة مشروع الهيمنة بطريقة لم تكن متوقعة على الاطلاق، واذا ما ظهرت اليوم تلك المقاومات معزولة ومنكفئة فحسبها انها أوصلت مشروع المحافظين الجدد الى الحائط المسدود، والأمة التي أنجبتها قادرة على انجاب مقاومات أخرى أوسع وأكثر فاعلية، ضمن شروط لعلها تكون أقل قسوة مما عهدته المنطقة العربية خلال العقد الأخير.
لكن مايزداد وضوحا يوما بعد يوم أنه بدون عودة الروح للحياة السياسية ضمن كل قطر عربي، وتعميم الحريات، لا امل يرتجى في وقف التدهور ولا في النهوض ولا في استعادة دور المقاومات العربية المعزولة المنكفئة.
معقل زهور عدي