منذ أن زعم الحاكم أنه "ظل الله في الأرض" وصورة الحاكم تُغلف بكم هائل من الدجل والأكاذيب.
الغريب أن الحاكم ليس هو من يصنع صورته الخرافية، وإنما أولئك الذين يزعمون أنهم النخب في كل عصر، والأشد غرابة أن هؤلاء الذين يصنعون الخرافة يكونون دائماً أول ضحاياها.
كلما تعملق الحاكم تقزمت الرعية، التي ستتحوّل إلى رعاع وعوّام بمقابل الخواص والسادة.
الغريب أيضاً أن الرعاع أو العوام هم الذين يخلقون الخيرات المادية. يشيدون الصروح، ويجترحون العمل المبدع، في حين يستثمر الذين لن يكونوا في أحسن الأحوال سوى تنابلة بدءاً بالسلطان وحاشيته، وصولاً إلى من نسميهم خواص أو سادة جهد الذين يعملون ويكدحون.
لأن المعادلة كانت مخطوءة فقد غربت شمسنا. لا بد من تصحيح المعادلة. لم يعد من المقبول عملقة الحاكم وتقزيم المحكوم، تأليه الحاكم وتحقير الرعيّة، مثل هكذا معادلة سوف لا ولن تؤدي إلى عدل، أو مساواة. لن تؤدي إلى مجتمع سليم مؤهل للرقي والنهوض، بل ستعمق وعلى نحو متصاعد الظلم والبطش والإستبداد. أي تجعل من حلم النهضة ليس حلماً بعيد المنال، بل حلماً مستحيلاً.
أتذكر أننا عندما كنا تلاميذ في مرحلة الإبتدائية، كنا نُجبر في كل صباح على إنشاد نشيد "مليكنا مليكنا نفديك بالأرواح".. لماذا علينا أن نفدي الملك بأرواحنا؟! وكنا إذا ما نظرنا صورة الملك قرأنا "المُعظم والمُفدى".. الله عظيم أما الملك فمُعظم، من صاغ هذه التعابير؟!
عندما ثار الجيش في العراق على نظام المُعظّم والمُفدى سُحل المُفدى والمُعّظم في شوارع بغداد، ثم أسقطت الثورة الألقاب العثمانية والألقاب التي صاغتها سلطة الإنتداب. مقابل هذا لقب قائد الثورة نفسه بلقب "ابن الشعب البار".
فرح الشعبويون بهذا اللقب، وعدوه منتهى التواضع، ولكن عبد الكريم كان ابناً لفرد من أفراد الشعب العراقي إسمه قاسم، وليس إبناً لثمانية ملايين عراقي وعراقية، وعلى الآخرين تقدير هل كان هذا الأمر ينم عن تواضع أم تعملق وإن كان خجولاً؟
فيما بعد أضاف المهرجون والمُبخرون لقبا آخر لقائد الثورة، ألا وهو "الزعيم الأوحد"، وكان هذا اسوء لقب يمكن أن يُطلق على زعيم شعبي يشهد له الأقربون والأبعدون بالبساطة والتواضع.
كيف يمكن لشخص أن يكون زعيماً أوحداً؟!
لكل حزب زعيم، لكل عشيرة زعيم، و لكل عصابة زعيم.. لا يخلو مجال ونشاط إنساني من وجود زعيم أو قائد، حتى في البيت هناك من هو ربه أي زعيمه، فكيف لشخص كائن ما كانت قدراته أن يكون زعيماً أوحداً.
ثم يمضي بنا الزمن إنحداراً نحو القاع، فيطلق - ربما نفس المتملقون - أو من هم من جنسهم، على رئيس البلاد لقب "الأب القائد".
الرئيس هذه المرّة ليس إبناً بل أباً، ومعروف الفرق بين الأب والإبن، فالإبن يُطيع، والأب يُطاع. الإبن يُقاد والأب يقود. لقد أصبح الرئيس أبانا جميعاً نحن العراقيين، وطبيعي أن من يعصي الأب ليس إلا عاقاً. لكن الرئيس لم يكتف بالصفة البايلوجية فقط، ومستوجبات هذه الصفة بل إضاف لها "القائد"، والقائد ليس كالأب. الأب يحنو، ويضعف، يلين ويسامح، يغضب لكنه لا يقسو في غضبه أما القائد فهو قاس، حازم وصارم، وكما يقولون لا تأخذه بالبطش لومة لائم!
ومثلما الأب القائد ليس أبونا نحن العراقيين. لم ينجبنا، لكنه أنجب أبناءه الذين ما عادوا مثلنا، لأنهم ما عادوا يعيشون مثلما نعيش، فنحن أيضاً لم نختره قائداً لنا. لقد فرض نفسه علينا عبر الدبابة، ثم أعلن نفسه قائداً لنا. أصبح الراعي ونحن الرعية لا بدالة شيء سوى أنه رفع الغدارة ذات صباح، أو إعتلى ظهر دبابة وجهت فوهتها للقصر الجمهوري.
لا شك أن من صاغ مصطلح "الأب القائد" كان أشد دهاءً وخبثاً من ذاك الذي أطلق على قاسم لقب "الزعيم الأوحد"، فوحدانية الزعامة على أية حال لم تحتكرنا بايلوجياً.
وما هي سوى بضعة سنوات حتى جاء الزمن العجيب الذي تسارعت فيه النخب لإبتداع أوصاف ونعوت لا مثيل لها في كل التأريخ المنصرم على الرجل الأول في البلاد، بحيث أصبح يحضي من الإسماء الحسنى التي خطت بماء الذهب ما يفوق عدد ما أختصت به الذات الألهية!
أعتقد أن موضوعاً كهذا يحتاج بحثاً، وربما عدداً من الأبحاث، وإن إحصاء الأوصاف التي أطلقت على الساسة يحتاج إلى قواميس لا قاموساً واحداً.
لقد إبتذلنا النعوت والأوصاف لحد لم يعد لها أي معنى، وعندما تُبتذل المفردات النبيلة لدرجة إفتقادها للمعنى يصبح الأمر كارثياً على نحو ساحق.
كي لا تذهب بالبعض الظنوون في كل مذهب، نقول أن هذا لم يكن حال العراق لوحده، وإنما هو حال الأمة المنكودة والمنكوبة برمتها، لكن حصة العراق من هذا الأمر كانت النصيب الأوفر.
هل إنتهت هذه الحالة بزوال عهد ومجيء آخر، أم أن البعض يمد الآن البساط الأحمر لظل الله على الأرض بنسخته المُحسنة، ظل الله في الأرض موديل القرن الحادي والعشرين.
صباح علي الشاهر